الحزب الشيوعي اللبناني الذي يحتفل حالياً بذكرى تأسيسه الرابعة والتسعين، هو أقدم الأحزاب اللبنانية. تفرَّد، مع الحزب السوري القومي الاجتماعي، باعتماد برنامج غير طائفي. كذلك انفرد بتبنّيه الاشتراكية بنسختها السوفياتية فيما واظب الحزب القومي على تبنّي مشروع مؤسسه أنطون سعادة المتمحور حول «نهضة مشرقية» مداها «سوريا الطبيعية» وقاعدتها الجيوسياسية «الشام».

في تاريخ الحزب الشيوعي الكثير من المساهمات والإنجازات ذات الطابع الوطني: النضال ضد الانتداب الفرنسي والأحلاف الاستعمارية، والنهوض بعبء نشر الفكر والقيم الاشتراكيين، وتأسيس النقابات للدفاع عن حقوق الشغيلة والفئات الكادحة، وإقرار قانون العمل اللبناني، والمساهمة المميزة في إنشاء الصحافة ووسائل الإعلام المكتوبة والمرئية والمسموعة، والدفاع عن حقوق المواطنين ومطالبهم، والكفاح من أجل تطوير الجامعة اللبنانية والتعليم الرسمي (تحت شعار ديمقراطية التعليم)، وتحفيز دور الشباب والطلاب على التنظيم والمشاركة والفعل في الشأن العام والقطاعي، وبناء الأطر الجبهوية وأبرزها «جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية» ضد المحتل الصهيوني في 16 أيلول 1982...
في كل هذه الحقول عبَّأ الحزب ونظَّم طاقات متنوعة في صفوف العمال والمزارعين والمعلمين والطلاب والمثقفين، ما ولَّد ديناميكية لافتة أعطت ثمرات طيبات في مسيرة الكفاح الشعبي، بحيث تحوَّلت الحركة الشعبية اللبنانية المعارِضة إلى مركز مؤثر يحتذى في الكفاح من أجل التقدم الحرية والعدالة.
حين انهار الاتحاد السوفياتي ومنظومته عام 1990-1991، انهارت معه، في غير بلد، أحزاب عديدة كانت تعتاش، أساساً، على رصيد الاتحاد السوفياتي ودعمه. لكن الحزب الشيوعي اللبناني صمد واستمر، لأنه كان يملك المقومات الذاتية والمحلية للبقاء. أما شرط مواصلة دوره الفعّال فكان ولا يزال الآن خصوصاً (بعد حوالى 3 عقود من الانهيار)، مشروطاً بتجديد بنيته ومشروعه وأساليب نضاله. إن الارتكاز على الإنجازات السابقة هو شرط ضروري للاستمرار. لكنه في عالم متحول ومشحون بانعطافات حادة لمصلحة قوى الاستغلال والاستعمار والهيمنة والاستبداد والتطرف والإرهاب، غير كافٍ للفعل وللتأثير. هذا ما يطرح الآن ومن دون تأخير (خشية تفويت آخر الفرص)، ضرورة إعادة تأسيس مشروع التغيير، بأُفق اشتراكي، الذي انطلقت أولى خطواته قبل 94 عاماً.
يتوجَّس كثيرون من فكرة إعادة التأسيس. جرى الربط في مرحلة ما بعد الانهيار السوفياتي ما بين التغيير والتخلي. ذلك أن قادة وناشطين بارزين في الحزب رفعوا شعار التغيير وذهبوا إلى ضفة نقيضة على مستوى الفكر والممارسة والبرامج... لكن هذا الحذر والتوجس يجب أن لا يقمعا فكرة الابتكار والسعي إلى الخروج من الأزمة التي تتناسل من عام إلى عام، على شكل أوسع وأخطر، بحيث بات الحزب ضعيفاً وهامشياً ومعزولاً عن مصادر قوته الطبيعية في الفئات الشعبية والعمالية والشبابية والنقابية، وخصوصاً عن جماهير المدن التي هي مركز الثقل والفعل في الحضور السياسي والشعبي والقطاعي والجماهيري... في الحياة السياسية اللبنانية.
إعادة التأسيس هي فعلٌ تكرّرَ مراراً في مسيرة الحزب الطويلة. حصل ذلك بشكل سلبي أحياناً، وبشكل إيجابي أحياناً أخرى. يورد الكاتب الشيوعي الراحل محمد دكروب في كتابه «جذور السنديانة الحمراء» اكتشافاً مؤسفاً لجهة أنه تمَّ «طمس» مرحلة التأسيس بالكامل. يقول: «ما بين الأعوام 1924 و1932... لا شيء! ... لا شيء إطلاقاً»، رغم انطوائها على «وقائع وأحداث ونضالات ريادية اقتحامية مجيدة». الواقع أن إعادة تأسيس قد حصلت آنذاك بعد أن أحكم المركز السوفياتي الأممي (الكومنترن) قبضته على الحزب، خصوصاً بواسطة القائد الشيوعي السوري خالد بكداش. استمر هذا الأمر إلى عام 1964 حين انتفض الشيوعيون اللبنانيون على تسلط بكداش وأساليبه التعسفية، فانفصل الحزبان اللبناني والسوري، ما أدى إلى انبثاق إعادة تأسيس ثانية في المؤتمر الثاني للحزب الشيوعي اللبناني عام 1968. المؤتمر ذاك كان مؤتمراً تاريخياً، بالفعل، إذ تمكَّن الحزب بفضل انعقاده ومقرراته من الانخراط في الحياة السياسية اللبنانية من أوسع الأبواب السياسية والشعبية والتحالفية على المستويات الوطنية والقومية والأممية.
لم يقتصر الأمر على هاتين التجربتين: السلبية الأولى (عموماً) والإيجابية الثانية لإعادة التأسيس. الواقع أن عملية إعادة تأسيس كبيرة كان يحتاج إليها الحزب بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وبعد انتهاء الحرب الأهلية في لبنان. والواقع أن محاولة جادة قد حصلت في هذا الاتجاه تحت ضغط المتغيرات والحاجة. لكن هذه المحاولة لم تتكامل شروطها ولم تصل إلى خواتيمها المرجوة. بعد تلك المحاولة المبتورة، ظل الباب مشرَّعاً أمام النقاش والصراع. سادت مراوحة بطيئة استغلها البعض للارتداد إلى الخلف وفق منطلق عصبوي أصولي سِمته الجمود والذعر من التغيير ومن القدرة على التعامل مع المستجدات التي فرضت نفسها بقوة وبقسوة على مجمل الحركة الشيوعية العالمية. أما دعاة التجديد المرتبك، فقد تراجع معظمهم وانخرط في سياسات وعلاقات اتخذت طابعاً يمينياً لم يكن يُبرّر إلا بسوء التقدير أو بشكل من أشكال الشعبوية والانتهازية وفقدان الثقة بتجاوز الأزمة. شهد المؤتمر التاسع (أواخر عام 2003) معركة سياسية كبيرة بين نهجي التجديد والتفريط. ولئن انتصر الأول سياسياً بهزيمة الثاني، إلا أن فريق الجمود والعصبية المتربص في الظلمة والمُرتَد، سراً، بعلاقاته ومواقفه، إلى الحقبة البكداشية (أي إلى ما قبل المؤتمر الثاني)، قد نجح (بالمناورة والخداع والتآمر) في التسلل إلى القيادة، فارضاً إعادة تأسيس على طريقته المستعارة من حقبة الجمود التي امتدت أكثر من ثلاثة عقود.
يبدأ التجديد، أو إعادة التأسيس، بما لا بدَّ منه ولا بداية سواه: إعادة تقييم صيغ التجربة الاشتراكية المحققة، بشكل عام، وتجربة المنظومة و«المركز السوفياتي» بشكل خاص. لا يمكن تجاوز هذه النقطة أبداً. من دونها لا يمكن تحديد وتبرير ترك ما ينبغي تركه والاحتفاظ بما ينبغي الاحتفاظ به. قدم المؤتمر السادس (عام 1992) مساهمة مبتورة، ولكن مهمة في هذا السياق. هذه المساهمة تحتاج إلى تركيز وتدقيق وإغناء بما يؤسّس للمشروع الاشتراكي في الحقبة الراهنة. وهو مشروع يحتاج إليه لبنان أكثر من أي وقت مضى. وهو سيكون، بالضرورة، مشروعاً وطنياً وديمقراطياً بالأساس تترابط أقانيمه الثلاثة: القضية الوطنية بمضمونها التحرري المحلي والقومي، والقضية الاجتماعية بمعناها الطبقي – التنموي، والقضية السياسية بجوهرها المتصل بتطوير النظام السياسي اللبناني عبر تحريره من المحاصصة الطائفية في الداخل ومن التبعية في الخارج.
لا يجذب الحزب الشيوعي إلا القليل من الباحثين عن التغيير. تتجه أكثرية هؤلاء الباحثين نحو صيغ عفوية أو مُوحى بها أو قاصرة وجزئية. كشفت السنوات الأخيرة، خصوصاً، الحاجة الكبيرة الملحة إلى التغيير، من جهة، وأولوية التغيير في قوى التغيير، من جهة ثانية! تضييع المزيد من الفرص والوقت ينطوي على مسؤولية بعضها أخلاقي أيضاً.
* كاتب وسياسي لبناني