لقد بدأ لغزاً لكثيرين، وحتى لأعضاء منها، امتناع «هيئة التنسيق» عن المشاركة في مؤتمر «جنيف 2» لحل الأزمة السورية الذي لطالما أعلنت تأييدها له، واستعدادها للعمل على إنجاحه في حال دعيت للمشاركة فيه. في حقيقة الأمر شكّل موقف الهيئة هذا الذي أعلنته في بيانها الذي وجهته إلى الشعب السوري بتاريخ 15/ 1/ 2014 خيبة أمل لكثير من السوريين، الذين يتطلعون إلى رؤية بصيص ضوء في نهاية النفق الذي وضعهم نظامهم فيه، وعرضهم بالتالي لمحنة لم يحدث مثلها منذ الحرب العالمية الثانية.


ورغم كل الحجج التي ساقتها الهيئة في بيانها، بل ورغم كل تصريحات قادتها الشارحة والمفسرة لأسباب المقاطعة مع ذلك لا تزال لدى كثيرين شكوك بأنّ وراء الأكمة ما وراءها، وأن الأسباب الحقيقية لمقاطعة الهيئة لمؤتمر جنيف هي غير تلك التي ذكرت في البيان.
حقيقة الأمر لا توجد أكمة ولا يوجد بالتالي شيء مخفي وراءها. لتبيان ذلك لا بأس من التذكير بأن «هيئة التنسيق» منذ إنشائها في حزيران عام 2011 كأكبر وأوسع تحالف سياسي لقوى المعارضة السورية في الداخل كانت قد بنت استراتيجيتها السياسية على أساس دعم حق الشعب السوري في التظاهر السلمي لتحقيق مطالبه في الحرية والكرامة والديمقراطية، وكانت تحذر دائماً من مخاطر عسكرة الانتفاضة. غير أنّ الذي حصل بدفع من النظام أولاً، وباستجابة ملهوفة، كانت في وضعية الاستنفار، من دول عربية وأجنبية ثانياً، تم القضاء على الانتفاضة الشعبية السلمية، وصار الصراع في سوريا بين النظام وحلفائه، والمعارضة المسلحة وحلفائها، صراعاً على السلطة كان من نتيجته تدمير البلد والشعب معاً للأسف. في ظل هذا الوضع كانت المطالبة بوقف هذه الحرب العبثية تتقدم ما عداها من مطالب لدى «هيئة التنسيق» في الوقت الذي كان طرفا الصراع المسلح يصران على الحسم العسكري. لذلك ما إن أعلن عن مؤتمر «جنيف 2» لحلّ الأزمة السورية من قبل وزير خارجية روسيا السيد لافروف ووزير خارجية أميركا السيد كيري حتى سارعت «الهيئة» للترحيب به. وبالمناسبة كانت «الهيئة» قبل ذلك بكثير قد وافقت على جميع المبادرات لتحقيق مطالب الشعب السوري بطريقة سلمية، بدءً من مبادرة جامعة الدول العربية الأولى والثانية إلى خطة كوفي أنان ذات النقاط الست الشهيرة، إلى بيان «جنيف 1» لمجموعة العمل الخاصة في سوريا، في حين كان «الائتلافيون» يرفضونها باستمرار. باختصار فإنّ مشروع الحل السياسي للأزمة السورية هو مشروع الهيئة، وهي كانت أول من دعا إلى صيغة المؤتمر الدولي لتنفيذ هذا المشروع في البيان الختامي الذي أصدرته في نهاية أشغال مؤتمر الإنقاذ الوطني الذي عقد في دمشق بتاريخ 23/ 9/ 2012. وهي اليوم رغم عدم مشاركتها في مؤتمر «جنيف 2» لا تزال أشد إصراراً على مواقفها وبأنه لا حل في سوريا إلا الحل السياسي التفاوضي، لكن في إطار شروط ومعطيات تضمن نجاحه. ومن ضمن هذه الشروط، بل في مقدمتها تشكيل وفد معارض يمثل جميع ألوان الطيف المعارض، وبصورة خاصة تشكيلاته الرئيسية: هيئة التنسيق الوطنية، وائتلاف قوى الثورة والمعارضة، والهيئة الكردية العليا، وأن يضم في تشكيلته شخصيات معارضة تتمتع بالمصداقية والكاريزما والقدرة على التفاوض، وان يزود الوفد برؤية سياسية واضحة مبنية على قراءة مشتركة لبيان «جنيف 1»، تتضمن خطة واضحة لأولويات التفاوض. ومن المعلوم أن «هيئة التنسيق» كانت قد أعدت رؤيتها للحل السياسي ودعمتها بمذكرة تنفيذية لها، وكانت في حينه قد حازت على استحسان الجانب الأمريكي والروسي والأخضر الإبراهيمي.
الذي حصل وجعل «الهيئة» تتخذ قراراً بمقاطعة مؤتمر «جنيف 2» جرى على النقيض تماماً مما كانت تطرحه الهيئة وتعلنه وتدافع عنه مراراً وعلناً. فمنذ أن أعلن عن موعد انعقاد مؤتمر «جنيف 2» في 22/ 1/ 2014 كان هناك نحو شهرين لحين ذلك الموعد، وهي مدة، رغم ضيقها، كانت كافية لكي تحضر المعارضة نفسها للمؤتمر، بادرت الهيئة خلالها للاتصال بجميع قوى المعارضة الأساسية وخصوصاً بالائتلاف الوطني والهيئة الكردية العليا تدعوها للتشاور والتحضير لتشكيل الوفد المشترك. وفي هذا السياق التقى وفد «الهيئة» برئاسة المنسق العام مع السيد أحمد الجربا في القاهرة في 16/ 12/ 2013 وتم الاتفاق معه على عقد لقاء تشاوري لنحو أربعين شخصية معارضة من جميع تنظيماتها وأطرها للاتفاق على الرؤية السياسية لعملية التفاوض وتكتيكاتها وتشكيل وفد المعارضة للتفاوض. غير أنّ الائتلاف الوطني ظل يماطل حتى آخر لحظة باتخاذ قرار المشاركة في المؤتمر نتيجة للضغوط والتجاذبات الدولية التي تعرض لها. وعندما اتخذ قراره كان قد فقد جزءاً كبيراً من قاعدته التمثيلية نتيجة انسحاب أكثر من نصف أعضاء الائتلاف منه. وفي آخر لحظة حاول السيد الجربا دعوة المنسق العام الأستاذ حسن عبد العظيم بصفته الشخصية للانضمام إلى وفده، وكان من الطبيعي أن يرفض وهو يرأس أكبر تشكيل للمعارضة في الداخل السوري. بل وتم تجاهل الهيئة الكردية العليا وهي القوة الرئيسة المسيطرة على الأرض في كثير من مناطق شمال وشمال شرق سوريا. إنّ تشكيل وفد «الائتلاف» إلى مؤتمر جنيف بطريقة تخالف بيان «جنيف 1» سوف يعطي لوفد النظام الحق والمشروعية في مخالفة بنود أخرى في بيان «جنيف 2» لا يجدها مناسبة له، وهذا ما حذرنا منه مراراً. في حقيقة الأمر جرت صفقة بين الروس والأميركيين تمّ بموجبها عدم دعوة جميع فصائل المعارضة الوطنية الديمقراطية وفي مقدمتها هيئة التنسيق الوطنية للمشاركة في «جنيف 2»، والاكتفاء بوفدين يمكن السيطرة عليهما وتقبل الاملاءات.
من جانب آخر، فإن الهيئة كانت على علم بأن وفد النظام سوف يركز على محاربة الإرهاب في المؤتمر، في حين سوف يركز «الائتلافيون» على مسألة تنحي الرئيس، وكلا المدخلين لا يناسبان نجاح المؤتمر. كانت الهيئة تفضّل أن يتم الاتفاق على البنود الخمسة الأولى من خطة كوفي أنان، والمتضمنة في بيان «جنيف 1» وفي مقدمتها وقف إطلاق النار على كامل الأراضي السورية بقرار ملزم من مجلس الأمن، وذلك لخلق بيئة ملائمة للتفاوض ومن ثم الانتقال لمناقشة مستقبل سوريا الديمقراطي والعمل على استصدار قرار ملزم بذلك من مجلس الأمن حتى لا يتلاعب به النظام لاحقاً. بعد ذلك يمكن مناقشة القضايا الأكثر تعقيداً ومنها مسألة الحكومة الانتقالية وصلاحياتها. اليوم نشاهد نوعاً من صراع الديوك، وليس تفاوض من أجل إنقاذ ما تبقى من سوريا وشعبها، وهذا ينذر للأسف بفشل مؤكد لمؤتمر «جنيف 2».
* رئيس مكتب الاعلام
في «هيئة التنسيق الوطنية» السورية