يقترح الشاعر الفلسطيني زكريا محمد، في مقالاته المنشورة تباعاً في ملحق «كلمات»، إجراء تعديل على رسم بعض الألفاظ الواردة في القرآن الكريم، لأنّ هناك خلافاً بين المفسرين في فهم معناها الأصلي من جهة، ولأنّه من جهة ثانية – كمتخصص في الألسنية – وضع يده على مجموعة من النقوش التي يُعتقد أنها عربية ويمكن البناء عليها لإعادة تدقيق الرسم القرآني.

لم يكن زكريا محمد – لغاية الآن - أوضح منه ممّا كتبه في مقاله الأخير (يوم السبت 27 تشرين الأول 2018)، واضعاً جزءاً من الآية الكريمة 31 من سورة الرعد: {أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَن لَّوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا} عنواناً لمقاله، إذ كتب يقول: «والهدف هو الوصول إلى قراءة أسلم لهذه الآية. فتدقيق القرآن إنما هو تحقيق للقول القرآني: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون}. فالقرآن يحفظ عن طريق تدقيق قراءته عبر الأجيال. التدقيق هو الحفظ. وسوف يكون مدخلنا إلى ذلك نقوش الجزيرة العربية قبل الإسلام، وعلى الأخصّ النقوش الصفوية (أو الصفائية بشكل أدق). وهي نقوش على الصخور يقع أغلبها بين شمال السعودية وشمال الأردن، إضافة إلى بعض المناطق في سوريا. وكان هناك اختلاف حول طبيعة لغة هذه النقوش. لكن الاتجاه الحاسم الآن أنها لغة عربية قديمة».
الحفظ عبر التدقيق الذي يقترحه محمد أوصله إلى الدعوة إلى تغيير رسم بعض الكلمات في القرآن الكريم: ييأس إلى ييئِس (الرعد: 31)؛ وسَرِياً إلى شَرَباً (مريم: 24) في مقالة له يوم 13 تشرين الأول 2018؛ ويُصَدَّعون إلى يُصَدّون (الواقعة: 19) في 29 أيلول 2018، وغير ذلك. وهو يتّخذ، لتعزيز دعوته، من التصحيف الذي يقرّه اللغويون ذريعة لدعم حجّته، معطوفاً على ذريعة الاختلاف بين المفسرين في فهم بعض الألفاظ أو التشكيك في أصلها العربي، مضافاً إلى ذلك اختلاف بعض الصحابة في طريقة رسم (أو على الأصح في طريقة التلفّظ) ببعض الكلمات، في ما يعرف باختلاف القراءات.
الدعوة إلى تغيير رسم بعض كلمات المصحف الشريف ليست جديدة، بل تعود إلى العصور الأولى لانتشار الإسلام. فقد رُوي أن بعض المعتزلة «قال لأبي عمرو بن العلاء ـــ وهو أحد القراء السبعة ـــ : أُرِيدُ أَنْ تَقرأ: (وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى) [النساء: 164] بنصب اسم الله، ليكون موسى هو المتكلم لا الله! فقال أبو عمرو: هبْ أني قرأت هذه الآية كذا، فكيف تصنع بقوله تعالى: (وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ) [الأعراف:143]؟ فبُهت المعتزلي!».
كما حاول محمد أن يعزف، من طرف خفي، على وتر الخلافات بين السنّة والشيعة في قوله: «ورغم أن شخصية مؤسّسة في الإسلام كانت ترى أنّ في الآية تصحيفاً، فإنه لم يجر تغيير الكلمة في النسخ القرآنية، لأن نص القرآن كان قد ثبت كما هو ولم يعد ممكناً تعديله. وقد صاغ الإمام علي هذا في قاعدة محددة تقول: القرآن لا يُهاج، ولا يُحول، أي إنه لا يجري تغييره حتى لو كان هناك تصحيف أو خطأ في الكتابة». وهو يروّج لمقولة أنّ الإمام علي بن أبي طالب (رض) كان مقتنعاً بأنّ في المصحف تصحيفاً أو أخطاء في الكتابة. وهنا، يمكن للمرء أن يتساءل عن السبب الذي من أجله اختصّ الإمام علي بالذكر دون غيره من الصحابة، رغم أن كتب التراث والتفاسير مليئة بمواقف مشابهة، مثل ما جرى بين أمير المؤمنين عمر بن الخطاب (رض) مع هشام بن حكيم، وقوله له: «إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أقرأنيها على غير ما قرأتَ». وهي مواقف لم يفهم أحد من المفسرين أنها تقدح في رسم المصحف الشريف، بدليل أنهم أثبتوها في كتبهم، ولم يُعِب عليهم أحد ذلك.
يغفل أصحاب تلك الدعوات حقيقة أنه نشأت في تاريخ المسلمين دول متعدّدة كانت الغلبة فيها لأتباع هذا المذهب أو ذاك، ولكن لم يحدث مطلقاً أن ادّعى واحد منهم ـــ لو مجرد ادّعاء ـــ أنّ عنده نسخة أخرى من القرآن غير تلك التي يقرّ بها المسلمون جميعاً، المعروفة بالرسم العثماني، نسبة إلى عثمان (رض). ثمّ إن هناك ثغرة أساسية في كل محاولات التشكيك في صحّة ثبوت نص القرآن الكريم، وهي أن المسلمين تناقلوا القرآن وحفظوه شفاهة لا كتابة، وهذا هو الأصل. كان المسلمون الأوائل يتلقون القرآن من النبي صلى الله عليه وسلم متلوّاً، فيحفظونه في صدورهم، ويعلّمونه غيرهم حفظاً ومشافهة، ولم يكونوا يعتمدون في ذلك على نص مكتوب. إن الذكر الذي تعهد الله حفظه هو اللفظ المنطوق للقرآن الكريم وليس إملاءه المخطوط. والدليل على ذلك أن رسم المصحف الشريف الذي بين أيدينا اليوم يختلف إملاؤه عن المصحف العثماني الذي كان بلا حركات ولا تنقيط، لكن تمّ الحفاظ على صيغته الصوتية. وقد أكد القرآن أن الذكر يكون سماعاً: {وَإِن يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ} [القلم: 51]، فأورد لفظ «سمعوا»، لا «قرؤوا».

شبهة التصحيف لا قيمة لها لأنّ التصحيف يكون في المخطوط لا في المتلوّ تلاوة


هذا يعني أن شبهة التصحيف لا قيمة لها، لأنّ التصحيف يكون في المخطوط لا في المتلو تلاوة. وضع الخليفة عثمان بن عفان (رض) خمس نسخ فقط من المصحف الشريف، وجعل في كل مصر نسخة لكي يرجع إليها إذا اختلف القرّاء في ما بينهم، ولكي تكون ضابطاً للحفظ، لا مصدراً له. والدليل على ذلك أن شعائر الإسلام الكريم وفروضه توجب قراءة ما تيسر من القرآن في كل صلاة، وهذا لا يكون إلا حفظاً من الصدور. وكان المسلمون يؤدون الصلوات المفروضة، وغير المفروضة، من دون وجود صحيفة مكتوبة يرجعون إليها. بل إنّ الدافع في كتابة النسخ الخمس كان كثرة القتل في القرّاء ـــ وهم أكثر المسلمين حفظاً لكتاب الله ـــ إبان «حروب الردّة». ثمّ إن النسخ التي استند إليها الكتبة الذين كلفهم عثمان النسخ كانوا ينسخون من نسخة أشرف الرسول صلى الله عليه وسلم بشخصه الكريم على كتابتها وبقيت محفوظة في بيت أم المؤمنين حفصة (رض)؛ أكثر من ذلك، كان النسّاخ في زمن عثمان يراجع بعضهم ما يكتب البعض الآخر ويدقق إملاءه. ويؤكد ذلك رفض الإمام علي (رض) أيّ تغيير أو تبديل، لأنّه كان شاهداً على الآلية التي تمّ بموجبها تدقيق نسخ المصاحف، ثمّ، وهو الأهم، أنه لما استتب الأمر له، من بعد عثمان (رض)، لم يراجِع في هذا الشأن مطلقاً، لا هو ولا ولداه الحسن والحسين، رضي الله تعالى عنهما.
إن افتراض حسن النيّة لدى بعض الباحثين، بحجّة الوصول إلى فهم أفضل، كما يريد لنا الشاعر زكريا محمد أن نفهم محاولاته ودعواته إلى «تدقيق» رسم ألفاظ القرآن لا مكان لها ولا تستقيم اليوم، كما لم تستقم أيام أن استولى المعتزلة على الحكم، وسعوا السعي نفسه. إن «الفهم» ذاته مسألة مبهمة وغامضة، وفردية، ولا يمكن أن تكون معياراً موضوعياً للحقيقة، ولا يبنى عليها بكل تأكيد. وإنّ «التدقيق» الذي يجعله الكاتب مرادفاً للحفظ الذي ورد ذكره في القرآن الكريم لا معنى له؛ إذ التدقيق، على افتراض قبوله جدلاً، يحتاج إلى مرجعية محدّدة بدقّة ومتفق عليها؛ أمّا الإتيان بنقش من هنا أو هناك، وبنصوص ناقصة وبأحرف مطموسة، ثم البدء بافتراض أنّ هذه الكلمة تدلّ على اسم مكان لا على شخص بعينه، فهذا مما لا يقرّه منطق سليم، ولا منهج علمي رصين.
إن أخطر ما في هذه الدعوة هو أن تغيير رسم لفظ واحد من القرآن الكريم من شأنه أن يفتح الباب للمطالبة بتغيير هذه الكلمة أو تلك، ولاحقاً التشكيك في نسبة بعض الآيات، وصولاً إلى المناداة بحذف بعضها، وهو ما تهدف محاولات غربية إلى الوصول إليه، كما سنبيّن بعد قليل، لشطب الآيات التي تذمّ معتقدات اليهود ومواقفهم أو الآيات التي تحضّ على الجهاد (مع أننا نعزل محاولة زكريا محمد عن ذلك). وإذا كان محمد لم يستسغ الخلاف بين المفسرين على فهم لفظ «ييأس»، فله أن يدلو بدلوه – لا مانع في ذلك – لكن بشرط الحفاظ على أصل اللفظ كما ورد في القرآن. وبالمناسبة، عليه أن يجيب عن معنى لفظي «استيأس» (يوسف: 110)، و«استيأسوا» (يوسف 80)، اللذين لا ينسجم سياقهما مع معنى انقطاع الأمل والرجاء، ولا معنى العلم والتبيّن، ولا المعنى البديل الذي يقترحه دلالة على الوصول والإتيان والرجوع؛ ذلك أن أحرف الزيادة «است» تدلّ على الطلب، والسياق لا يحتمل ذلك بأي وجه من الوجوه.
يمكن «تفهّم» بعض دعوات التجديد الديني، أو دعوات تجديد الخطاب الديني، أو الإصلاح الديني، أو مراجعة التراث الديني، أو سمّها ما شئت، ما دامت تلتزم مسلمة أساسية في الدين الإسلامي هي ثبوت النص القرآني وثبات لفظه. أما ما يريده أصحاب دعوات تدقيق المصحف ومراجعته، فهو أن ننجرّ إلى ما وراء ذلك، وأنّ ندمّر نقطة القوّة والثبات التي تشكل مرجعية للأمة الإسلامية، التي يمكن البناء عليها لاستعادة النهضة والوحدة، وبذلك يستوي في هذا السياق حسن نياتهم وسوؤها.
ومن بداهة القول إنه يتعذر الحكم على نيات الأفراد ودوافعهم الحقيقية من وراء الدعوة إلى تغيير رسم بعض الألفاظ في المصحف الشريف، لكن يمكن بالإجمال تسجيل الملاحظات الآتية:
أولاً، تزايدت وتيرة هذه الدعوات خلال العقدين الأخيرين، غداة أحداث أيلول 2001، عبر وسائل إعلامية متعدّدة، منها الفضائيات و«اليوتيوب» والجرائد ومراكز الأبحاث وغيرها، ما يشير بوضوح إلى وجود جهة أو جهات تموّلها، نظراً إلى حاجة بعضها إلى مصاريف هائلة، لما تتطلبه من تنظيم في الجهود، وإمكانات استثنائية في البحث، وأشخاص ذوي كفاءات عالية في فهم اللغة والتراث الإسلامي من مصادره القديمة، ومعرفة باللغات غير الحيّة، وتجميع للموادّ، وسوى ذلك، ما ينوء بحمله الأفراد. وهذا لا ينفي وجود بعض الجهود الفردية، لكنّ مساهمات هؤلاء تكاد تكون هامشية مقارنة بما يتوافر لفضائية مثل «قناة الحياة» المسيحية المصرية (وهي غير فضائية «الحياة» العامّة)، ومن أمثال د. سامي عوض الذيب أبو ساحلية (وهو فلسطيني مسيحي) الذي وضع مؤلفاً ضخماً يزعم فيه أنه أعاد كتابة المصحف الشريف «بالتسلسل التاريخي وفقاً للأزهر بالرسم الكوفي المجرد والإملائي والعثماني مع علامات الترقیم الحديثة ومصادر القرآن وأسباب النزول والقراءات المختلفة والناسخ والمنسوخ ومعاني الكلمات والأخطاء اللغوية والإنشائیة»، بتمويل سويسري على ما يبدو.
ثانياً، تأتي هذه الدعوات منسجمة مع دعوات متزايدة في الولايات المتحدة الأميركية تحديداً، إضافة إلى بعض العواصم الغربية مثل فرنسا وغيرها، إلى «ضرورة إجراء مراجعة للنص القرآني»، بحجّة أنّ في المصحف الشريف آيات تحضّ على العنف والإرهاب. في بداية الأمر، توجهت الجهود الأميركية نحو المدارس الدينية ومناهجها التعليمية قبل أن تتعالى أصوات باحثين أميركيين تنادي بأنّ الاقتصار على تغيير المناهج الدراسية وحدها لا يكفي، بل يجب أن يطاول التغيير النص القرآني أيضاً. وقنوات «اليوتيوب» مليئة بمحاضرات لأمثال هؤلاء الباحثين الذين يركزون على ضرورة إثارة الشبهات حول ثلاث مسلّمات أساسية لدى المسلمين: قدسية النص القرآني نفسه، عبر ادّعاء وجود غلط فيه تارة، وعبر الزعم بوجود أخطاء في النَّسخ بتطاول الزمن، تارة أخرى. وكذلك التشكيك في وجود الكعبة المشرفة في مكة الحالية (أو التشكيك في أنّ مكة هي ذاتها في موقعها المعروف اليوم)، وصولاً إلى التشكيك في وجود شخص حقيقي حمل اسم محمد بن عبد الله (صلى الله عليه وسلم). وهذه النقطة الأخيرة أثارتها قناة BBC المفترض أنها رصينة، في وثائقي لها حمل عنوان: The Untold Story of Islam، الذي يشكك في وجود شخصية الرسول تاريخياً.
ثالثاً، اصطدمت الحملة الغربية ضد الإسلام بحقيقة عدم وجود مرجعية إسلامية، وفق النمط الكنسي، لممارسة الضغوط عليها وإجبارها على تبني «الإصلاح الديني» المطلوب غربياً، وأميركياً تحديداً. وهو ما دفع بالبعض للدعوة إلى أن يكون التشكيك شاملاً، لا يتوجّه إلى النخب وحدها، بل إلى الفئات الشعبية أيضاً، وتحديداً لجهة التشكيك في صحّة ثبوت القرآن الكريم وسلامته من التحريف، ذلك أن التشكيك في القرآن له مادّته الغنيّة، وبالإمكان إثارة المزيد منه دوماً، بل يمكن الاستعانة بما يتناثر في كتب التراث المعتمدة لدى المسلمين أنفسهم، وذلك على خلاف التشكيك في الموقع الجغرافي للكعبة المشرّفة أو مكة المكرمة، أو في وجود شخصية الرسول (صلى الله عليه وسلم).
رابعاً، استهداف القرآن الكريم بالتشكيك لا يهدف إلى الوقوف على حقيقة النص الديني، ولا «الوصول إلى قراءة أسلم» لهذه الآية أو تلك، كما يدّعي الكتاب في هذا السياق؛ ذلك أن الوصول إلى الحقيقة، على افتراض صدق هذا الادّعاء، لا يمرّ عبر التشكيك في مصدر تلك الحقيقة وأصلها، أي القرآن نفسه؛ فذلك ضرب من المصادرة على المطلوب. واقع الأمر أن استهداف القرآن هدفه سياسي بحت يتجاوز ذريعة محاربة الإرهاب، ويصوّب على نسيج الأمّة الإسلامية عينها، تفتيتاً لهويتها الجامعة. الحقيقة هي أنّ القرآن الكريم هو سرّ وجود المسلمين واستمرارهم، فهم موجودون به، وباقون بحفظه، ولا وجود لهم دونه.
يحضرني في هذا المقام كلام كنت قد سمعته من المفكر والوزير اللبناني السابق، الفضل شلق. خلاصة كلامه يمكن صياغتها على النحو الآتي: «الأمة العربية أوجدها القرآن الكريم، وهي الأمّة الوحيدة، من بين كل الأمم، التي تمتلك كتاباً لا تختلف على ثبوته. وهذا بذاته يعتبر ضمانة لبقاء العرب، رغم كل الخلاف في التفسير والتأويل». بعبارة أخرى: ليس لدى المسلمين، رغم اختلافهم إلى مذاهب وفرق ونحل وملل، حاضراً وماضياً، سوى نص مقدّس واحد، يقرّ به وله الجميع، ولا يزعم واحد منهم أنّه يمتلك نسخة أخرى مختلفة.
شبهتا التصحيف واختلاف القراءات لا يمكن أن ترقيا أبداً إلى منزلة وجود نص آخر. في المسيحية، يمكن الحديث عن أربعة أناجيل أو يزيد؛ وفي اليهودية يمكن الحديث عن توراة سبعينية وأخرى سامرية وما شاكل. أما المسلمون، فحافظوا منذ اليوم الأول لنزول الوحي على نص واحد، تمّ ضبط روايته، ولك أن تقول رواياته أو قراءاته، لكن لا يمكن القول مطلقاً إنّ ذلك أوجد قرآناً آخر، ولو زعماً باطلاً.
بالطبع، لا يمكن تعميم هذه الملاحظات على جميع الأفراد ودوافعهم؛ ذلك أن بعض المثقفين العرب مأخوذون بالتجربة الأوروبية، البروتستانية تحديداً، في نقد نص الكتاب المقدس، ويسعون إلى تطبيق منهجية النقد الديني على نص القرآن عينه، ظناً منهم أنّ ذلك من شأنه أن يحقق نهضة للأمة شبيهة بعصر النهضة الأوروبي، وهي شبهة والتباس يطول الرد عليهما في هذا المقام.
غاية القول: القرآن الكريم أدّى دوراً مفصلياً في حفظ الأمة الإسلامية؛ ومن أشهر الأمثلة على ذلك ما جرى في الجزائر وسائر دول المغرب العربي إبان الاستعمار الغربي لها. لم يكن لدى الجزائريين ما يواجهون به عملية «الفرْنسة» إلا كتاب الله الذي كانوا يعلّمونه أولادهم في الكتاتيب. بقي كتاب الله صامداً وانتصر، وانهزمت فرنسا. وما دام النص قائماً وثابتاً وموجوداً، فإنّ إمكانية أن يعيد إنتاج الأمّة من جديد تبقى قائمة دوماً.
منذ أنزل الله تعالى القرآن الكريم على رسوله الكريم، لم يترك الناس في ضياع ولا تيه منه، بل دلّهم على ما يتيقنون به بأنفسهم أنه من عند الله: {وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ. فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا وَلَن تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ ۖ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} [البقرة: 23 – 24].
بعد أربعة عشر قرناً، ورغم كل محاولات التشكيك، لم يستطع أحد أن يردّ على هذا التحدي، ولم يستطع أحد أن يأتي بسورة من مثله، ولن يستطيع أحد ذلك. وإنّ هذا التحدي هو دليل ليس على أن القرآن الكريم وحي من عند الله فحسب، بل دليل على وجود الله تعالى الذي أنزل هذا القرآن، وهو ما يزيد البعض حنقاً على ما يبدو. على كل حال، إن التحدي قائم وسيبقى قائماً، والأمة باقية ما بقي كتاب الله.
* باحث وكاتب فلسطيني