«والله لا يرتق فتقكم، ولا يلم شعثكم، ولا تجتمع كلمتكم»،

الوليد بن يزيد لبني أمية قبيل مقتله.
الكامل في التاريخ (ج٤، ص: ٣٠٥)

«هَلَكَ بنو مروان»
العباس بن الوليد بن عبد الملك عشية مقتل الوليد بن يزيد

الكامل في التاريخ (ج٤، ص: ٣٠٤).

محمد بن سلمان (aka mbs و«الدب الداشر») هو مزيج غريب من شخصيتي مارك تاتشر والوليد بن يزيد. الأول، حسب كتاب صدر قبل عقد تقريباً عن ابن رئيسة وزراء بريطانيا السابقة، هو شخصية تافهة ومملة جداً، بلا أي موهبة، وتخلو كلياً من أي جاذبية أو فضيلة على الإطلاق. هذا، طبعاً، عدا عن كونه فاشلاً جداً في حياته المهنية والشخصية، وممنوع من دخول العديد من دول العالم بسبب اتهامات بالفساد والتورط مع تشكيلات مرتزقة في مؤامرات (فاشلة جداً) لقلب أنظمة حكم في أفريقيا ما استدعى تدخّل والدته مراراً وتكراراً لإنقاذه. تقرأ بعض ما كُتِبَ عن تاتشر هذا («ثروات تاتشر» أو «الانقلاب الخطأ») وتجهد لتركيب صورة عنه فتتخيّل شخصية مماثلة تماماً تقريباً لشخصية «المحاسب القانوني» المملة من المشهد الشهير لـ«مونتي بايثون». لكن، ولأن «القرد بعين أمه غزال»، كانت «الماما» تصرّ دائماً على أن مارك «وُلِدَ ليكون مستثمراً ناجحاً»، ويبدو أنها، رغم كل شيء، ماتت على مذهبها هذا. أما والده، الذي كانت أمواله سبب النجاح السياسي لتاتشر الأم أساساً، برغم شخصيتها المملة وقدراتها العقلية والسياسية المتواضعة جداً، كما تشير مراجعة لـ«لندن ريفيو اوف بوكس»، فكان دائم الشكوى أن عائلته لم تعرف الفضائح المتتالية على صفحات الجرائد اليومية الكبرى حتى بدأ هذا الولد التافه يشق طريقه في مجال الأعمال وفشله في كل مشروع (انظر: ر. و. جونسون. «وَلَدُها». لندن ريفيو او بوكس (عدد ٢٢)، ١٦ نوفمبر ٢٠٠٦).
أما الوليد بن يزيد، فهو في الحقيقة شخصية ظريفة، وحتى مرحة، كما ينقل بعض المؤرخين. ويبدو لي مع كل قراءة عنه أنه النقيض تماماً لشخصية ابن تاتشر المذكور أعلاه. فهو شاعر موهوب لدرجة كبيرة (يحكى أن أبو نواس سرق بعضاً من شعره لاحقاً)، وكان يتمتع بحس فكاهة وفطنة لحد كبير (كما يشهد على ذلك بعض شعره)، عدا كونه كريماً جداً حد الإسراف (يشهد على ذلك أعطياته التي قادت لوصف ابن عمه يزيد بن الوليد حين منعها عن الناس من بعده بالناقص)، وكونه فارساً شجاعاً من الطراز العربي التقليدي في أيامه – يذكر ابن كثير في «الكامل في التاريخ» أنه «كان من فتيان بني أمية وظرفائهم وشجعانهم وأجوادهم وأشدائهم» (ج ٤، ص: ٣٠٦)، ويذكر ابن الأثير في «البداية والنهاية»، والطبري في «تاريخ الأمم والملوك»، أنه «كان شديد البطش، طويل أصابع الرجلين، كانت تُضربُ سكَّةُ الحديد في الأرض، ويُرْبطُ فيها خيط إلى رجلِه، ثم يَثِبُ على الفرس فَيَرْكَبُها ولا يَمَسُّ الفرس، فتنقَلِعُ تلك السِّكَّةُ من الأرض مع وَثُبَتِهِ» (ج ١٠، ص:٢٢٣، وج ٤، ص:٢٤٧ على التوالي). لكن، لا يذكر المؤرخون في كلّ تاريخ الوليد لحظة شكسبيرية واحدة من طراز «قبلة الموت» التي طبعها ابن سلمان على يد وقدم ابن عمه، ابن نايف، عشية عزله والغدر به واحتجازه لاحقاً. على العكس، فإن أفضل شعره على الإطلاق، حسب ابن كثير، كان في هجائه الشجاع لعمه الخليفة، هشام بن عبد الملك، حين بلغه عزم الأخير على خلعه من ولاية العهد. لكن الفروسية والشجاعة والظرف والكرم والفصاحة ليست ما يجمع ابن سلمان بابن الوليد. فهو، ابن سلمان، في الحقيقة، لابن تاتشر، المستثمر الفاشل المذكور أعلاه، أقرب في ذلك منه لابن يزيد، كما يظهر من مقابلاته التلفزيونية والصحافية. لكن في تفاصيل قصة حرب آل سعود الأهلية (الباردة حتى ساعة كتابة هذه المحاولة) التي أشعلها ابن سلمان، والتي كان آخرها تصفية الصحافي المحسوب على الجناح المعادي لابن سلمان في العائلة الحاكمة، جمال خاشقجي، واحتمالات مآلاتها ما يذكر كثيراً بقصة حرب أهلية/ عائلية أخرى كان بطلها الوليد بن يزيد وانتهت بقطع رأسه وسقوط إمبراطورية الأمويين.

حرب بني أمية الأهلية: سقوط إمبراطورية
«ثم دخلت سنة ست وعشرين ومائة» يقول ابن الأثير في «الكامل في التاريخ»، وفي «هذه السنة قُتل الوليد بن يزيد بن عبد الملك الذي يقال له الناقص (1) في جُمادى الآخرة. وكان سبب قتله ما تقدم ذكره من خلاعته ومجانته، فلما ولي الخلافة لم يزد من الذي كان فيه من اللهو واللذة، والركوب للصيد، وشرب النبيذ، ومنادمة الفساق إلا تمادياً، فثقل ذلك على رعيته وجنده، وكرهوا أمره، وكان أعظم ما جنى على نفسه إفساده بني عميه هشام والوليد. فإنه أخذ سليمان بن هشام، فضربه مائة سوط، وحلق رأسه ولحيته، وغربه إلى عمان من أرض الشام، فحبسه بها، فلم يزل محبوساً حتى قتل الوليد... وحبس الأفقم يزيد بن هشام، وفرق بين روح الوليد وبين امرأته، وحبس عدة من ولد (عمه) الوليد، فرماه بنو هاشم وبنو الوليد بالكفر، وغشيان أمهات أولاد أبيه وقالوا: قد اتخذ مائة جامعة (2) لبني أمية» (ج٤، ص: ٢٩٩).

تصفية خاشقجي هي جزء من استكمال وتثبيت انقلاب ابن سلمان على الأسرة الحاكمة


لا يذكر المؤرخون إن كان الوليد بن يزيد قد عَلَّقَ أي من أبناء أعمامه من أرجلهم، كما فعل ابن سلمان بابن عمه الوليد بن طلال، حسب «دايلي مايل» (3). لكن جلده أبناء عميه (عمه هشام، وسَمِّيه عمه الوليد) بالسوط، وبإهانة سليمان بن هشام تحديداً بحلق شعر رأسه ولحيته ثم جلده كان مُرْتقاً صعباً جداً، كما ستثبت الأيام. فـ«سليمان بن هشام»، الذي كان يدرك عدم كفاءته للخلافة واستبدال الوليد بن يزيد، رغم محاولة والده مراراً تنصيبه بديلاً للوليد، كان محورياً جداً لاحقاً في التمرد عليه وتشجيع ابن عمه «يزيد بن الوليد» على التمرد أيضاً ومبايعته بالخلافة بدلاً للوليد. وفوق الإهانة والجلد والحبس، صادر الوليد كل أموالهم تقريباً. فكما يروي الطبري (تاريخ الأمم والملوك ج٧، ص:٢١٦) وابن مسكويه (العيون والحدائق في أخبار الحقائق، ج ٣، ص: ١٢١) وابن الأثير (الكامل في التاريخ ج٤، ص: ٢٨٧)، حين سمع الوليد بموت عمه هشام وتوليه (هو) الخلافة «كتب إلى العباس بن الوليد بن عبد الملك بن مروان أن يأتي الرصافة (حيث كان يقيم هشام) فيحصي (وفي قول آخر، يحمي) ما فيها من أموال هشام وولده ويأخذ عماله (وعياله) وحشمه، إلا مَسْلمة بن هشام فإنه كلم أباه في الرفق بالوليد. فقدِم العباس الرصافة، ففعل ما كتب به الوليد إليه» (ص: ٢٨٧).
أما عياض بن مسلم (كاتب الوليد وصاحب رأيه، كما ينقل المؤرخون - في مكانة «زعطوط» الوليد بن يزيد حينها – والزعطوط هنا وظيفة، كما هي صِفَة ومكانة وحالة وقدر، أجلّكم الله) فرغم كونه أسيراً في سجن هشام حينها، فلقد أرسل من سجنه إلى الخزّان (وزير المالية) حين علم بقرب نهاية هشام ومشارفته على الموت مهدداً: «احتفظوا بما في أيديكم». وحين خرج من السجن بعد موت هشام قام «بختم أبواب الخزائن، وأنزل هشاماً عن فرشه، وما وجدوا له قمقماً يسخن له فيه الماء حتى استعاروه، ولا وجدوا كفناً من الخزائن، فكفنه غالب مولاه» (الكامل في التاريخ، ص: ٢٨٧). لم يترك الوليد لعمه الخليفة هشام وأبنائه، إذن، أي مال، حتى أن حاشيته اضطرت لاستعارة قمقم لتسخين الماء وغسل جثة الخليفة الميت قبل دفنه، فيما دفعوا ثمن الكفن الذي دفنوه به من مالهم الخاص، لا من المال العام أو مال الخليفة وأبنائه الذي تم التحفظ عليه.
وبالإضافة إلى التنكيل بأبناء أعمامه («إفساده على نفسه بني عميه») وتقويض أحد أهم أعمدة الإمبراطورية الأموية التي ذكر بعض تفاصيلها «ابن الأثير» أعلاه، يضيف ابن كثير في «البداية والنهاية» أيضاً «إفسادهِ اليمانية، وهي أعظم جند خراسان» (ج١٠، ص: ٢٢٠). والمقصود هنا تسبب الوليد بن يزيد وعن معرفة وقصد بمقتل خالد القسري، الذي كان والياً على العراق حتى عزله هشام بن عبد الملك. وحين تولى الوليد الخلافة قام بتسليمه، أو بيعه، (مقابل خمسين ألف دينار)، لغريمه وعدوه يوسف بن عمر الذي كان حاكماً على العراق حينها فعذبه حتى الموت. هكذا انقلب اليمانية على الوليد وكانوا سبباً في هزيمته وفي مقتله – في الحقيقة، كان اليمانية أهم عناصر القوة التي هاجمت الوليد وقضت عليه – خالد القسري كان قد أغضب الوليد برفضه مبايعة ولديه، الحكم وعثمان، من بعده مستنكراً: «كيف أبايع من لا أصلي خلفه، ولا أقبل شهادته؟» – يقصد صغر سنهم (الكامل في التاريخ، ج٤، ص: ٢٩٩).

سقوط إمبراطورية
قُتِلَ الوليد في المعركة الأولى التي تواجهت فيها عساكر بني أمية - ففي أعقاب انضمام العباس بن الوليد (نصير الوليد) مجبراً إلى جيش شقيقه يزيد أصبح الوليد وحيداً، وانفض عنه من كان معه من جند وعسكر، ولم يبق معه في قصر النعمان بن بشير، حيث اختبأ في آخر أيامه، سوى أربعين رجلاً. وكان آخر من هرب منهم اثنان من المغنين الذين لازموه في حاشيته منذ البداية. وحين اقتحموا غرفته، في النهاية، تم حز رأسه وإرساله لابن عمه، والخليفة الجديد، يزيد بن الوليد الذي أمر «بنصب رأسه على رمح وأن يطاف به في البلد»، كما ذكر ابن كثير. وحين قيل له (أي ليزيد) «إنما ينصب رأس الخارجي»، قال: «والله لأنصبه. فشهره في البلد على رمح». ويذكر ابن كثير «أن رأسه لم يزل معلقاً بحائط جامع دمشق الشرقي مما يلي الصحن حتى انقضت دولة بني أمية» (ج١٠. ص: ٢٢٣).
لكن هذه المعركة ستكون الأولى والفاتحة فقط في صراعات بني أمية الدموية ولكنها لن تكون الأخيرة، ولا حتى الأكبر أو الأكثر دموية، في الصراعات التي حلّت بدولة بني أمية وانتهت بتقويضها نهائياً بعد أقل من خمس سنوات على مقتل الوليد، ولم يستطع إنقاذها من الانهيار حتى أقوى قادة الدولة وأكثرهم حنكة ودهاءً حينها، مروان بن محمد، الملقب بـ«مروان الحمار» – كونه «كان أصبر في الحرب من حمار». التمرد الأول كان من حمص التي أراد أهلها السير إلى دمشق حيث قائد الانقلاب يزيد بن الوليد، وقاربوا فعلاً على هزيمة جيش الأمويين الذي اعترضهم في الطريق. ثم تمردت فلسطين وبعدها الأردن على حكم يزيد بن الوليد ولم يخضعهما إلا جيش من أكثر من ثمانين ألفاً. لكن في الحادي عشر من جمادى الآخر عام ١٣٢ وقرب أحد روافد دجلة الواقع بين الموصل وأربيل (نهر الزاب)، خاض الأمويون معركتهم الأخيرة بقيادة مروان بن محمد في مواجهة جيش العباسيين بقيادة عبد الله بن علي. انتهت المعركة بهزيمة ساحقة للأمويين، وطاردهم العباسيون في كافة أرجاء العالم الإسلامي فقتلوا آخر خلفائهم، مروان بن محمد، في مخبئه في مصر. ولولا نجاة وهروب عبد الرحمن بن معاوية إلى الأندلس، لما ذُكر الأمويون بعدها.

دليلك للانقلاب الفاشل
أكاد أجزم أن «دليل عمل» مستشاري ابن سلمان الأجانب يتضمن كتابين. الأول هو «مجتمع الاستعراض» للفرنسي «غي ديبور» والثاني هو «كلاب الحرب» للبريطاني «فريدريك فورسايث». الكتاب الأول، كان، كما يبدو في خلفية طريقة إخراج استقالة سعد الحريري، كما في خلفية كل حملات ابن سلمان الإعلامية بخصوص «رؤية ٢٠٣٠» ومدينة نيوم. وهذه المشاريع الفاشلة تماماً تشبه إلى حدّ بعيد مصير كل المشاريع الفاشلة التي استثمر فيها مارك تاتشر مضيعاً ثروة والده وملطخاً سمعة العائلة تماماً – لم ينجح تاتشر هذا في مشروع واحد أقدم عليه على الإطلاق فأصبح اسمه مرادفاً للفشل (4)، إلا، والعلم عند الله، حصوله على ١٢ مليون جنيه إسترليني من صفقة اليمامة الفاسدة، كون بعض أمراء آل سعود قرروا مكافأته لدور والدته في المصادقة على صفقة الأربعين مليار جنيه. لكن فشل المحاولة السعودية في لبنان، مثلاً، كما سيكون مصير كارثة «نيوم» بالتأكيد (على افتراض أن مستشاريه فهموا الكتاب فعلاً) يؤكد خلل فرضية غي ديبور التاسعة: «في العالم المقلوب واقعياً رأساً على عقب، يكون ما هو حقيقي لحظة من لحظات ما هو زائف». لكن تكشف الأحداث في حالة ابن سلمان (كما في حادثة احتجاز سعد الحريري وإجباره على الاستقالة بطريقة مشهدية مثيرة علها تقود إلى صراع أهلي لبناني) يؤكد أن الحقيقي ليس مجرد لحظة من لحظات المزيف ولا يمكن أن يكون. فلقد كان على ابن سلمان أن يتعلم من درس اليمن، كما تعلم الصهاينة في حرب تموز وحروبهم في غزة، أنه لا يمكنك الانتصار في الإعلام ولا في العالم الافتراضي. وكان عليه أن يتعلم أن هناك، في الحقيقة، عالماً حقيقياً فعلاً تتصارع فيه قوى حقيقية وإرادات حقيقية، في ميادين حقيقية تخضع لموازين قوى حقيقية، وتسيل فيه دماء حقيقية. وفوق كل ذلك، كان عليه أن يتعلم أن كل ما يحدث يشير إلى أفق لا يجب ولا يمكن أن يدعوه إلى التفاؤل إنْ هو أصرّ على الاستمرار في نهجه. أنا، طبعاً، لا أنصح بتغيير الكتاب بل بطرد المستشارين الأجانب كذلك، وتوفير الأموال الهائلة التي تُدفع لهم لقاء نصائحهم الغبية لتغطية حاجات أهلنا في الجزيرة العربية.

لا يذكر المؤرخون إن كان الوليد بن يزيد قد عَلَّقَ أياً من أبناء أعمامه من أرجلهم كما فعل ابن سلمان


الكتاب الثاني، «كلاب الحرب» لفردريك فورسايث، هو باختصار شديد دليل عمل لـ«كيف تقوم بانقلاب». فبرغم أن الكتاب يعتبر قصة خيالية، هو في الحقيقة خطة الانقلاب التفصيلية التي وضعها المرتزقة البيض لقلب نظام الحكم في غينيا الاستوائية في عام ١٩٧٣. لكن الانقلاب فشل (سقط الحكم لاحقاً في انقلاب عسكري من الداخل عام ١٩٧٩). وفي تكرار هزلي لهذا السيناريو الفاشل، قامت مجموعة من المرتزقة البيض عام ٢٠٠٣، وبتمويل من مارك تاتشر الذي كان يأمل بالسيطرة على البلد الغني بالبترول والمعادن بالإعداد لانقلاب آخر. لكن الانقلاب، وكباقي استثمارات تاتشر، فشل فشلاً ذريعاً، ولولا تدخّل رئيسة وزراء جلالة الملكة، فلربما كانت عاقبة مارك السجن أو القبر. لكن يبدو أن عقلية مارك تاتشر ورفاقه الانقلابية هي ذاتها العقلية التي أدارت وتدير الانقلاب السلماني في بادية الظلمات، وتحديداً تصفية مراكز نفوذ الخصوم والمنافسين في الجناح المعارض لابن سلمان في العائلة الحاكمة.
فتصفية الصحافي جمال خاشقجي، المحسوب على جناح ابن نايف والقريب من أبناء فيصل والأمير أحمد والوليد بن طلال، هو جزء من استكمال وتثبيت انقلاب ابن سلمان على الأسرة الحاكمة. لكنه أتى في ظروف (سعودية، خليجية، إقليمية، وأميركية) وتوقيت مليء بالهزائم والصراعات الإقليمية، أثبتا شبه غياب كامل للحس السياسي لدى من أصدر القرار. أما في الأداء، فإن صحّ ما تتناقله وسائل الإعلام من تسريبات استخباراتية (ومعظمها على الأغلب صحيح)، وتفاصيل عن طريقة وشكل التنفيذ لجهاز استخبارات إقليمي (كالاستخبارات السعودية)، فيجب أن نشهد قريباً أولى المحاكمات بتهم الغباء السياسي والاستخباراتي – كيف لا تعرف الوحدة الذي نفّذت الاغتيال طريقة عمل «الآي واتش» فتبقى على تزامنها مع الهاتف النقال في الخارج، وكيف لا يوجد في قنصلية دولة إقليمية كبرى في دولة أهم خصومها الإقليميين غرفة عازلة غير مخترقة لمهمات من هذا النوع.
لا أعرف حقاً إن كان طاقم ابن سلمان قد قرأ «كلاب الحرب» أو «الانقلاب الخطأ» فعلاً، لكن عدم إدراك اللحظة المحلية والإقليمية والدولية من جهة، والأداء المتخلف لأجهزته من جهة أخرى، يذكّر كثيراً بانقلاب غينيا الاستوائية عام ٢٠٠٣ – يذكر أدم روبرت أن التسريبات حول الانقلاب حينها كانت كثيرة لدرجة أن كل حكومات المنطقة تقريباً عرفت بالخطة، هذا عدا عن أن المتآمرين كان يتحدثون عن خططهم الانقلابية بشكل صاخب وعلني، وأحياناً كانوا يتفاخرون بها وهم سكارى أمام الناس في المطاعم والحانات. وهذا طبعاً قبل «الآي واتش» وتكنولوجيا التنصّت والرقابة والغرف العازلة التي يبدو أن أجهزة ابن سلمان لم تسمع عنها بعد.

خاتمة: نهاية بادية الظلمات؟
«سنة وثلاثة أشهر»، وقيل: «سنة وشهران واثنان وعشرون يوماً» هي مدة خلافة الوليد بن يزيد، كما جاء عند ابن الأثير (الكامل في التاريخ، ج ٤، ص: ٣٠٦)، والطبري («تاريخ الأمم والملوك»، ج ٧، ص:٢٥٣). أما ابن كثير صاحب «البداية والنهاية» فيؤكد ذلك بتفصيل أكثر. فلقد بويع للوليد بالخلافة بعد موت (عمه الخليفة) هشام بن عبد الملك في السادس من ربيع الآخر سنة ١٢٥ هجري (٦/٤/١٢٥ هـ) ويَذكُر أن قتله كان لليلتين بقيتا من جمادي الآخرة سنة ١٢٦ (٢٧/٦/١٢٦ هـ) (الجزء العاشر، ص: ٢١٢). وما بين هذين اليومين حدث كل ما يمكن أن يُسقط إمبراطورية ويقوّض أهم أسسها.
سنة وشهران واثنان وعشرون يوماً بالضبط، إذن. هذا هو رقم الوليد بن يزيد القياسي لتقويض وإسقاط إمبراطورية سال من أجل بنائها الكثير من الدماء. هل سيكسره ابن سلمان؟
لننتظر (ونصلي) ونرى.

الهوامش:
(1) يذكر الطبري في الجزء السابع من «تاريخ الرسل والملوك» أن الناقص هو يزيد بن الوليد، وليس ابن عمه الوليد بن يزيد، كما قال ابن الأثير في «الكامل»، وهو الصحيح لأنه، أي يزيد، كان قد أنقص «الناس الزيادة التي زادهموها الوليد بن يزيد في أعطياتهم؛ وذلك عشرة عشرة، فلما قتل الوليد نقصهم تلك الزيادة؛ وردّ أعطياتهم الى ما كانت عليه أيام هشام بن عبد الملك».
(2) الجامعةُ، كما جاء في «لسان العرب»: الغُلُّ، لأنها تجمع اليدين إلى العنق.
(3)http://www.dailymail.co.uk/news/article-5108651/American-mercenaries-torturing-Saudi-princes.html
(4) عن نهاية ابن تاتشر: يحكى أن ابن تاتشر دخل مطعماً في تكساس (حيث كانت تعيش طليقته) وساءه طول الانتظار في الدور مثل باقي البشر. نادى، ابن تاتشر، على عاملة الاستقبال في المطعم قائلاً بغضب: هل تعرفين من أنا؟ أنا مارك تاتشر. ردت عليه: حتى ولو كنت مارك توين، يجب عليك الانتظار في الدور.
* كاتب فلسطيني