لا بأس بإعادة التمرين مرة أخرى. لعل عضلات التفكير تعتاده فتحوّله إلى عادة تلقائية مع مرور الزمن وارتفاع لياقة النقاش العام حول قضايا الفلسفة السياسية التي ظلت مُحرَّمة على الناس في المملكة العربية لمدة ليست بالبسيطة. إن الحديث عن المفاهيم الفلسفية ليس حديثاً عن مفاهيم كوكبية صالحة لكل زمان ومكان، إنما هو نقاش عن مفاهيم ينبغي إعادة تخصيبها لكي تتواءم مع أزمات ومستلزمات حيز محدد يتطلّب من المنشغلين به مراعاة خصوصيته الثقافية وإرثه السياسي وبنيته الاقتصادية.


إن مفهوم العلمانية من المفاهيم السياسية التي جرى عمداً تشويهها في مجتمعاتنا العربية وفي السعودية بشكل أكثر كثافة، فوصفت مرة بالزندقة، ومرة بالكفر بالدين، ومرة بالانحلال عنه. ولأن المعاني تُعرف بصورتها التي تظهر على الشاشة الذهنية للإنسان لا بدلالاتها أو بوظيفتها الفعلية، فقد نجحت شيطنة المفهوم. بعض المواجهات مع خصومها كانت نابعة من عقيدة إيمانية كهنوتية الطابع، تخشى من فقدان السيطرة على الالتزام الديني وضبط أنماط تدين المجتمع، وبالتالي خسارة العلماء لقيمتهم الرمزية التي يُسيّرون بها حياة الناس، أما بعض الحزبيين (سرورية وإخوان) فقد شكَّلت لهم سلاحاً لاغتيال خصومهم السياسيين عبر استخدامها في الصراع المفتوح بين التيارات الإسلامية والوطنية حول هوية الدولة.
في الواقع، عند فحص العلمانية في سياق تطورها التاريخي في الغرب نجدها تنقسم إلى قسمين: علمانية روحانية، وعلمانية سياسية. الأولى، تختص بالفرد، والثانية تخص الجماعة. فالعلمانية الروحية ظهرت في المجتمعات الديموقراطية الغربية بعدما فقدت الأديان وهجها هناك، وتبدد الأمل بكفاءة الأديان في تطويق الظواهر الطبيعية وتفسيرها مقارنة بالعلوم الطبيعية، فنجم عن ذلك بحث أكثر تعمقاً في الإجابة عن تساؤلات من جنس: ما الذي يُعطي للحياة معنى؟ أو ما الذي يجعل الإنسان يتقبل فكرة الموت أو الشيخوخة إذا لم يكن يؤمن بوجود آخرة، وما الذي يدفعه إلى فعل الخير للآخرين في الحياة ما دام ليس هناك من مردود ماورائي. إذاً السؤال المركزي هنا هو سؤال الوجود، أو سؤال الخلاص. سؤال يبحث في باطن الفرد وعلاقته بالرب وبنفسه وبمنابع أناه بكل ما تحمل من تصورات وقيم عن الخير والشر والحق والأخلاق، فإذا ما غاب الله وغابت الآخرة كيف للإنسان أن يُحافظ على قيم كالحب والتضحية.
هنا في شق «العلمانية الروحية» انقسم الفلاسفة إلى مجموعات متنوعة، كلّ بحسب خلفيته الفكرية ومنطلقاته الفلسفية. صنف راح يرفع من قدر الإنسان ويعتبره ذاتاً متعالية منها تنبع الأخلاق الحميدة، ويستطيع بـ«ناسوتيته» المُحتكمة إلى العقل وحده أن ينتقي الخير فينحاز له، ومثال لهذه المدرسة الفيلسوف الفرنسي لوك فيري صاحب كتاب «الإنسان الإله» الذي قال «بنهاية الأخلاق اللاهوتية» في ظل خسوف المقدّس. هي إذاً عملية تاريخية لمساعي إحالة الروحانيات إلى مصدر غير إلهي، في ظل تراجع الإيمان بوجود الله في المجتمعات الغربية في ما بات يُطلق عليه «عصر العلمانية».
في حيّزنا العربي، ناقش تلك الحالة باستفاضة الفيلسوف المغربي طه عبد الرحمن في كتابه «روح الدين» كما في محاضرته (أخت العلمانية وفصل الدين عن نفسه)، ويقصد بها هنا فصل الأخلاق عن الدين. فطه عبد الرحمن مؤمن بأن الإنسان يعيش في عالمين: عالم مرئي، وعالم غيبي، وأنه مولود على الفطرة التي فطره الخالق عليها، فخلق مع هذه الفطرة روحاً تبث فيها القيم الطيبة كالعدل والإحسان وهو ما يسميه طه الذاكرة الأصلية للإنسان، ويُفرّق طه بين الروح وبين النفس (الأنا) التي تنسبُ الأشياء إليها؛ بما فيها الأشياء غير القابلة للنسب مثل السيادة.
هكذا بتنا أمام محاججة تتمحور حول سؤال مصادر أخلاق الإنسان، وإن هذا الجنس من «العلمانية الروحانية» التي يعالج بها الغرب أزمته الروحية بعد انخراطه في مجتمع ليبرالي فرداني نفعي تشبه فيه العلاقات البشرية العلاقة مع الآلات ليس مطروحاً للمجادلة في مجالنا التداولي العربي بحكم مركزية الدين في الثقافة العامة وفي حياة الأفراد، والتصاق الغالبية الساحقة بدينها بشكل بتنا معه نخاف من الإفراط في استحضاره أكثر من الخوف من استبعاده. إننا على اقتناع بأن الأخلاق والدين والسياسة مجالات متمايزة، لكنها متداخلة حيث تساهم جميعها في تكوين الشخصية الخاصة بكل مجتمع، وبأن الدين يتفاعل معه الناس بشكل جماعي وفردي عبر مجموعة من الشعائر والطقوس، فهو في الأصل ظاهرة اجتماعية. لذا فإن النقاش حول العلمانية الروحية ليس ملحاً، بالمقارنة بالعلمانية السياسية؛ لأنه في مجالنا العربي لم يتحول إلى ظاهرة اجتماعية تستحق الدراسة بعد.
إن النقاش الذي يجب أن يستحوذ على تفكيرنا يقتضي التطرق الى العلمانية في شقها السياسي، أي بصفتها أداة فاصلة للدين عن السياسة؛ إما فصل كامل للدين عن المحيط العام وتحويل الدين إلى شأن فردي خاص يكون المعني فيه الفرد لا الجماعة، وعليه فمن أراد ممارسة طقوس دينية معينة فليفعل ذلك بعيداً عن المؤسسات الرسمية، وهذا يُصطلح على تسميته «العلمانية الصلبة»، حيث العلمانية هنا أيديولوجية شمولية لها رؤية خاصة للحياة بكل جوانبها وتملك موقفاً حازماً من الدين كما هي حال فرنسا التي ينص دستورها على كون فرنسا «جمهورية علمانية ديموقراطية اجتماعية غير قابلة للتقسيم». أو فصل جزئي بين المؤسسة السياسية والمؤسسة الدينية وهو ذو طابع قانوني لا أيديولوجي؛ بمعنى التغاضي عن تفاعلات الدين في المجال العام مقابل عدم استغلال الدين لأغراض سياسية، وعدم استثمار السلطة السياسية لنفوذها لفرض إملاء ديني محدد على الأفراد، كما هي حال نموذج أميركا.
في المملكة العربية ومنذ ولادة التحالف التاريخي بين الإمارة والإمامة والمؤسسة السياسية والمؤسسة الدينية، تتناوب كل واحدة منهما على حراسة قداسة الآخر، وضمان تفوق كلّ في مضماره على بقية الفئات الاجتماعية التي تحل في مرتبة اجتماعية أدنى من الأمراء ورجال الدين، وتوفير سُبل بقاء هيمنته على المجال المنشغل فيه، حتى بتنا نقف أمام واقع بأن هذا الحلف هو أسّ المشاكل، وأن العدالة والكرامة الإنسانية تستوجبان إمعان التركيز على نقد هذه العلاقة بصفتها العامل الأساسي المتحكم بطرق معيشتنا؛ بما فيها سلب إرادتنا وحريتنا وكرامتنا؛ فهيئة كبار العلماء تشكل «الدرع الأيديولوجية للنظام»، وهي التي قنّنت مبدأ «طاعة ولاة الأمر» وعدم الخروج عليهم حتى بالنقد العلني، وأُنزل الأمراء منزلةً غير مسبوقة بالتلقب بألقاب إلهية مثل «صاحب الجلالة» مقابل الحصول على امتيازات مادية ومعنوية لرجال الدين، حيث عمدت المؤسسة الدينية الى تعزيز أدواتها التسلطية على المجتمع من خلال مأسسة أنماط من التدين كفضيلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتحويلها الى جهاز مراقبة لسلوك الناس وتوجيهه.
لكن منذ وصول الملك فيصل إلى رئاسة مجلس الوزراء، شرع في عملية تفتيت مركزية السلطة الدينية التي كانت في قبضة الشيخ محمد بن إبراهيم الذي ورث الشيخ محمد بن عبد الوهاب بجميع صلاحياته والذي فقدت المؤسسة الدينية استقلاليتها تدريجاً بعد رحيله، وقد ساعدت أموال النفط على قلب العلاقة بينهما؛ من علاقة شراكة في الحكم إلى تطويع المؤسسة كأداة أيديولويجة في يد السلطة السياسية.
استمر الوضع في عهد الملك فهد كما كان في عهد فيصل، حيث جرت الاستعانة بكفاءات من تيار الإخوان المسلمين الأم في مصر لقيادة المؤسسات الدينية المنتشرة في السعودية كالفطريات، وسارت الدولة في طريقين متناقضين لكنهما يخدمان تمكين الاستئثار بالسلطة في جميع الأحوال، مستفيدة من القدرة الهائلة للأيديولوجية الدينية في التعبئة عند الضرورة. فبموازاة الأسلمة للمجتمع، كان هناك مشروع علماني تحديثي لبعض المؤسسات الرسمية، إلى أن وصلنا الى عهد الملك عبد الله الذي تمت فيه عملية إعادة تنظيم المؤسسات الدينية وغربلتها، فاحتوائها بعدما تُركت لعقود في أيدي التيارات الدينية الحركية كالإخوان والسرورية، من خلال إبعاد الشخصيات الحركية عن المناصب المؤثرة واستبدالها بشخصيات سلفية (جامية) تدين بالولاء التام للنظام. بكلمة واحدة، نامت المؤسسة الدينية قبل ثلاثة عقود وهي شريكة في الحكم واستيقظت وهي في جيب النظام، فقد أحكم النظام سيطرته الكاملة على المؤسسة الدينية وطوعت أيما تطويع في حسم الكثير من النزاعات السياسية محلياً وخارجياً.
نستنتج مما سبق أننا عملياً أمام دولة علمانية مكتملة الأركان لبست مشلح القداسة اللاهوتية بالتعاون مع المؤسسة الدينية، وأن الخروج من الرؤية الخانقة لنموذج الدولة «العلمودينية» يتحقق بأدنى درجات العلمانية (العلمانية الرقيقة)، وذلك بفصل المؤسسة السياسية عن المؤسسة الدينية ووقف استغلال السياسي لها في السيطرة على حركة المجتمع والتفرد بخيراته وموارده. إن السيادة التي هي حقٌ إلهي عند الإسلاميين في حالة المملكة لم تعد لرجال الدين، وإنما لرجال السياسة؛ وإننا نستطيع القول من دون توجس تآكل معالم الدولة الدينية لصالح الدولة العلمانية، وبانتفاء التعذّر بأن العلمانية تُسيد الدولة سيادة الإله على عباده؛ لأن السياسي خطف القداسة والسيادة من الإله ومن الشعب وترك للبقية مصارعة طواحين الهواء.
* كاتب سعودي