من تصفير النفط الايراني، إلى استثناء ثماني دول من التعامل مع إيران بواقع يزيد على نصف صادراتها النفطية، يسجل الرئيس الأميركي دونالد ترامب اعترافاً رسمياً بفشله في اتباع النموذج الكوري الشمالي مع إيران لإركاعها وإجبار رئيسها على الجلوس معه وجهاً لوجه بدون شروط مسبقة كما يريد هو، متنازلاً عن الـ 12 شرطاً تعجيزياً التي وضعها وزير خارجيته، مايك بومبيو، بعد الانسحاب من الاتفاق النووي. إذاً، يمكن القول ابتداءً إن عقوبات ترامب، التي وعد أنه لن يكون لها مثيل في التاريخ، ولدت عرجاء مشوهة، والمكتوب يُقرأ من عنوانه. والتصفير الذي وعد به لم يتحقق، وإن دولاً حليفة له تدعم العقوبات على إيران، كالإمارات، طلبت استثناءً لحاجتها إلى النفط الإيراني المكثّف، لأن دبي ما زالت تستورد النفط الإيراني الخفيف لتحوّله إلى وقود نفّاث وإنتاجات أخرى للاستخدام المحلي. وميناء الفجيرة واحد من الموانئ التي ما زالت تستقبل السفن الإيرانية، وهو أحد أهم الموانئ التي يُباع فيها النفط في الشرق الأوسط. والاستثناء المؤقت يمكن أن يصبح دائماً بتمديده.

فإيران 2018، هي ليست كما كانت عليه في عام 2013 عندما بدأت المفاوضات السرية المباشرة مع الخصم الأميركي عبر الوسيط العماني في مسقط، من دون أن تخضع لعقوبات كانت أقسى بكثير من العقوبات الجديدة. بل كانت هي التي أجبرت واشنطن على الخضوع لرأيها والقبول بمبدأ الفصل بين الملفات، لتمهد لمفاوضات جدية حول النووي خاضتها بجدارة وكفاءة واستحقاق مع دول 5+1، قبل أن يفضي ذلك إلى الاتفاق النووي. وأميركا هي ليست ذاتها التي كانت تحظى بتأييد دولي وإجماع داخل مجلس الأمن أدى إلى خمسة قرارت بفرض عقوبات أممية وعدد لا حصر له من العقوبات الأميركية والبريطانية على إيران. فالرئيس ترامب يعيش أسوأ أوضاعه، وهو لا يدير منظومة واحدة في الولايات المتحدة أو حتى حكومة واحدة متماسكة، وحجم التغييرات في حكومة ترامب غير مسبوق في تاريخ أميركا، ما يجعل إيران قادرة على المناورة أكثر من أي وقت مضى، خصوصاً أن معظم دول العالم، عدا الكيان الصهيوني وطبعاً توأمها السفلي السعودية، لا تؤيد هذه العقوبات. حتى الكويت، التي حررتها أميركا من احتلال النظام العراقي السابق، خطبت إلى جانب 13 دولة أخرى تأييداً لإيران والتزامها الكامل بالاتفاق النووي، بينما المفارقة رئيسة الدورة الحالية، الولايات المتحدة، تنتهك على رؤوس الأشهاد القرار الدولي 2231 الصادر عن مجلس الأمن وأقر الاتفاق النووي.
نجحت إيران كما هو واضح في إظهار ترامب وحيداً، خصوصاً وهو يعاني من تداعيات اغتيال الصحافي السعودي جمال خاشقجي، وأكدت التزامها بالاتفاق النووي طالما يخدم مصالحها. وحولت التحدي الأميركي والتهديد بعزلها دولياً إلى فرصة كبيرة. وحظيت بذلك باحترام المجتمع الدولي، وأن منطق الحوار ينتصر على منطق الغطرسة في عصر ما عاد هو العصر الأميركي، ولن يكون أيضاً العصر الإسرائيلي كما يحلم رئيس الوزراء الصهيوني بنيامين نتنياهو، وهو يحقق خرقاً كبيراً في معركة التطبيع الكبرى مع العالم العربي، إذ تسربت معلومات أكيدة من مسقط عن طلب تقدم به نتنياهو لنقله إلى إيران مضمونه أنه لا يريد الحرب معها. وكذلك لا يريد ترامب أن يصل التوتر مع إيران إلى الصدام الأكبر، ولهذا فقد رضي بالتهدئة معها في العراق، وشكرها في الأمم المتحدة على دورها في التوصل إلى اتفاق إدلب، وانتقد مؤيدون له (ومعارضون) في الكونغرس الإخفاقات السعودية المتكررة في لبنان. ودعا وزيرا خارجيته والدفاع إلى وقف الحرب الفاشلة في اليمن.
ولقد أدرك ترامب وفريق إدارته الذي يعمل على دعم منظمات إرهابية معروفة، مثل منظمة «مجاهدي خلق»، أن هذه العقوبات ولدت عرجاء مشوهة بالإعفاءات لدول كانت قررت منذ البداية أن لا تلتزم بها. ما يعني أنهم يستخدمون العقوبات سلاحاً في حربهم النفسية والدعائية لتحريك الداخل الإيراني باتجاه تغيير نظام الجمهورية الإسلامية، أو كما يعلنون تغيير سلوك قادته، وبعبارة أخرى: دفع طهران إلى الحوار والجلوس إلى طاولة المفاوضات. قبل ذلك، أسّست السعودية والولايات المتحدة، وحتى إسرائيل، قنوات تلفزيونية بإمكانات فنية ومالية ضخمة، وظيفتها شن حرب دعائية ونفسية متعددة الأهداف تركز على تغيير النظام وتحثّ الشبان بشكل خاص على القيام باحتجاجات والتظاهر والمطالبة بتغيير النظام بحجة الدعوة إلى استفتاء عام. وذهب بعض تلك القنوات إلى استضافة أشخاص يقيمون في دول غربية، يدعون علناً إلى قتل عناصر الشرطة وأسرهم وحرق المساجد والمراكز الدينية ومحطات الوقود، من دون أن يتعرضوا لمساءلة قانونية من حكومات الدول التي تؤويهم، ما يشير إلى أن العقوبات الأميركية، غير الفاعلة اقتصادياً، ما هي إلا إعلان الساعة الصفر لاندلاع فصل جديد من الاضطرابات الداخلية، ربما حتى أقوى من اعتداء الأهواز الإرهابي في خوزستان، وما يقوم به «جيش العدل» الإرهابي في سيستان بلوشستان، وأعمال العنف وقتل الجنود على الحدود بين إيران والعراق، ينفذها في الغالب انفصاليون يتخذون قواعدهم في كردستان العراقية.