كتب الباحث عبد الفتاح كيليطو في كتابه الموسوم «الغائب»: «العنوان يعلو النص ويمنحه النور اللازم لتتبعه»(1). ألا نستطيع هنا استبدال الإهداء بالعنوان، ألا يعلو الإهداء النص ويمنحه النور اللازم لتتبعه؟ أكثر من ذلك، ألا يمكن للإهداء أحياناً أن يُسلط الضوء على جانب مهم من الخطاب الفكري للباحث؟ نودّ في ما يأتي أن نختبر هذه الفرضية من خلال إهداء المفكر والباحث الكبير محمد عابد الجابري، في كتابه «مدخل إلى القرآن الكريم».

حدد الجابري في إهدائه ثلاث شخصيات. ليس هناك ما يستدعي الانتباه في الإهداءين الأولين، فاللافت هو الإهداء الثالث، حيث يكتب: «إن استقرار قدرتي على البحث العلمي في المستوى الصحي المطلوب يرجع الفضل فيه لهذا الرجل الذي يحلو لي أن أسميه بيني وبين نفسي (الأمير المختلف). إنه طلال بن عبد العزيز الذي لا يحتاج إلى تعريف»(2).
السؤال هنا: هل كان يمكن لهذا الإهداء، والعون الأميري السعودي من قبله، أن يظهرا لو أنّ في النسق الفكري الجابري أي نقد وتشريح للنظام السعودي (الذي كان جيباً وظيفياً للإمبريالية الغربية منذ تأسسه) ولأيديولوجيته الوهابية أو أي نقد فعال وتفكيكي لطروحات السلفي ابن تيمية أو لتلامذته؟ لا نعتقد ذلك، وهذا ما سنتتبعه في تضاعيف كتب الجابري.
لا يبدو أن هناك حضوراً واضحاً للنظام السعودي ولأيديولوجيته السلفية في نصوص الجابري، فلئن أراد تفكيك حال الدول العربية فسيقتصر الأمر عنده على دول خارج نطاق شبه الجزيرة العربية، فتحضر دول كمصر والمغرب وسوريا والجزائر... إلخ. ولئن ذكر النظام السعودي (وهذا نادر جداً) يقترن الذكر بالمديح. ففي كتابه «قضايا في الفكر العربي المعاصر» مثلاً، وفي معرض تفكيكه لأساليب الهيمنة الغربية، يسرد الجابري كيف حارب الغرب الشيوعيةَ والمشروع القومي الناصري باستخدام سلاح الإسلام، ولكنه يسكت بوضوح عن الدور الكبير للنظام السعودي وأيديولوجيته السلفية الوهابية في هذه الحرب، يكتب الجابري: «كما اتخذ الغرب من الإسلام آنذاك حليفاً له ضد الشيوعية جعل منه كذلك حليفاً له ضد القومية العربية، فدفع حكومات كل من إيران وباكستان وتركيا والعراق آنذاك إلى الانخراط في حلف بغداد بقيادة بريطانيا»(3). لا يقتصر الأمر على إغفال دورها سابق الذكر، بل يتابع فيذكر النظام السعودي بعبارات يفوح منها المديح، فيضيف: «ما جعل الأمريكان والغرب ينقلبون على الإسلام الذين كانوا يغازلونه هو قيام بعض الحكومات التي تحكم باسمه وعلى رأسها العربية السعودية على عهد الملك الراحل فيصل بن عبد العزيز، قيامها بقطع النفط احتجاجاً على انحيازه إلى جانب إسرائيل في حرب 1973»(4) (في المقابل عند ذكر إيران الخميني يحضر ذكر الدعم الغربي لها).
وعندما يفكك الجابري الخطاب السلفي في الفكر العربي الحديث والمعاصر، فإن السلفية التي يقصدها في هذا الصدد هي سلفية جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده... إلخ، وليست سلفية الوهابية ومحمد بن عبد الوهاب وتلامذته، فهؤلاء لا ذكر لهم ولا مقاربة أو تفكيك لطروحاتهم. وبالتالي فإن قارئ كتابات الجابري، إن كان خارج الفضاء الفكري العربي أو البيئة العربية الإسلامية، سيظن ألا وجود لمحمد عبد الوهاب أو للوهابية، ولأي تأثير أو دور لهما في تاريخ العرب والمسلمين المعاصر.
ولا بد في هذا الصدد من التذكير أخيراً بكتابه «العقل السياسي العربي»، فقد تحدث فيه عن ثلاثة محددات تتحكم بالعقل السياسي العربي: القبيلة كتعبير عن الجانب السياسي، والغنيمة كتعبير عن البعد الاقتصادي الريعي، والعقيدة كتعبير عن البعد الفكري. وفي خلاصة كتابه هذا رأى أن هذه المحددات ما زالت حاضرة في الواقع العربي المعاصر. يكتب: «القبيلة والغنيمة والعقيدة، محددات ثلاثة حكمت العقل السياسي العربي في الماضي وما زالت تحكمه بصورة أو بأخرى في الحاضر»(5). السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو التالي: أليست هذه المحددات الثلاثة حاضرة بشكل نموذجي في المملكة العربية السعودية وآليات اشتغال نظامها؟
بالنسبة إلى حضور ابن تيمية وفكره في النص الجابري، نميز شكلين من الحضور: الأول واضح والثاني خفيّ. يتمثَّل الحضور الواضح في المديح المطلق لابن تيمية، وذلك في كتابه «العقل الأخلاقي العربي»، يكتب: «فإن ابن تيمية كان أمة وحده، بكفاحه وأنصاره، وغزارة ما كتب وأفتى»(6)، ويتجلى هذا المديح عملياً أيضاً باستخدامه مقولات ابن تيمية حتى لو كان بصدد معالجة قضايا معاصرة، ففي كتابه «الخطاب العربي المعاصر» مثلاً، وفي سياق نقده الخطاب القومي والتجربة الناصرية، يستخدم الجابري تمييز ابن تيمية بين الممكن الذهني والممكن الواقعي، فيكتب: «يميز ابن خلدون ــ وقبله ابن تيمية ــ بين الممكن الواقعي والممكن الذهني، وعلى أساس هذا التمييز يمكن القول إن الخطاب القومي العربي قد تمسك بالممكن الذهني قبل التجربة الناصرية. وبجزء من الممكن الواقعي خلال هذه التجربة»(7).
وفي سياق آخر، يظهر ابن تيمية بصفته رجل فكر من طينة ابن رشد وقامته الفلسفية البرهانية. ففي كتابه «بنية العقل العربي» الذي ميز فيه بعد تفكيكه لهذا العقل بين ثلاثة نظم: البيان والعرفان والبرهان، وفي معرض حديثه عن تفكك هذه النظم أو ما يسميه التداخل التلفيقي بينها، حدد لحظتين: الأولى لحظة الأزمة في الثقافة العربية الإسلامية وهي لحظة الغزالي التي كانت بدايتها مع ابن سينا، والثانية لحظة التجديد وهي لحظة ابن رشد والتي كانت بدايتها مع ابن حزم. لكن ما يهمنا هنا هو حضور ابن تيمية، إذ جاء الأخير مع لحظة التجديد، لحظة ابن رشد، يكتب الجابري: «أما في المشرق العربي فقد ناضل فيه من أجل إعادة تأسيس البيان تأسيساً سلفياً جديداً، باستلهام ابن رشد خاصة، الفقيه الحنبلي الشهير ابن تيمية»(8). فعملية التداخل بين الأنظمة كانت مصحوبة برأي الجابري بإعادة تأسيس البيان (مع ابن تيمية في المشرق)، وإعادة ترتيب العلاقة بينه وبين البرهان (ابن رشد).
ونضيف في هذا السياق مديح الجابري لابن تيمية باستخدام مصطلحات وتعابير معاصرة. يكتب الجابري في كتابه التأسيسي «تكوين العقل العربي»: «فعلى الرغم من النضال، العنيف والحاد، الذي خاضه ابن تيمية (661-628 هـ) ضد الباطنيين من الشيعة والمتصوفة، وضد الفلاسفة (ابن سينا خاصة)، والأشاعرة (الغزالي خاصة) وضد فقهاء المالكية والشافعية والحنفية المقلدين، بالرغم من هذا النضال الذي خاضه ابن تيمية [...] بقيت السيادة في الفكر العربي للتقليد والشكلانية»(9). يستبدل الجابري هنا كلمة «النضال» بكلمة «التكفير»، فيظهر تكفير ابن تيمية للفلاسفة جميعهم ولبعض أقطاب التصوف وللشيعة والفرق الدينية الباطنية ولمذاهب الفقه السني وللعقائد الأشعرية وممثليها، كالباقلاني والجويني والغزالي والفخر الرازي، يظهر مظهر النضال في وجه التقليد.
الحضور الخفي: نلمس هنا حضورين: الأول في المنهجية التي تتحكم في تفسيره للقرآن، والتي صرح بها في كتابه «مدخل إلى القرآن الكريم»، حيث يكتب: «ولما كان الأمر هنا يتعلق بالقرآن فإن أحسن طريق إلى تطبيق هذا المنهج/الرؤية في التعامل معه هو، في نظرنا، ذلك المبدأ الذي نادى به كثير من علماء الإسلام، مفسرين وغيرهم، وهو أن: القرآن يشرح بعضه بعضاً»(10). وهنا يلتقي بوضوح مع منهجية ابن تيمية ومدرسته؛ يكتب ابن تيمية في «مقدمة في أصول التفسير»: «فإن قال قائل: فما أحسن طرق التفسير؟ فالجواب: إن أصح الطرق في ذلك أن يفسر القرآن بالقرآن»(11).

يسكت الجابري بوضوح عن الدور الكبير للنظام السعودي وأيديولوجيته


أما الثاني، فيتجلى بتفكيك الجابري أخلاق التصوف العربي الإسلامي، إذ يرجع الجابري الموروث الصوفي العربي الإسلامي إلى أخلاق الطاعة الفارسية الكسروية، وهنا يلتقي مع رؤية ابن تيمية أيضاً الذي أرجع نشأة التصوف بدوره إلى تأثيرات خارجية فارسية الطابع. يكتب صاحب كتاب «ابن تيمية والتصوف» بخصوص رأي ابن تيمية في نشأة الفرق الإسلامية وبخاصة التصوف: «وهو يرى (أي ابن تيمية) أن الحياة الدينية تأثرت في بداية العصر العباسي بعاملين: أحدهما، ظهور سلطان الموالي من غير العرب ولا سيما العناصر الفارسية وانحسار الأمر عن ولاية العرب، والعامل الثاني هو ترجمة كتب الفرس والروم والهند»(12)، بالإضافة إلى ذلك أن الجابري في خلاصة تفكيكه لأخلاق التصوف الإسلامي والتي يسميها أخلاق الفناء، يلتقي مع تكفير ابن تيمية للتصوف الفلسفي (الحلاج وابن عربي) ومع تلامذة ابن تيمية المعاصرين، يكتب الجابري: «أن جميع المقدمات في الكلام الصوفي تنتهي في النهاية إلى عكسها وحقاً إن أخلاق الفناء تنتهي إلى فناء الأخلاق»(13). لنقارن ذلك مع قول أحد أتباع ابن تيمية المعاصرين. يكتب مقدم كتاب ابن تيمية «الصوفية والفقراء»: «ومن الصوفية كما نعلم، ويعلم شيخ الإسلام خرجت الزندقة، والهرطقة، والسفسطة، والمروق، والفسوق»(14). هناك تشابه ولقاء، لا فرق سوى أن الجابري استخدم ألفاظاً مستخرجة من قاموس الفكر المعاصر، أما الثاني استخدم ألفاظاً مستخرجة من القاموس الديني التكفيري.
أخيراً نقول إن هدفنا كان إظهار أهمية عتبة الإهداء الذي نراه في بداية الكتب، حيث وضّحنا أنه من الممكن أن يكون كالشرفة نطل منها على نصوص المؤلف ونرى منها جوانب غير ظاهرة في فكره، بل نستطيع أن نذهب بعيداً ونقول إن الإهداء يسمح لنا أحياناً بالحديث عن المؤلف بشكل عام من دون قراءة مؤلفاته. ألا يمكننا أن نتحدث عن فكر هادي العلوي من دون أن نغوص في مؤلفاته بمجرد أن نقرأ الإهداء في كتابه «من قاموس التراث»؟ يكتب هادي العلوي في هذا الإهداء: «إلى مهدي عامل نقطة الضوء في تهومات التخلف»(15).

هوامش:
(1) كيليطو، عبد الفتاح، «الغائب» – دراسة في مقامة للحريري، «دار توبقال»، الدار البيضاء، 2007، ص30.
(2) الجابري، محمد عابد، «مدخل إلى القرآن الكريم»، الجزء الأول، «مركز دراسات الوحدة العربية»، بيروت، 2006، ص5.
(3) الجابري، محمد عابد، «قضايا في الفكر المعاصر»، «مركز دراسات الوحدة العربية»، بيروت، 1997، ص 127.
(4) المرجع السابق، ص 127.
(5) الجابري، محمد عابد، «العقل السياسي العربي»، «مركز دراسات الوحدة العربية»، 2000، ص373.
(6) الجابري، محمد عابد، «العقل الأخلاقي العربي»، «مركز دراسات الوحدة العربية»، بيروت، 2001، ص 619.
(7) الجابري، محمد عابد، «الخطاب العربي المعاصر»، «مركز دراسات الوحدة العربية»، بيروت، 1994، ص 140.
(8) الجابري، محمد عابد، «بنية العقل العربي»، «مركز دراسات الوحدة العربية»، بيروت، 2009، ص 488.
(9) الجابري، محمد عابد، «تكوين العقل العربي»، «مركز دراسات الوحدة العربية»، بيروت، 2009، ص 325.
(10) مرجع سبق ذكره، «مدخل إلى القرآن الكريم»، ص 28.
(11) ابن تيمية، «مقدمة في أصول التفسير»، تحقيق عدنان زرزور، 1972، ص 93.
(12) حلمي، مصطفى، «ابن تيمية والتصوف»، «دار الدعوة»، الإسكندرية، 1982، ص 50.
(13) مرجع سبق ذكره، «العقل الأخلاقي العربي»، ص 487.
(14) ابن تيمية، «الصوفية والفقراء»، قدم له: محمد جميل غازي، «دار المدني»، القاهرة، ص 10.
(15) العلوي، هادي، «من قاموس التراث»، «دار الأهالي»، دمشق، 1984، [الإهداء].
* كاتب وباحث سوري