بالعودة إلى زمننا الراهن، نجد أننا إزاء دولتين إقليميتين مرموقتين، ورثتا ما كان قد تبقى من أراضي تينك الإمبراطوريتين، الصفوية والعثمانية، هما الجمهوريتان: الإسلامية الإيرانية، والتركية. أما الأولى، فتبنت منذ البداية نهج مواجهة الهيمنة الإمبريالية (الاستكبار العالمي)، ورفعت شعار «الموت لأمريكا وإسرائيل» بوصفهما التهديد الأكبر لشعوب المنطقة. وتبنَّت قضيتها المركزية، فلسطين، بعد شهور قليلة من تخلي كبرى الدول العربية عنها في كامب ديفيد خريف 1978. والتزمت هدف إزالة «الكيان الغاصب» بعد سنين من تخلي الجامعة العربية عن «لاءات الخرطوم الثلاث». وقرنت نبرتها العالية تلك بالأفعال، فصفّت المصالح الأميركية وقطعت العلاقات معها، ومنحت مقر سفارة «الكيان» لـ«منظمة التحرير الفلسطينية» لتكون سفارة لـ«دولة فلسطين» قبل سنين من إعلان عرفات عن «قيامها» في 1988.

خلال الاجتياح الإسرائيلي للبنان، رغم انشغالها بمواجهة «قادسية صدام» الدامية، المدعومة يومئذٍ من غالبية الدول الفاعلة في المنطقة والعالم، سارعت إيران، بالتنسيق مع سوريا، إلى إرسال تشكيلات خاصة من حرسها الثوري إلى سهل البقاع، لدعم تأسيس وتأهيل مقاومة مسلحة ضد العدو، لتحرير المناطق التي كان قد احتلها. فكانت المقاومة الإسلامية/ حزب الله، ثمرة ذلك الجهد الإيراني ــــ السوري. وعلى مدى نحو ثلاثة عقود ونصف عقد، تحول الحزب إلى جيش نوعي جبار، يقاتل ويحقق الانتصارات على امتداد المشرق، وكابوسٍ وجودي للكيان الغاصب وحلفائه.
رغم طابعها الديني، وإرثها الصفوي الثقيل، والحيف الذي كانت تستشعره جراء حرب نظام صدام حسين عليها باسم العروبة والعصبية السُنية، لم يثنِ ذلك إيران عن السعي إلى بناء تحالفات استراتيجية مع قوى مختلفة عنها أيديولوجياً في المنطقة والعالم، كسوريا العلمانية العروبية بل «البعثية»، وحركتي «حماس» و«الجهاد» الإسلاميتين «السُنيتين»، ولاحقاً، اليسار الفلسطيني المقاوم، والأنظمة الثورية في أميركا الجنوبية. بل نجدها تدعم أرمينيا المسيحية ضد أذربيجان «الشيعية»، الإيرانية سابقاً، والمستتبعة أميركياً لاحقاً، في نزاعهما حول كراباخ.
في المقابل، نجد أن الجمهورية التركية، بعد بضعة عقود من قيامها إثر مقاومة وطنية بطولية ضد جيوش الغزو الأنكلوفرنسية وحلفائها، وبضع سنين من وفاة مؤسسها مصطفى كمال أتاتورك، قد اختارت الاندماج في الهيكلية العسكرية والأمنية لـ«الناتو» الذي كان موجهاً ضد الكتلة السوفياتية، والتطلعات التحررية لشعوب المنطقة. أي تحالفت مع من كان عدوها الوجودي في «حرب الخلاص»، ضد كل من أيَّدها ودعمها خلالها! كان ذلك نتيجة طبيعية للأيديولوجيا القومية والعلمانية المتطرفة التي تبنتها النخبة التركية الحاكمة، وانبهارها الاستلابي بالحداثة الغربية، وقطيعتها الانتقائية مع هويتها الإسلامية، وتراثها العثماني الذي جمعها لقرون مع جيرانها العرب. فأصبحت علاقاتها الخارجية مرهونة بعضويتها الذيلية في الناتو؛ تجلى ذلك سواء بمشاركتها في الحرب الكورية (1950-53)، أو تهديدها بغزو سوريا في 1957، أو إقامتها علاقات حميمة مع الكيان الصهيوني. ودأب الجيش التركي على قمع كل القوى الوطنية المناوئة لتلك السياسات، والداعية إلى إعادة البلاد إلى هويتها الوطنية والبيئة الحضارية للمنطقة، إسلامية أكانت أو يسارية، تارة باسم حماية العلمانية، وأخرى بمكافحة الشيوعية.
استمرت عزلة تركيا الاستنسابية عن قضايا المنطقة حتى مطلع القرن الحالي، عندما أظهر الانتصار المدوي للمقاومة اللبنانية في أيار 2000، وانطلاق الانتفاضة الفلسطينية الثانية التي استلهمته بعدها بشهور، مدى العجز الوجودي للكيان الصهيوني، مقابل تنامي محور المقاومة. وكان الرد الأميركي على ذلك بمشروع «الشرق الأوسط الكبير». وإلى ذلك، كانت الولايات المتحدة بحاجة إلى دولة «إسلامية سنّية ديموقراطية معتدلة»، تقدمها كنموذج يُحتذى، وتتولى إدارة شؤون المنطقة لمصلحتها، وتحُدّ من «النفوذ الإيراني». فمَن أصلح من تركيا، بمجمل مزاياها الجيوسياسية وإرثها العثماني، لهذه المهمة!
وهكذا، بقدرة قادر، تحول الجيش التركي من حامٍ مُتنمِّر للعلمانية إلى حارس أليف للديموقراطية. وبعد بضع سنين من إسقاطه الحكومة التي ترأسها الإسلامي نجم الدين أربكان، وحلّ حزبه (الرفاه)، نجده يسمح بصعود نسخة معدلة منها بقيادة «العدالة والتنمية»، وعلى رأسها زعيم شعبوي ماكر يدعى رجب طيب إردوغان. وفجأة، تدفقت المليارات من الرساميل الأوروبية والأميركية في شرايين الاقتصاد التركي، ومُنح كل ما كان يحتاج إليه من تسهيلات للتحليق عالياً خلال مدة وجيزة. فبات «النموذج التركي» أحدوثة الجميع في العالم الإسلامي! ورغم انتحاله صفة العثمانية بصيغتها «الجديدة»، فإن الدور الذي ارتضاه نظام إردوغان، كان في الحقيقة معاكساً تماماً للأولى. ففيما كانت وظيفة العثمانية الكلاسيكية مقارعة أوروبا دفاعاً عن العالم الإسلامي، فإن وظيفة النيوعثمانية الإردوغانية تتمثل في إدارة الهيمنة الغربية على المنطقة بقناع إسلاموي عثمانوي زائف، بالاعتماد على الفروع المحلية للتنظيم الدولي لـ«الإخوان المسلمين»، وكانت سوريا أول ميادين اختبارها.
فبينما كان الحصار الدبلوماسي والاقتصادي الغربي يشتد على سوريا، في أعقاب الغزو الأميركي للعراق واغتيال رفيق الحريري، سُمِح لتركيا بالانفتاح عليها في كل المجالات، وعلى نحو غير مسبوق، وذلك لاغتنام ما تصوروا أنها لحظة ضعف قد تتيح لهم انتزاعها من محور المقاومة، سواء عبر التوسط في تسوية صراعها مع الكيان الغاصب، أو التلويح لها بالشراكة في نعيم «المعجزة» الاقتصادية التركية، أو بمحاولة إعادة تأهيل «الإخوان» للعودة رسمياً إلى الحياة السياسية فيها.
وتطلبت منافسة «النفوذ الإيراني» اقتحام إردوغان ميدان الصراع اللفظي مع إسرائيل، وذلك بأكبر قدر من الصخب وأقل ما يمكن من التكاليف (همروجة دافوس 2009 نموذجاً). واللافت هنا أن إيران و«محورها» لم يروا كل ذلك مزاحمة لهم في ملعبهم، أو مزايدة عليهم. فغداة المجزرة الإسرائيلية على متن سفينة «ماڤي مرمرة» التركية في أيار 2010، مثلاً، وصعود نجم إردوغان إلى كبد السماء، دعا حزب الله إلى مهرجان تضامني حاشد في الضاحية، تحدث فيه السيد نصر الله مكرساً معظم خطابه للإشادة بالدور التركي في دعم «أسطول الحرية»، ومشيراً إلى رئيس حكومتها، آنذاك، بعبارة «الطيب، الطيب إردوغان»، داعياً إلى تعميق انخراطها في مواجهة إسرائيل. كذلك لم تُبدِ إيران أي علامات «غيرة» من التطور المذهل الذي شهدته العلاقات التركية ــــ السورية خلال العقد الماضي.
وفيما نجد أن الخطاب الإيراني يؤكد «الوحدة الإسلامية» ضد الأعداء المشتركين، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية لجيرانه، نجد أن مقاربة إردوغان للعلاقة مع الجوار العربي تتسم بالكثير من الذكورة، والتطفل العدواني، والتبجح المذهبي المشين. فتارة يُنصِّب نفسه محامياً لسُنّة الإقليم، وأخرى وصيّاً على تركمانها، أو عراباً للتنظيم الدولي لـ«الإخوان». بل نجده يخرج عن رصانة ولياقة رجل الدولة، مثلاً، بالغمز على الخلفية العلوية ــــ الكردية لزعيم المعارضة، كمال كليتشدار أوغلو، أو على «سُنيَّة» السيدة الأولى في سوريا، أو يتطاول بفظاظة على مقام رئيس الحكومة العراقية.
أما انخراطه في الحرب على سوريا، وبدرجة أقل على العراق، فجسد قمة الغدر والخسة والبلطجة. ففيما يبدو مُسَلِّماً تماماً بأحقية الصهيونية في وراثة «فلسطين العثمانية»، ويقيم أوثق العلاقات مع كيانها الغاصب هناك، ويتحمل منه الكثير من التجاوزات والإهانات، نجده لا يزال عاجزاً عن التصالح مع حقيقة أن سوريا والعراق لم تعودا ولايتين عثمانيتين، فيجاهد بالأساليب شتى للتطاول على سيادتيهما، واختراق مجتمعاتهما، بل محاولة استتباعهما أو اقتطاع ما يتيسر له من أراضيهما، ونهب ثرواتهما وممتلكاتهما. ولا يتورع، في كل ذلك، عن المشاركة في إراقة دماء وتشريد الملايين من شعبيهما، وتدمير تراثهما الحضاري وبُناهما التحتية، عبر تصدير الإرهاب ودعمه، وتأجيج الفتن الداخلية فيهما. في المقابل، نجد أن إيران قامت بدور حاسم في مكافحة الإرهاب المدعوم تركياً، مبدية في الوقت عينه أقصى درجات الحرص على علاقاتها مع الثانية، بل تسعى بإخلاص إلى إخراجها من ورطتها السورية بأقل ما يمكن من العواقب، وحمايتها هي نفسها من شر أعمالها.
إذاً، ها هنا أيضاً نحن إزاء نموذجين لدولتين إسلاميتين متعادلتين بالكثير من المعايير، وتتصدران معاً المشهد الجيوسياسي الإقليمي في المشرق الكبير: الأولى إيران الإسلامية، تقود محوراً إقليمياً لمقاومة وتصفية الهيمنة الإمبريالية على مقدرات المنطقة، ذا سجل حافل بالإنجازات، ويُعِدُّ بدأب لمعركة فاصلة تنهي الكيان الغاصب في فلسطين. وهي لكل ذلك تعاني من أقسى تدابير الحصار والتهديدات والحروب الهجينة. والثانية تركيا الإردوغانية، عضو فعال في «الناتو»، وتقيم علاقات اقتصادية وأمنية وثيقة مع إسرائيل، فيما تصُبّ كل عدوانيتها على سوريا والعراق. وتتسم سياساتها بالكثير من الغطرسة والجشع والمذهبية، والسعي إلى الهيمنة والزعامة بوسائل شتى.
لا شك في أن تَكْنِيَة دولة معاصرة باسم أخرى سبقتها زماناً، لمجرد تحايُثهما جغرافياً، أمر فيه الكثير من التعسف والأحكام المسبقة، ولا يمكن قبوله إلا كضربٍ من الكناية البلاغية، مديحاً كانت أو هجاءً. فهي تقوم على فرضية أن السياسات والاستراتيجيات تنبع أساساً من هويات سرمدية متعالية على تغييرات السياق التاريخي. ولكن، إذا كان من الجائز الربط ما بين الدولتين القائمتين حالياً في تركيا وإيران، وسلفيّهما التَليدتين، العثمانية والصفوية، بمعايير الأدوار السياسية والتاريخية لكل منها، وهو برأيي غير جائز بحال، فإن الأحرى أن تكون خطوط مثل هذا الربط متصالبة لا متوازية؛ فنقول: «تركيا الصفوية» و«إيران العثمانية»، مع ما في ذلك من إجحاف بحق الدولة الصفوية.

خاتمة
تمخض المسعى الاستعماري الأنكلوفرنسي لإنهاء «المسألة الشرقية»، عن تصفية الدولة العثمانية واقتسام تَرِكتها، عن تفريخ الكثير من الهويات الإثنية المتصارعة في ما بينها. وتطلّب ذلك قدراً كبيراً من بث الأحقاد وتصنيع الفتن الدامية والمظلوميات، وتشويهاً لصورة الدولة العثمانية وشيطنتها. وبعد إسقاطها، باتت الدولة العثمانية هدفاً سهلاً للمزيد من التشهير من جانب الكيانات الإثنية التي كانت تضمها، بمن في ذلك الكماليون الترك أنفسهم. وبالمثل، للغايات عينها، تعرضت الجمهورية الإسلامية الإيرانية، ومعها محور المقاومة، ولا تزال تتعرض، لحملات تشويه وتشهير مشابهة، وهذه المرة بالضرب على الوتر المذهبي، فضلاً عن العرقي، لتضيف إلى الصراعات القديمة أبعاداً وصراعات جديدة، وتزج بالمنطقة في أتون حروب هويات لا يبدو لها من نهاية.
وللخروج من هذا الجحيم، لطالما دعا أنيس النّقاش إلى اعتماد التفكير السياسي بديلاً من سياسات الهوية، إذ تحل البرامج السياسية محل العصبيات الهويتية كمحاور للاستقطاب في الحيِّز العام. وعندها، ستتحول أنماط الاصطفافات والتحزُّبات من غرائزية عمودية متمحورة حول الهويات، إلى سياسية عقلانية أفقية عابرة للهويات. وستكتشف الغالبية الساحقة من شعوب المنطقة أن مصلحتها المشتركة الجذرية تكمن في تصفية الهيمنة الإمبريالية وتطوير التعاون الإقليمي في ما بينها، أو، على حد تعبير النّقاش «الانتقال من الاشتباك إلى التشبيك».
وإلى ذلك، يمكن اعتبار هذه المقالة كتمرين ذهني معرفي، يتناول بالنقد بعض إرث خمسة قرون من تاريخنا الحديث، للانعتاق من إسار قِطعان الهويات التي فرَّختها، إلى رحاب التفكير السياسي الموضوعي. فإذا كنت قد أتممت قراءتها، واتفق أن كنت شيعياً يزعم بأنه يناصر إيران لأنها مقاوِمِة، وليس لأنها شيعية، ثم تنحاز إلى الدولة الصفوية ضد العثمانية؛ أو كنت سُنّياً تحِنّ إلى «الخلافة العثمانية» لأنها كانت تسعى إلى توحيد المسلمين في «جهادهم ضد الغرب الصليبي»، وليس لأنها كانت سُنّية، ثم تنحاز إلى تركيا الأطلسية المتحالفة مع أولئك الذين نحروا سلفها العثماني، فيما تعادي إيران المقاومة، فاعلم بأنك، في أي من الحالتين، طائفي منافق، أو فِصامي مثير للشفقة!
* كاتب وباحث سوري