برزت مصالح الإمارات العربيّة المتحدة في ليبيا مباشرةً بعد رفع مجلس الأمن الدوليّ العقوبات الدوليّة المفروضة عليها، في أيلول 2003، والعقوبات التجاريّة الأميركيّة في أيلول 2004.

وقبيل أيام قليلة من رفع الحظر الأوروبيّ على تسليم الأسلحة لها، في 11 تشرين الأول 2003، ترأس ولي عهد دبيّ، الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، وفداً إماراتيّاً مهمّاً في زيارة لليبيا، ناقش خلالها مواضيع اقتصاديّة وتجاريّة مع معمر القذافي. منذ ذلك الحين، لم تتوقف العلاقات بين البلدين عن التمتّن. وبحلول عام 2008، بلغت الاستثمارات الإماراتيّة في ليبيا مليار دولار، وفي المقابل، بلغت قيمة الصادرات الليبيّة (المتكونة أساساً من المحروقات) نحو الإمارات 130 مليون دولار عام 2010.

دعم فرنسا نيكولا ساركوزي
لم يكن بإمكان التبادلات التجاريّة بين البلدين أن تذهب أبعد من ذلك، حيث قررت فرنسا والمملكة المتحدة، عام 2011، أن تُسقطا نظام معمر القذافي، رغم مساهمتهما في «إعادة تأهيله». ساندت الإمارات ذلك القرار كليّاً، وإضافة إلى تمويلها برامج مختلفة لتقديم مساعدة إنسانيّة (مستشفيات متحركة، توزيع وجبات وأغطية) موجهة إلى اللاجئين الليبيّين في تونس ومصر، وفّرت دعماً عسكريّاً للتحالف الفرنكو-بريطانيّ عبر إيفاد 12 طائرة عسكريّة (بينها 6 طائرات ميراج) لمسرح العمليات، إضافة إلى تقديم دعم ماديّ ولوجستيّ لمجموعات متمردة مختلفة.
على المستوى الدبلوماسيّ، نظمت الإمارات العربيّة المتحدة، يوم 9 أيار، لقاءً في دبيّ جمع ممثلين عن 25 مدينة من جنوب وغرب ليبيا للتعبير عن مساندتها لـ«المجلس الوطنيّ الانتقاليّ» المتركز في بنغازي. ويوم 9 حزيران، استضافت الإمارات اجتماع «مجموعة الاتصال حول ليبيا» الذي انتهى بالاعتراف، يوم 12 من الشهر نفسه، بـ«المجلس الوطنيّ الانتقاليّ» كـ«ممثل شرعيّ وحيد للشعب الليبيّ».
ويُفسّر التورط الإماراتيّ العسكري في ليبيا، على الأقلّ جزئيّاً، بالاهتمام الذي توليه أبو ظبي للإمكانات الاقتصاديّة الليبيّة. وقد قدّر الرئيس العام لشركة «اتصالات»، أحمد جلفار، عام 2013، أنّ ليبيا تمثّل «سوقاً جيّدة»، وكان هدف عملاق الاتصالات الإماراتيّ حينها الفوز بطلب عروض لإدارة «الشركة الليبيّة للبريد والاتصالات وتقنية المعلومات».
انتهت طموحات أبو ظبي المُعلنة، في بلد وقع فريسة صراع خفيّ، بإثارة عداوة أحد الفاعلين الكثيرين المتورطين، من داخل الدولة أو خارجها، في الفوضى الليبيّة، ما قاد إلى استهداف سفارتها في طرابلس.

الانخراط إلى جانب خليفة حفتر
انخرطت الإمارات في ليبيا سياسيّاً وعسكريّاً منذ 2011، لكنّها شدّدت تدخلها، الذي كان أقلّ وضوحاً من تدخّل قطر حتى ذلك الوقت، عبر دعم عمليّة الكرامة («المضادة للإرهاب») التي اُطلقت في 16 أيار 2014 من قبل خليفة حفتر. مثّل ذلك منعطفاً كبيراً لسياسة الإمارات في ليبيا، حيث شاركت طائراتها مباشرة، وللمرة الأولى، في المعارك بين المتقاتلين الليبيّين للسيطرة على العاصمة.
حينها، في شهر آب، استهدف الطيران الإماراتيّ، العامل انطلاقاً من مصر على الأرجح، تحالف فجر ليبيا «الإسلامويّ» المدعوم من قطر وتركيا. لكن، حدثت بعد بضعة أشهر غارة، نفذتها على الأغلب قوات خاصّة مكونة أساساً من إماراتيّين، على معسكر «إسلامويّ» في مدينة درنة، أطلقت غضب الولايات المتحدة بسبب خشيتها من تدهور الوضع.
وتندرج غارات الطيران الإماراتي، التي أدانتها أميركا والدول الأوروبيّة، ضمن إطار تشنّج العلاقات بين الإمارات والسعوديّة والبحرين من جهة، وقطر من جهة أخرى، حيث استدعت تلك الدول سفراءها من الدوحة، متهمين إياها بدعم الإخوان المسلمين في الدول العربيّة.

الإخوان المسلمون في المرمى
بعد بضعة أيام من الغارات على طرابلس، أوقفت الإمارات ثلاثين شخصاً من الرعايا الليبيّين المقربين من الإخوان المسلمين. أدان عبد الرزاق العرادي، المنتمي إلى «حزب العدالة والبناء» الليبي، تلك الاستجوابات، كما علق على الحادثة التي حدثت بعد بضعة أشهر على إدانة عشرين مصريّاً وعشرة إماراتيّين بخمسة أعوام سجن بعد اتهامهم بتأسيس فرع محليّ للإخوان المسلمين.
بتحولها إلى ميدان صراع بين القوى الإقليميّة، صارت ليبيا، باعتراف بالسفير الليبيّ في الإمارات، عارف النايض، المرتبط بحكومة طبرق (شرق البلاد)، أرض حرب بالوكالة بين الدول الداعمة للإخوان المسلمين (قطر، السودان وتركيا) والدول «المطاردة» لهم، وعلى رأسها الإمارات.
أما الدعم العسكريّ واللوجستيّ الذي وفّرته الإمارات لحلفائها في طبرق، في خرق لحظر السلاح على ليبيا، فقد أشارت إليه في مرات كثيرة لجنة الخبراء المؤسسة وفق القرار عدد 1973 (2011) لمجلس الأمن الدوليّ. وقد اعترف بذلك الانتهاك الدبلوماسيّ الإماراتيّ الرفيع، أحمد القاسمي، في رسالة إلكترونيّة مرسلة بتاريخ 4 آب 2015، نُشرت مقتطفات منها في جريدة «نيويورك تايمز»، وقد كانت موجهة للانا نسيبة، سفيرة الإمارات في الأمم المتحدة.

الأمم المتحدة تحت التأثير
تنشط الإمارات أيضاً على المستوى الدبلوماسيّ، حيث نجحت في إقامة ارتباطات مع الممثّل الخاصّ ورئيس بعثة الدعم التابعة للأمم المتحدة في ليبيا، برناردينو ليون، الذي أكد، في رسالة إلكترونيّة إلى وزير الشؤون الخارجيّة الإماراتيّ، عبد الله بن زايد آل نهيان، كشفتها مجلة «ذي غارديان» البريطانيّة عام 2015، عن إرادته «كسر» التحالف بين تجار مدينة مصراتة الأثرياء و«الإسلامويين» و«نزع الشرعيّة» عن المؤتمر الوطنيّ العام.
وبينما رفّع الإماراتيّون أنشطتهم العسكريّة في ليبيا عام 2016، بالتعاون مع فرنسا التي مولوا عملياتها في الجنوب والشرق الليبيّ، ومع بلدان غربيّة أخرى، صار موقفهم متمايزاً عن موقف مصر؛ حيث بدوا مؤيدين للمفاوضات بين طرابلس «الإسلامويّة» وطبرق. مع ذلك، لم يمنع ذلك «التمايز» من الاستمرار في دعم خليفة حفتر، الذي استُقبِل رسميّاً في أبو ظبي، ومواصلة الضربات ضدّ أهداف «إسلامويّة» انطلاقاً من قاعدة جويّة توجد داخل الأراضي الليبيّة.

حُجّة الإرهاب
فوّضت الإمارات عمليات عسكريّة إلى «متعاقدي» إريك برانس، الذي استقر في أبو ظبي منذ 2010، حيث أسس شركته العسكريّة الخاصّة «ريفلاكس رسبونسز كومباني» التي حصلت، بعد عام فقط من بعثها، على عقد بقيمة 529 مليون دولار لانتداب وتكوين كتيبة من 800 رجل تقوم بعمليات أمن داخليّة ضمن الحرب على «الإرهاب».
ورغم امتلاكها موارد ماليّة ضخمة تسمح لها بتسليح جيشها بعتاد شديد التطوّر، لجأت الإمارات إلى الأصول الليبيّة المجمّدة في بنوكها لتمويل أنشطتها في ليبيا. وبمساعدة حلفائهم في طبرق، نجح الإماراتيّون أيضاً في وضع أيديهم على الأصول والاستثمارات الليبيّة الموجود في أفريقيا، التي تقدر قيمتها بـ30 مليار دولار.
استمر الإماراتيّون في انتهاك حظر الأسلحة على ليبيا، وعملوا، بالتعاون مع روسيا، على تطوير القدرات العملياتيّة لـ«الجيش الوطنيّ الليبيّ» التابع لخليفة حفتر، ولم تتورّع الإمارات، التي تتبنى خطاً متشدداً تجاه الإخوان المسلمين، ورغم تنظيمها لقاءً بين فائز السراج وخليفة حفتر في أبو ظبي، عن تقديم الأخير للولايات المتحدة على أنّه أفضل حليف في الحرب على «الإرهاب» في ليبيا، وهي طريقة توختها لتفرض نفسها على الساحة الدبلوماسيّة ولتعزل «الإسلامويّين» الذين تمثلهم طرابلس حسب وجهة نظرها.
تنخرط الإمارات في حرب حتى الموت ضدّ الحركات «الإسلامويّة»، وعلى رأسها الإخوان المسلمون، وتواصل في ليبيا اتباع هدفها الذي تسعى إليه في كامل أرجاء العالم العربيّ المسلم؛ أي اجتثاث «الإسلام السياسيّ»، وإن تطلّب ذلك التعاون مع أعداء الماضي.
(ترجمة مع بعض التصرف عن موقع «موندأفريك»)