مشهد «فانتازي» بامتياز، ينقلك من صورة اعتقال شاب يرفع لافتة تقول: البرلمان هو الحل، عام 1994، إلى التهديد باعتقال المواطن نفسه في العام 2018 إن هو ردّد: ليس هذا هو البرلمان الذي ناضل من أجله الشعب، أو دعا إلى مقاطعته! يدرك المواطن البحريني أن الأزمة السياسية نجحت في التحوّل إلى أزمة مزمنة، تتماشى بشكل ثنائي أو جماعي مع جميع الأزمات الصاعدة في المنطقة. ومَن يبحث في خلفياتها يجد جذور الأزمة ممتدة إلى ما قبل تكوين الدولة الحديثة في الأرخبيل الصغير. لكنها برزت أكثر مع صعود الحركات والأزمات، لتحجز موعد الـ14 من شباط/ فبراير 2011 كيوم رمزي لانطلاق موجات التظاهرات الشاملة، لتُعرف بعد ذلك بثورة الرابع عشر من فبراير.


جذور الأزمة
على رغم الإيحاء القوي الذي بعثه يوم 14 فبراير 2011، باعتباره يوم مصادقة ملك البحرين على دستور 2002، إلا أن غالبية الجماعات السياسية، التي اجتمعت في لقاء في قاعة النادي الأهلي، اعتبرته خروجاً عن مبادرة الملك لبدء مشروع إصلاحي يرتكز على إعادة الصلاحيات التشريعية والرقابية، وحصرها في يد مجلس نواب منتخب. ورأت هذه القوى أن الدستور الجديد هو دستور منحة وليس تعاقدياً، وأنه جمع للملك المزيد من الصلاحيات المفتوحة، وقلّص من مصدرية الشعب للسلطات. وفي الشكل، فإن كتابة الدستور بعيداً من عين الشراكة الشعبية بيد خبير دستوري مصري (رمزي الشاعر)، وعدم طرح الدستور الجديد للتصويت عليه بعد تجاوز التطلّعات لقيامة مجلس تأسيسي، كانت أول ثلمة في مبادرة الانفتاح بعد أزمة الحركة الدستورية وانتفاضة الكرامة خلال عقد التسعينيات (1994 – 2000)، لكنها لم تكن أبداً قاع بحر الأزمة.
وقد أصرّت النخب السياسية، التي شارك ممثلون غير مباشرين عنها في لجان شُكّلت بالتعاون مع الديوان الأميري (ما قبل تحول البحرين من إمارة إلى مملكة) لكتابة ميثاق العمل الوطني، على أن يكون دستور 1973 المرجعية الدستورية الحاكمة للمبادرات والإصلاحات، وأن يكون ميثاق العمل الوطني الذي يأذن بانطلاق عجلة التغيير وبإجراء التعديلات الدستورية محكوماً بدستور 1973 بعد إجراء استفتاء شعبي. لكن أربعة من الدستوريين والقانونيين أعلنوا انسحابهم من لجنة صياغة الميثاق، من أبرزهم المحامي حسن رضي، عضو لجنة الدفاع عن أمين عام «جمعية الوفاق» حالياً، وذلك نتيجة ما اعتبروه وجود تيار جارف وإدارة مسيطرة من قبل الديوان لتجاوز روح دستور 1973، وترميز الملك في شخصه كمفوّض للانفراد بقرار ما بعد الاستفتاء الشعبي على الميثاق. وهي المؤشرات الأبرز على الإشكال الدستوري كمرجعية للأزمة السياسية منذ حلّ أول مجلس وطني منتخب، وتعليق العمل بالدستور في العام 1975، حيث تمّت مخالفة الدستور بعدم الدعوة لانتخابات جديدة أو إعادة السماح بانعقاد المجلس بعد حلّه بقرار أميري، حيث بقي الفراغ التشريعي وتعليق العمل بالدستور سارياً حتى تعديل الدستور بإرادة منفردة، وتكوين مجلس معين للشورى في كانون الأول/ ديسمبر 1992، ثم العودة إلى تعديل ذلك بزيادة عدد أعضاء المجلس من 30 إلى 40 في العام 1996، بعد إعلان السلطات البحرينية سلسلة «محاولات انقلابية» آخرها مزاعم إنشاء خلية باسم «حزب الله البحرين»، وتخفيض التمثيل الديبلوماسي مع الجمهورية الإسلامية في إيران.
خلال فترة التسعينيات من القرن الماضي، وصولاً إلى بدايات تكوين فكرة الخروج من الأزمة، كانت تبرز منطقة «الرقابة والتشريع» كبؤرة للأزمة السياسية، إلى ما بعد صدور دستور «المنحة» في العام 2002، والذي أعاد الحديث مجدداً إلى فكرة شرعية الحكم وشرعية التمثيل بعد غياب الشراكة السياسية. وبات الحديث السياسي يعود إلى إشكالات جان جاك روسو والعقد الاجتماعي، أكثر من فكرة البحث في مبادئ «الحكم الرشيد». وتراكم هذه التعبيرات هو ما فسّر الارتياب الكبير الذي شعر به الملك من الدعوات للاحتجاج في يوم 14 فبراير، الذي يعتبر بالنسبة إليه يوماً لاكتساب الشرعية من «ميثاق العمل الوطني» وإمضاء الدستور الجديد المُطبَّق في البلاد (دستور 2002).

الأمير الملك!
منذ تسلّم حمد بن عيسى آل خليفة مقاليد الحكم بعد وفاة والده الأمير في آذار/ مارس 1998، استفاد آخر أمراء «دولة البحرين» من تراجع حدة الاحتجاجات في الشارع، وذهب إلى خيار إنهاء الأزمة السياسية من خلال كسر ظهر المعارضة، وإصدار أحكام على قيادات انتفاضة الكرامة (1994 - 2000)، وعلى رأسهم الشيخ عبد الأمير الجمري الذي حُكم عليه في 7 تموز/ يوليو 1999 بالسجن 7 سنوات، وغرامة مالية قدرها 15 مليون دولار، قبل أن يتم تحويله إلى الإقامة الجبرية في منزله بعد تردّي حالته الصحية، ثم ضَغَط لانتزاع اعتذارات من قيادات المعارضة تضمّنت زيارة للشيخ عبد الأمير الجمري لقراءة الاعتذار، وتقبيل رأس الأمير الشاب أمام شاشات التلفزيون. ونشرت الصحف المحلية اعتذارات بأسماء قيادات معارضة، قبل أن يظهر أمير الدولة الجديد آنذاك بمشروع إعادة هيكلة القوى والتوازنات داخل العائلة الحاكمة، وتقليص نفوذ الحاكم الفعلي للبحرين إبان تولي والده مقاليد الحكم، وهو شقيق والده ورئيس الوزراء منذ 1971.
تضمّن المشروع فكرة الاستناد إلى تغيير هيكلي جذري يشمل تغييرات في مرجعية الحكومة. واستندت هذه التغييرات إلى الثقل الشعبي بعنوان الإصلاح وإعادة الحياة الدستورية. وهو ما ولّد فكرة «ميثاق العمل الوطني» كآلية تُفتَتح بها هذه التغييرات، ابتداء من تحويل البحرين من إمارة إلى مملكة. وهو ما ولّد النقاشات حول طبيعة المملكة الجديدة، وطبيعة العلاقة بين الملك والحكومة. واحتاجت الغالبية السياسية بعمومها، والغالبية الشيعية على وجه الخصوص، إلى ضمانات تحرّكها لتأييد توجه الأمير الجديد.
غير أن وجود نقاشات داخل المعارضة نفسها حول طبيعة هذه الضمانات، ومدى جدوى الانفتاح على خيارات الأمير الجديد، لم يسمح بإقامة ضمانات فاعلة. فعلى رغم تصريح رئيس لجنة صياغة «الميثاق»، خالد بن عبد الله آل خليفة، حول حاكمية الميثاق على الدستور، وضمان صلاحيات المجلس المنتخب في الرقابة والتشريع في مقابل مجلس شورى ذي طبيعة استشارية، وكذلك على رغم توقيع ملك البحرين على وثيقة مجلس السيد علوي الغريفي، وهي مجموعة مطالب تقدّم بها أحد أهمّ الشخصيات الدينية في البحرين السيد عبد الله الغريفي، إلا أن التصريحات الإعلامية الموثّقة، والتوقيع على أوراق تعاهدية أمام عدسات الكاميرا، لم يمثل ضمانة كفيلة بمنع كارثة دستور 2002.

تجد السلطة نفسها مضطرة إلى البحث عن منطقة وسطى لتنفيس الأزمة


وعلى رغم أن طيفاً أساسياً من المعارضة لم يؤيد الموافقة على مشروع «ميثاق العمل الوطني» وفق ذلك السياق السياسي من دون توفير ضمانات أكثر جدية، فإن رأي هذا الطيف الذي كان يشمل الشيخ علي سلمان وآية الله الشيخ عيسى قاسم لم يحضر في الشارع السياسي والاجتماعي في العام 2001، حيث عمدت الماكينة الإعلامية والأجهزة الرسمية إلى تحويل البحرين إلى ما سمّاه زعيم الجبهة الشعبية في البحرين، وأمين عام «جمعية العمل الديموقراطي»، عبد الرحمن النعيمي، «عام شهر العسل» بين الحكم والمعارضة. وشمل ذلك نزول الأمير الجديد إلى الشوارع والمجالس، وإقامة المهرجانات، خصوصاً بعد إصدار عفو عام عن جميع السجناء السياسيين. وبالتالي، حصد «ميثاق العمل الوطني» غالبية ساحقة من التأييد محلياً. لكنه كذلك احتوى على العبارة المفتاحية لتحويل البحرين إلى مملكة دستورية على غرار الممالك الدستورية العريقة. وهو ما تمت مخالفته في دستور 2002، وأدى إلى مقاطعة القوى السياسية الأساسية للانتخابات البرلمانية في ذلك العام.
يكشف كتاب «مرافعة وطن»، الذي كتبه أمين عام جمعية «الوفاق»، الشيخ علي سلمان، وتضمّن مرافعته في المحاكمة التي أدت إلى سجنه منذ العام 2014، عن حوارات ولقاءات عدة جمعته مع الملك، وكذلك مع وزير ديوانه ومع ولي عهده. وقد تحرّكت هذه الحوارات منذ العام 2002 وحتى 2014، وتضمّنت نقاشات حول طبيعة النظرة إلى دستور 2002، وصلاحيات المجلس المنتخب، وطريقة رسم الدوائر الانتخابية، والعدالة في التمثيل داخل مجلس النواب والحكومة.
ينضمّ هذا المعطى إلى تفسيرات المعارضة لقبولها بالعودة إلى المشاركة في العام 2006 في الانتخابات النيابية، وترشيح الصفوف الأولى من المعارضين أمثال عبد الرحمن النعيمي، والشيخ علي سلمان. ولكن ما تلى فوز المعارضة بـ18 مقعداً من أصل 40، وما نسبته 64% من أصوات الكتلة الناخبة، مع حرمان هذه القوى من رئاسة البرلمان أو التمثيل العادل في تشكيل الحكومة، أدى إلى صدمة كبيرة في الشارع السياسي، بلغت ذروتها في تصاعد الأحداث بين العامين 2008 و2009، واعتقال زعماء المجموعات المقاطعة. ومهّد تراكم فشل مجلس النواب في معالجة الملفات السياسية والاجتماعية الملحة، كالتجنيس السياسي والتوزيع العادل للثروة والفساد الإداري والمالي، الطريق لانفجار الاحتجاجات في البحرين مع فورة الحراك في البلدان العربية في العام 2011. وهو ما أدى كذلك إلى انسحاب نواب المعارضة الثمانية عشر بعد أقلّ من عام على نجاحهم في الانتخابات النيابية الثانية التي شاركوا فيها في العام 2010. وعادت قوى المعارضة الوطنية إلى الامتناع عن المشاركة في الانتخابات التكميلية في 2011، وبعدها في انتخابات العام 2014. وتقول المعارضة إنها باتت تمتلك المنبر الإعلامي وهو الميزة الوحيدة التي منحتها إياها المشاركة في 2006 و2010.

المرجعية الدينية والتوازن السياسي
شكّلت المرجعية الدينية خلفية مباشرة للتوجّهات السياسية في البحرين في غالبية محطّاتها السياسية، بما يشمل فترة سيطرة التيارات اليسارية والقوى القومية على الشارع السياسي. وكانت التوافقات والخلافات التي تجمع بيت الحكم مع المرجعية الدينية بوابة عبور للحلحلة أو التأزم السياسي. وعلى رغم أن استقلال البحرين في 14 آب/ أغسطس 1971 جاء بإرادة بريطانية وتوافق مع عائلة آل خليفة، إلا أن زيارة حاكم البحرين للسيد محسن الحكيم في عام 1968 جاءت لتوجيه الغالبية الديمغرافية إلى دعم تولّي آل خليفة مقاليد الحكم في وطن مستقل، وقطع الطريق على مطالبات شاه إيران، وذلك قبيل إرسال بعثة تقصّي حقائق أممية إلى البحرين. تكرّر هذا المشهد في منزل السيد علوي الغريفي قبيل التصويت على «ميثاق العمل الوطني» في عام 2001، وتكرّر في العامين 2003 و2005 حيث ارتفع صوت آية الله الشيخ عيسى أحمد قاسم وكبار علماء البحرين قبيل سحب قانون الأحوال الشخصية ومشاركة قوى المعارضة الوطنية في الانتخابات النيابية. وفي عام 2016، تفاقمت الأزمة في البحرين بعد سحب جنسية آية الله قاسم، وفرض الحصار على قرية الدراز حيث يقطن، ثم مهاجمة المعتصمين أمام داره بعد إصدار حكم يتعلق بفريضة الخمس في أيار/ مايو 2017.
على رغم أن المرجعية الدينية والعلمائية شكّلت قيادة شعبية قادرة على بناء التوافقات، والتعبير عن الغالبية السياسية في فترات غياب العمل السياسي، إلا أن وجودها وثقلها الاجتماعي شكّلا عبئاً على توجّه العائلة الحاكمة للاستئثار بالحكم والسيطرة. وقد سبق أن أبدى ولي عهد البحرين امتعاضاً في اتصال هاتفي بالأستاذ عبد الوهاب الحسين، بعد احتشاد المواطنين في سلاسل بشرية لاستقبال آية الله قاسم بعد عودته من قم في عام 2001. وتساءل ولي العهد في ذلك الاتصال عمَّن يدير دفة الحكم في البلاد، وما إذا كان لدى المعارضة أي نية لمنافسة العائلة الحاكمة ووالده الأمير. غير أن ولي العهد ذاته جلس متربعاً على الأرض في مجلس آية الله قاسم، إبان وضع الحجر الأساس للمدينة الشمالية في تشرين الأول/ أكتوبر 2002، لتقديم فكرته للإدارة الاقتصادية للبلاد.
اليوم، وبعد حلّ كبرى جمعيات المعارضة (الوفاق ووعد)، والإساءة المتمادية التي وُجِّهت إلى كبرى المرجعيات الدينية للشيعة (آية الله قاسم)، وفشل مشروع إحلال الوجاهة الاجتماعية والأعيان كبديل قادر على التخاطب مع بيت الحكم وحيازة التمثيل الشعبي القادر على إعطاء الشرعية لخطوات السلطة ومؤسساتها، تجد السلطة نفسها مضطرة إلى البحث عن منطقة وسطى، ومحاولة أخذ شارع المعارضة إلى خارج وجهته السياسية، للتنفيس من احتقان الأزمة، مع عدم الوصول إلى عناوين ثورة 14 فبراير.

الشراكة المفقودة
البحث في العناوين التي طرحتها قوى المعارضة الوطنية في التفاعل مع الأزمة الدستورية منذ عام 2002، وصولاً إلى تطورات ما بعد عام 2011، يؤدي إلى مفردة واحدة: الشراكة. فقد عبّر المؤتمر الدستوري، وهو أول أشكال تجمعات المعارضة، عن رفض دستور 2002 على قاعدة فقدان صفة التعاقدية. وفي «وثيقة المنامة»، تبحث أربعة من المبادئ الخمسة عن موقع المكونات الشعبية في التمثيل العادل داخل المجلس النيابي والحكومة والأجهزة الأمنية. الشراكة، بعد غياب صفة التعاقدية، باتت المعضلة التي تقف حجرَ عثرة أمام أي تقدم سياسي في الأزمة البحرينية. وقد تفاقمت هذه المعضلة بعدما فقدت السلطات المحلية القدرة على إشراك المكونات السياسية في حوارات سياسية أو التشاور معها لجَسر الهوّة، بعدما صارت الأزمة البحرينية ورقة إقليمية حول دولة متعثرة تنتظر قرارها السياسي من أبو ظبي والرياض، تماماً كما تنتظر المعونة الاقتصادية بسبب الاقتصاد المنكوب.
وفي الوقت الذي باتت فيه المعارضة الإصلاحية في داخل البحرين ممنوعة من الانشغال والاشتغال بالعمل السياسي تحت وطأة الشطب والحلّ أو الاستدعاء إلى «غرف الموت»، حيث يمارس جهاز الأمن الوطني التعذيب، ويتدخّل في توجيه النشطاء السياسيين والحقوقيين، وينجح في بعض الأحيان في تجنيد أفراد للعمل لمصلحته ككَتَبة تقارير أو حَمَلة أجندته الخاصة في مواقع نشاطهم... تجد المعارضة الإصلاحية نفسها مضطرة إلى مراجعة جذور الأزمة، والبحث في مفاهيم الشراكة والشرعية، في تحدٍّ لخيار الإلغاء.
تواصل قوى المعارضة الوطنية طرح مبادرات في اتجاه خياراتها السياسية، على رغم تجاهل النظام لمبادراتها السابقة، وتحويل تقبّلها للمبادرات العربية والدولية إلى تهم تخابر في وجه رموز المعارضة وشخصياتها. وقد تحدثت مصادر عليمة في المعارضة، في وقت سابق من العام الماضي، عن أن النظام رفض مبادرات تقدّمت بها دول وشخصيات خليجية خارج دولة قطر، ليضاف ذلك إلى رفض مبادرات جاءت من شخصيات عربية وإسلامية، كأمير الكويت صباح الصباح، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وأخرى من دول وإدارات نافذة، بما فيها إدارة الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما. وكان الأمين العام لـ«الوفاق»، الشيخ علي سلمان، وعدد من مساعديه، يُحاكمون بتهمة التخابر مع رئيس الوزراء القطري السابق حمد بن جاسم، علماً أن هذه التهمة تعود إلى تلقّي الشيخ اتصالاً من حمد بن جاسم من داخل قصر ملك البحرين حمد بن عيسى آل خليفة، يعرض فيه المسؤول القطري وساطة، اطلع عليها، بالإضافة إلى ملك البحرين، وزير الخارجية السعودي السابق سعود الفيصل.
وتفهم قوى المعارضة، من هذا التعاطي، غياب الرغبة في تمكين المواطنين من الشراكة، وإسقاطاً لمفهوم المواطنة، وإلغاءً لفكرة العقد الاجتماعي والتزام دستور يضع المواطنين في موقعهم المناسب كمصدر للسلطات. ومع ذلك، وفي عام 2018 وحده، تحدث نائب الأمين العام لجمعية «الوفاق»، الشيخ حسين الديهي، عن مشروع بحجم الوطن، ودعوة للحوار في خطاب الذكرى السابعة لثورة فبراير، قبل أن تصدر الجمعية في حزيران/ يونيو الماضي «إعلان البحرين» بوصفه المبادئ الأساسية التي يمكن الرجوع إلى أرضيتها للتفاوض والحوار. وحتى إعلان مقاطعة الانتخابات البلدية والنيابية لعام 2018، خلال مؤتمر صحافي في لندن في 9 تشرين الأول/ أكتوبر الجاري، شمل تشديداً على ضرورة اللجوء إلى التفاوض، والتزام قواعد الحوار، حيث تُعدّ هذه الدعوات جزءاً من مبدئية المعارضة في الحفاظ على وطنية الحل وسلمية الحراك.
وعلى رغم عودة سماحة السيد عبد الله الغريفي لطرح مبادئ المعارضة للعمل السياسي والارتكاز على الحوار الوطني في مقاربة الأزمة السياسية، إلا أن عناصر التوتير والتأزيم تسيطر على العقل السياسي والعملي للسلطة، بما يُعجِز عن إنتاج التفاهمات والقبول بالاعتراف بدور للمعارضة يقترب من برنامجها المطروح في «وثيقة المنامة»، أو يحقق تقدماً في العملية السياسية باعتبارها ركيزة للخروج من الأزمة. لقد ولّد أسلوب التعاطي مع تذكير السيد عبد الله الغريفي بمبادئ الحوار والابتعاد عن التشنّج في مقاربة الأزمة السياسية، قناعات بتوجهات النظام لعام 2018، وهو عام انتخابات برلمانية تريد العائلة الحاكمة من خلالها إنهاء حالة القطيعة مع مؤسساتها السياسية، وبرنامجها في تشكيل الحراك المجتمعي بعيداً عن فكرة الشراكة والحضور في مواقع القرار.
وحيث إن إعلان المقاطعة في عام 2014 سبقته وأعقبته تهديدات واضحة لجمعية «الوفاق» حملتها الحكومة البريطانية، شملت القطيعة الدولية وإنهاء الوجود السياسي والتوقف عن ممارسة الضغط السياسي لحماية المعارضة من جور الانتهاك، إلا أن مشروع العزل السياسي فشل دولياً، وبات مشهد انتخابات 2018 يقول إن المكونات السياسية التي شاركت في 2014 لم تَحُز الاعتراف الدولي بفاعليتها السياسية، بخلاف المعارضة التي بقيت حاضرة في المشهد السياسي البحريني كطرف يقابل بيت الحكم، لكن بلا شراكة أو اتصال سياسي بين الطرفين. ولا يكاد يتذكر أحد موقفاً سياسياً لافتاً لحركات كانت حاضرة مثل «السلف» أو «الإخوان» في أي مشهد سياسي محلي.
تدرك المعارضة أن شقّ شارعها، وعزل فئات منه عن خيارات قيادته السياسية، كان دائماً هدفاً مغرياً، غير أن إعادة إظهار المعارضة بصورة المعرقِل والمسبِّب لاستمرار معاناة المواطنين سيكون الأسلوب الأمثل ــ من وجهة نظر النظام ــ لكسر قيادات المعارضة وتجاوزها. لكن هذا المشروع المفترض يصطدم بجملة من الحقائق التي تستند إليها قيادات المعارضة، أولها أنها لا تملك مشروعاً خاصاً بعيداً عن تشخيصها لاحتياجات البحرين للاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وثانيها آلية عملها في استشفاف توجهات شارعها والتعبير عن المشروع السياسي الأنسب لطموحه، مستندة في ذلك إلى تصنيف مطالبها في خانة الحقوق الإنسانية الأساسية وأبجديات الديمقراطية وقيم الشراكة، خصوصاً أن الأزمات التي تنال من أمن المواطنين على المستويات كافة باتت تتراكم في ظلّ انفراد بيت الحكم بالقرار والسلطة.

مشروع المعارضة
تجد المعارضة نفسها في موقع المتحرّر من الضغوطات الدولية التي مورست عليها في 2014 للقبول بالدخول في لعبة الانتخابات. آنذاك، اضطر زعيم المعارضة، الشيخ علي سلمان، إلى أن يخرج بخطاب مفتوح وسط الجماهير ويقول: «لن نوقع على صكّ عبوديتنا... الشعب صاحب القرار». اليوم، وإثر اجراءات السلطة وممارساتها خلال السنوات الأربع الماضية، باتت القناعة الدولية مهتزة بجدوى الضغط على المعارضة. فقد حُلَّت الجمعيات الرئيسة (الوفاق ووعد)، وسُنَّ قانون يمنع أعضاءها من الترشح أو الانتخاب، ليس فقط في الندوة البرلمانية المحدودة، بل في مختلف مؤسسات المجتمع المدني من جمعيات وإدارات أهلية بما يشبه نظام العزل الاجتماعي والسياسي. وهو أمر لا يمكن معه دعوة المعارضة إلى القبول بالأمر الواقع، والدفع بغير المحازبين في مشروع هو خارج قناعاتها السياسية. وإذا اقترن الأمر بإنجاز المعارضة لموقفها مبنياً على الدراسات القانونية والدستورية، سيكون على المجتمع الدولي اعتبار قرار المقاطعة بداية رسم لمسار جديد بعيداً عن الطريق المقطوع الذي رسمه دستور 2002.
وفيما تحشد المعارضة أنصارها للمقاطعة، يبدو هذا الخيار حاضراً في شارع الموالاة المحبط، بعد فشل المكوّنات المُمثّلة له في إنجاز حلحلة للقضايا الأساسية التي يعاني منها. وهو في المقابل صار يرى البرلمان على حقيقته، خاضعاً لإرادة الحكومة وعاجزاً عن الدفاع عن المواطنين أو تصحيح السياسات الخاطئة. ويراه مكتوفاً أمام ملفات التجنيس السياسي المتزايدة، وتراكم العجز، واستمرار سياسات الاستدانة، والانكفاء أمام تراجع موقع اليد العاملة البحرينية في السوق المحلية، وتردي الخدمات الأساسية في مقابل فرض المزيد من الضرائب من دون وجود قدرة رقابية ومحاسبية. وتطرح المعارضة مشروع الذهاب إلى مملكة دستورية يكون الحكم فيها لآل خليفة، والحكومة مُمثّلة للإرادة الشعبية وخاضعة للمساءلة والرقابة البرلمانية، بما يعني ضرورة إنجاز مصالحة وطنية كبرى تكون نتاج تفاوض جاد، وتفضي إلى التخلّي عن سياسة القمع. وفي الوقت الذي ترفض فيه السلطات البحرينية الاعتراف بالأزمة السياسية في خطابها للمواطنين، تجد نفسها مضطرة إلى تضخيم هذه الأزمة ودور المعارضة في حواراتها الخاصة مع الدول الخليجية، بغية حشد الدعم المالي والسياسي. غير أن وجود الشرخ الخليجي الكبير، والتحديات الاقتصادية الشاخصة، يعودان ليطرحا مشروع المعارضة كخيار إنقاذي، بعدما قفز الدين العام إلى أكثر من 30 مليار دولار، وبات الناتج المحلي عاجزاً عن سداد خدمة الدين. وتجد المعارضة أن تجذرها المجتمعي، ومنطقية مشروعها السياسي، يجعلان منها خياراً قادراً على طرح نفسه بعد انتهاء مفاعيل نشوات انغماس السلطة في المشاريع الإقليمية. وحتى ذلك الحين، تتمسّك قوى المعارضة الوطنية، وعلى رأسها «الوفاق»، بخيارات العمل السلمي والدعوة إلى الإصلاح ووطنية الحل.
*كاتب بحريني