في بيروت، الموت يلاحق الزوايا القديمة. تسقط بيوت ولا تعلو أخرى. اعتاد الناس منظر الجرافات. أعلى كومة حجارة كانت بيتاً. ما يحصل في بيروت اليوم يجعلنا نبحث عن معنى ما، في الكتب أو في العقل، في الأخبار أو في الصلاة. نسقط نحن مع كل بيت وشرفة ونافذة على الحديقة. نسقط، وتسقط بين دقّات الساعة غمائم سلام واستقرار ما برحت تخبئ الكثير.


نحزن لهدم بيت أو آخر، «ننرفز» من تغيّرات في المدينة التي نعرف، لكن شيئاً أكبر يحصل، يجعلنا نقرأ في هذا الدمار نفس صفات الدمار المسيطر على المنطقة كلّها. من قال إن للبشاعة وجهاً واحداً؟
في «العادة» _ أحياناً _ موت للدهشة والانذهال ببسائط الأمور. الأطفال يخلقون «غير معتادين»، لذا يندهشون لسذاجة الأشياء، والحياة غالباً ما تكون ساذجة. فإذا تعوّدنا عليها كثيراً فقدنا من متعتها واجتثاثنا للجميل فيها. ونحن تعوّدنا رؤية مدينتنا. انتهت علاقتنا بها، خَبَت لهفة اللحظات الأولى وأصبحنا نواجه باستدارة للوجه، انهيار الجميل فيها. تتغيّر المساحات وتُسلَخُ النوافذ ... ونتشظّى نحن. ما يحصل الآن هو انهيار مدينة «تتكمّش» ببقايا. الأشياء تتفتّت، تتمزّق، تكسر فيك البسمة أو الظهر. لم تعد الأمور منفصلة بسيطة، نظيفة كما كانت تبدو في أول أضواء الصباح. قد تبدو لنا بعض الأماكن في هذه المدينة التعبة، قريبة عزيزة. فبعض الزوايا تبقى «لنا»، نحسّ بأننا نملكها لتملّكنا السعادة التي تعطينا إياها، لمعرفتنا بأنها خالقة الألفة وصانعة الأمان. وتختفي هذه الأشياء يوماً، هكذا كأنها لم تكن، يمرّ تدميرها مروراً خفيفاً على المدينة، غير مذكور وغير مؤثر. عادي. وعادي أيضاً أن تظهر أشياء أخرى مكانها، ذات تعريف مختلف تماماً. فتدمير مراسي الذاكرة هذه، تدمير ملذّاتنا في المدينة له معنى بحد ذاته. هو إخفاء لواقع أن البديل ممكن، بل إنه موجود منذ زمن بعيد وإنه سهل وقريب ... وممتع. تدمير هذه البيوت هو تدمير إمكانية وجود هذا المكان: محاولة لتدمير اللذة في مدينتنا واللهو.
هدم بيت آخر من بيوت بيروت. وهناك بيوت أخرى تهدم في مناطق وقرى ومدن أخرى في لبنان. هدم بيت آخر من بيوت كان لها معنى في مشاهدنا اليومية، في مدينتنا اليومية وعلاقتنا معها. قلّما يهم لمن كان المنزل. هي بيوت بيروت. بيوتنا جميعاً، مررنا بجانبها مراراً، اختبأنا تحت شرفاتها من الشتاء، والتقينا في مداخلها بحبيب أو حبيبة، وابتسمنا ونحن نمشي الهوينا حينما نظرنا إلى شكل فيها بدا لنا لاعباً لاهياً في الشمس. هي بيوت الضوء، ملاهي الهواء وغرف القلب السكريّة. ألم نسمع في ضجّة انهيار أحجارها طرطقات عظامنا وشدّ العضل في الوجه؟
بينما تذوي الشوارع التي نعرف، هناك «أشياء» أخرى تنمو، أشياء تأخذ وظيفة المنزل والمكتب والمحل. هي أشياء وليست أمكنة. أشبه بماكينات هي، من حديد ونار، من دم العمّال وعمرهم. عمّال سوريا يبنون مسوخ بيروت. من بؤس إلى آخر، من استعباد إلى آخر، من غربة إلى أخرى. يهربون من دمار لينضمّوا إلى آخر. تتكاثر المباني كالعفن وتبقى فارغة، والآلاف مرميّون في طرقات الغربة، يفتحون قلوباً للأمل ويقفلون عيوناً عن مدينة تبدو كأنها تقرف منهم. نشعر لوهلة بأن هذه المدينة لا تعرف معنى البؤس والتهجير وفراق الأرض. يتصرّف كل من فيها بانفصال كامل عن معاناة، لم يمرّ وقت طويل مذ عانوها أنفسهم. وكأن المدينة تأكل نفسها أمامك وأنت لا تستطيعين فعل شيء. وهو ليس شيئاً منفصلاً عمّا يحدث في السياق الأوسع. ها هي بيروت تنفض عن نفسها دوراً مفصلياً كان يمكن أن تأخذه في المنطقة، دوراً كانت قد لعبته منذ احتلال فلسطين وتوافد اللاجئين الفلسطينيين إليها، فأصبحت مركزاً أساسياً لإيواء اللاجئين وإنتاج الفكر التحرّري وانطلاق الكفاح المسلّح. لكنّها الآن ترفض كلّ أدوارها هذه، فتبقى في ثباتها، قابلة لاحتلال تكفيري للمنطقة، ولحصر الصراع بين «نظام» و«معارضة».
ويتمظهر تخلّي بيروت عن أدوارها ببؤس هائل يجتاح حاراتها وأحاديث ناسها.
هي البشاعة بكل أشكالها، صور تتباهى في حياتنا اليومية فيؤلمك رأسك وأنت تمشين في الشارع، لا تعلمين ما يتعبك أكثر: كثرة الأولاد القادمين من سوريا يشحذون على الطريق، أم السيارات الفخمة بنمرتها تلفظ تلك الكلمة المتعِبة «دمشق»، أم بلد يتهاوى على فقرائه وحاراته وأبنيته الجميلة. أيمكن أن توقفي تدفّق الألم في الشرايين، تدفّق اللاجئين من سوريا، تدفّق القتل والبشاعة؟ كأم لمئة طفل أنت، هذا يبكي، وذاك يريد لعبة، وتلك تقص شعرها، وهذه تريد أن تأكل... الكل ينقّ ويصرخ ويبكي من حولك، مئة فم وفم، مئتا عين، مئتا يد تمتدّ إلى ثوبك تشدّه من كلّ الجهات وأنت بيدين اثنتين تحملان رضيعاً على الصدر يمتصّ حليبك ويريد السكون لينام، لا تستطيعين شيئاً. متى يتوقّف الدمار، كيف تصبح لديك القدرة على السيطرة ووقف الهدم الهائل الجبار، ومتى تتوقّف هذه المدينة عن الاستمتاع بشقّ ساعديها والضحك؟
بيروت صارت تكرّهك فيها... صرت تتمنّين أن تحترق، أن تختفي كلّها، بدلاً من أن تختفي من أمامك «نتفة نتفة» وقلبك يموت معها حجرة حجرة. بيروت مدينتي التي أكره. عيون جاحظة وأفواه مشوّهة هي بيروت. صرت لا تعرفين ما الأبشع، أن تري بيوتاً فارغة أو لاجئين لا بيوت لهم. هذا ما تحسّين به إذ تعيشين في هذه المدينة _ الكارثة. تدمير للأشياء التي نحب... وحروب صغيرة تشتعل وتخمد قليلاً هنا وهناك. المنطقة بدأت رحلة نزولها في الهاوية. وبيروت قد انزلقت رجلها وهي غافية.
* باحثة لبنانية