في الذكرى الـ95 لتأسيس الجمهورية التركية ووسط أجواء احتفالية، بمشاركة بعض رؤساء الدول والحكومات، افتتح الرئيس رجب طيب أردوغان، منذ أيام، مطار إسطنبول الجديد، الذي من المفترض أن يحل محل مطار أتاتورك.

يقع المطار في الطرف الأوروبي من المدينة، وتم تشييده على مساحة تقدر بـ76.5 مليون متر مربع، وبحسب تصريحات الحكومة فإنه سيكون المطار الأكبر في العالم بعد اكتمال مراحله الأربع. يضم المطار الجديد ستة مدرجات وهو قادر على استقبال 90 مليون مسافر في مرحلته الأولى، حيث يتسع لـ141 طائرة في آن واحد وسيكون بإمكانه تسيير ثلاثة آلاف رحلة يومياً، ومن المفترض أن تبلغ طاقته الاستيعابية عند اكتمال مراحله 200 مليون مسافر سنوياً.
وعلى رغم حضور عدد من رؤساء الدول والحكومات هذه الاحتفالية التي وصفها أردوغان بـ«الحدث التاريخي» إلا أنّ السياسيين الأتراك من خارج حزب «العدالة والتنمية» قد تغيّبوا عن الحفل. وليس من الصعب على أي متابع للشأن التركي تخمين مقاطعة الأحزاب التركية لهذا الحدث، خصوصاً بعد التلميحات التي ذكرها الناطق باسم حزب «الشعب الجمهوري»، بأن المطار لم يكتمل بعد، فلماذا إذن كل هذه العجلة في افتتاحه؟
وبالفعل أعلن رئيس «الشعب الجمهوري» كمال كلتشيدار أوغلو، أنه لن يشارك في افتتاح المطار ومراسم تأسيس الجمهورية في إسطنبول، لأن مراسم الجمهورية من المفترض أن تكون في العاصمة أنقرة، فلماذا أراد أردوغان تغيير هذا الحدث السنوي؟
المثير للدهشة أن زعيم حزب «الحركة القومية» دولت بهتشلي، وحليف أردوغان في التحالف الانتخابي المعروف بـ«تحالف الشعب»، قال إنه لن يشارك هو أيضاً في حفل افتتاح المطار وأنه سيتابع الافتتاح عبر شاشة التلفزيون، لكنه سيذهب إلى أنقرة للمشاركة في حفل تأسيس الجمهورية. وهو ما علّقت عليه الصحف المعارضة بأن أردوغان دعا شخصيات سياسية كبيرة من خارج البلاد لكنه بقي وحيداً. الخلاف بين الأحزاب السياسية والحزب الحاكم حول المطار الجديد، بدأ منذ أن طُرحت فكرة إنشائه عام 2012. حيث اقترح المقربون من الحزب الحاكم تسميته بـ«15 تموز» أو «عبد الحميد خان» أو «الشهيد عمر خالص دمير»، بينما اختار حزب «الحركة القومية» اسم «ماتاهان»، أما حزب «الشعب الجمهوري» الأتاتوركي فقال إنه ليس مطاراً جديداً من الأساس، هو فقط بديل لمطار أتاتورك الرئيسي ويجب أن يظل بالاسم نفسه.
بدأ العمل في المرحلة الأولى من المطار في حزيران/ يونيو 2014، وسط اعتراضات من المنظمات البيئية التركية، التي ذكرت في أكثر من بيان لها أن الساحة المختارة لإنشاء المطار هي غابة في شمال إسطنبول وإزالتها يعني مزيداً من التلوث في المدينة المكتظة. بالإضافة إلى أن المطار أقيم على طريق حيوي لهجرة الطيور، وبحسب مجموعة مراقبة الطيور في إسطنبول تم تدمير الأحواض المغطاة بالغابات في شمال المدينة لكي لا تحط عليها الطيور، وهو ما سيتسبب في كارثة بيئية.
لكن حكومة العدالة والتنمية لم تلتفت لهذه التحذيرات وقطعت بالفعل حوالى 657 ألف شجرة، على رغم التظاهرات والدعاوى التي قام بها ناشطو الحركات البيئية. كذلك تم تجفيف سبعين قطعة من الأراضي الرطبة التي تغذي حوض بحيرة تركوس، وهو ما سيؤثر أيضاً على احتياجات إسطنبول المائية.
على جانب آخر، لم تتحدث الحكومة وسط الدعاية التي أقامتها لهذا المطار عن مشاكل العمال الذين وصل عددهم إلى حوالى 30 ألفاً. وعلى رغم أن احتجاجات هؤلاء لم تتوقف خلال الأربع سنوات السابقة، بسبب عمل كثير منهم من دون تأمينات، بالإضافة إلى استعانة الشركات المنفذة للمشروع بعمّال سوريين وأفغان لكي يحصلوا على رواتب أقل، إلا أن الحكومة التركية لم تلتفت لهم.
كان أول اعتصام كبير للعمال في الرابع عشر من أيلول/ سبتمبر 2018. آلاف منهم شاركوا في الإضراب عن العمل، بسبب حدوث وفيات نتيجة حوادث أثناء العمل، إلى جانب تردي ظروف العمل بشكل عام وعدم توفير حاجاتهم الأساسية، بما في ذلك الأجور والغذاء والمساكن ومعايير السلامة. وأبدى العمال دهشتهم من «البروباغندا» التي أقامتها حكومة العدالة والتنمية لأكبر مطار في العالم من دون الالتفات إلى حقوقهم، حتى أنهم قالوا إن المطار هو أكبر سجن في العالم بالنسبة لنا.
وبدلاً من النظر في حقوق العمال، استعان المسؤولون عن المشروع بالشرطة التي حضرت سريعاً، وأطلقت قنابل غاز مسيّلة للدموع على العمال، وتم القبض على 401 عامل، من بينهم 30 عاملاً ونقابياً سُجنوا على خلفية عدد من الاتهامات من بينها الإضرار بالممتلكات العامة خلال الإضراب.
كتب المعتقلون بياناً من داخل السجن، وقالوا إن المطالبة بحقوقنا ليست جريمة، كما طالبوا بمعاملة آدمية للجميع وعدم فصل العمال الذين شاركوا في الإضراب، وإعطاء المستحقات المادية لجميع العمال. أُفرج بعد ذلك عن بقية المحتجزين الذين أجبروا على استئناف العمل بعد تعرضهم لضغوط وتهديدات.
لكن احتجاجات العمال العائدين إلى العمل لم تهدأ كما توقعت الحكومة، حتى أن الناطق باسم العمال صرّح إلى الإعلام بأن حوالى 400 عامل فقدوا حياتهم منذ البدء في المشروع، وأن رجال النظام قدموا لعائلاتهم تعويضات مالية مقابل الصمت على تلك الحوادث، لكن الحكومة أنكرت من الأساس وفاة كل هذا العدد وقالت في بيان لها إنهم 27 شخصاً فقط ولم نقدم تعويضات سرية للعائلات، وقامت الحكومة بعد ذلك باعتقال سبعة عمال آخرين.
وبحسب بيان نقابة العمال فإن مئات العمال لقوا مصرعهم بالفعل أثناء العمل، كما أصيب آلاف آخرون بإصابات بالغة. وواجهت النقابة الحكومة في بيانها بأن لديهم قوائم بأسماء الذين لقوا مصرعهم وأسباب وفاتهم، وهو ما لم تعقب عليه الحكومة التركية حتى الآن.
في لقاء مع العمال عشية يوم الافتتاح، قالوا إن الضغوط التي مورست عليهم من أجل التعجيل بيوم الافتتاح حتى يوافق عيد تأسيس الجمهورية أدى لمصرع المئات، حتى أن قبل حفل الافتتاح بيوم واحد، لقي عامل آخر مصرعه إثر سقوطه من مكان مرتفع في موقع العمل، بالإضافة إلى إصابة عاملين صعقاً بالكهرباء وهما حتى الآن في العناية المشددة.
المتابع للشأن التركي سيلاحظ محاولات أردوغان المتعددة لتغيير هوية تركيا العلمانية، والتعجيل بافتتاح مطار إسطنبول هو إحدى هذه المحاولات بهدف طمس ذكرى تأسيس أتاتورك للجمهورية التركية، بحدث افتتاح مطار إسطنبول الجديد، لكن المؤكد أن حدث تأسيس الجمهورية لا يمكن محوه ببساطة من ذاكرة الأتراك.
* كاتب ومترجم مصري مقيم في تركيا