75 عاماً على نيل لبنان استقلاله في مرحلة اتَّسمت، عموماً، بحصول معظم البلدان المستعمرة السابقة على استقلالها السياسي بعد الحرب العالمية الثانية. بيد أن هذا الاستقلال، قد اتصف، غالباً، بكونه استقلالاً جزئياً محدوداً ومحصوراً، وبالتالي ناقصاً أو منتقصاً في الكثير من مستلزمات انطلاقه كما كان يُفترض، لبدء مرحلة جديدة ونوعية في مسار تحرر شعبنا وتوفير شروط سيادته واستقراره وازدهاره وتقدمه.

كانت الحرب العالمية الثانية قد كرّست، في نتائجها وفي المؤسسات الدولية المنبثقة عنها، تصنيفاً تفضيلياً لخمسة دول (مع تعسف فاقع حيال تمثيل الصين) على كل ما عداها. في رأس الهرم تقف الولايات المتحدة والدول الكبرى المنتصرة في الحرب، محتكرة، في مجلس الأمن، القرار العام التنفيذي وحتى التشريعي، مقروناً بحقِّ النقض المحصورة ممارسته بالدول الخمس دائمة العضوية في ذلك المجلس. الانتصار على النازية والفاشية في تلك الحرب أنهى الشكل العسكري من النزاعات الدولية، ليواصل أو يطلق أشكالاً أخرى، هي، بالفعل، أكثر أهمية وخطورة وفاعلية. إنها النزاعات والصراعات، بوسائل أخرى، بما فيها العسكرية أحياناً، من أجل السيطرة على الثروات الطبيعية والمواقع الاستراتيجية، ومصادر الطاقة، والأسواق. هذا المسار عبَّر عنه تبلور وتوسع «العولمة» وتحولها إطاراً ناظماً للعلاقات الدولية في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية. الهدف بات أوضح: سعي محموم لممارسة الهيمنة، في كل الأماكن، وبكل الأساليب المتاحة، المشروعة وغير المشروعة. وهي بالطبع هيمنة ذات طابع اقتصادي وسياسي وأمني وإعلامي... وقد استخدمت في هذا المسار، وعلى أوسع نطاق، ثورة الاتصالات والمعلوماتية ومنظومات العلاقات التجارية المفروضة والحدود المفتوحة اللاغية لكل أنظمة الحماية حيال سطوة الكبار وفي مقدمهم الدولة العظمى الأبرز في العالم: الولايات المتحدة الأميركية التي ورثت، سريعاً وتباعاً، في منظومة الهيمنة والتوسع والسيطرة، في طورها الجديد، الدورين الإنكليزي والفرنسي، في العالم عموماً، وفي منطقة الشرق الأوسط، خصوصاً، وأضافت، بالطبع، إلى هذه المنظومة الكثير.
في هذا السياق حصل لبنان على استقلاله، في مجرى تبلور انتهاء الحرب وهزيمة النازية والفاشية، في أواخر شهر تشرين الثاني من عام 1943. انعقدت يومها تسوية قوامها أن يتخلى المسلمون عن مطلب الوحدة مع سوريا والالتحاق بها، وأن يتخلى المسيحيون عن مطلب الالتحاق بالغرب ودولته المنتدبة، يومها، فرنسا. الصدام المحدود مع سلطات الانتداب انتهى آنذاك، بسرعة، ونشأت دولة تكرّس في بنيتها لغمٌ استعماري منبثق من مبدأ «فرِّق تسد». وهو، أساساً، مبدأ بريطاني كان قد استخدم، بفعالية، لمد النفوذ وتوطيده بإضعاف سيطرة السلطنة العثمانية على مستعمراتها، من جهة، وتشتيت جهود القوى الوطنية الاستقلالية وتفتيت بناها الاجتماعية، من جهة ثانية: على أساس طائفي أو إثني أو عرقي أو قومي... لمصلحة الدولة المنتدبة، وقبل ذلك الدولة المستعمرة في طور ما قبل وما بعد الحربين العالميتين وما بينهما. وهكذا، وأيضاً لأسباب تتعلق بالنزاعات بين المجموعات اللبنانية والتي كانت تغذيها الدولة العثمانية التي كانت تحتل بلادنا والدول الغربية الطامعة بتلك البلاد (عبر قناصلها لدى السلطنة العثمانية)، وباستحضار صيغ مشابهة سابقة (رعتها القوى الاستعمارية المذكورة) جرى فرض سلطة «إستقلالية» تعتمد في تمثيلها وفي توزيع النفوذ والمناصب الأساسية فيها، على العامل الطائفي والمذهبي. الصحافي اللبناني جورج نقاش، لاحظ، مبكراً، «أن نفيين لا يصنعان أمة (أو وطناً)»، فيما كان ميشال شيحا أحد أبرز دعاة «الصيغة» اللبنانية الوليدة، يسارع إلى محاولة تبرير وتلطيف ما تنطوي عليه من خلل في التكوين (لجهة تغليب العامل الطائفي على العامل الوطني) ومن غلبة كاسحة في التوازنات (خصوصاً من خلال الصلاحيات الحاسمة وغير المراقبة لرئيس الجمهورية). وقد أسس لهذا الغرض «الندوة اللبنانية»، أداة حوار وتفاعل واحتواء، تابعها بعده ميشال أسمر حتى أواخر الستينيات.
ما حصل عليه اللبنانيون بعد نيلهم الاستقلال، إذن، بنية اقتصادية ضعيفة ومتخلفة وتابعة (عبر وكلاء اقتصاديين)، وبنية سياسية دولتية، منقسمة طائفياً وموزعة ما بين النزوع للولاء الغربي أو للسوري العربي: أيضاً عبر وكلاء سياسيين. وقد حكمت هذه التناقضات، الواقعي منها والمفروض والمتوارث من زمن دخول السلطنة العثمانية المسيطرة في مرحلة تحولها إلى «رجل مريض»، مجمل تطور الوضع في لبنان الذي شكّل عنواناً لتكريس الانتماء الطائفي والمذهبي لا الوطني، في تكوين السلطة السياسية، ولتكريس الدور الخارجي دوراً داخلياً لجهة التأثير (الحاسم غالباً) في تحديد العلاقات والسياسات حيال الصراعات والنزاعات ببعديها الإقليمي والدولي.
لم يكن هذا المسار، بالنسبة للمستعمرين، خارج مسار آخر كانت فلسطين ساحته وضحيته في نطاق مشروع صهيوني استعماري لتشريد شعبها وتبديد حقوقه، ولإنشاء موقع للعدوان وللسيطرة يستهدف مصالح الشعوب العربية وحقوقها وثرواتها وسيادة دولة ومصائرها جميعاً... وكان سبق ذلك «اتفاق سايكس-بيكو» الذي فتّت المنطقة وقسم النفوذ والسيطرة فيها وعليها بين الاستعمارين الانكليزي والفرنسي...
الدور السياسي الوظيفي للبنان بقشرة حريات وتعددية مشروطة بانتماء طائفي ومذهبي وتبعية للخارج، والدور الاقتصادي بشقه الترفيهي السياحي وباعتماده على الريع دون الإنتاج، (بما في ذلك في حقل صناعة السياحية نفسها)، عزَّز من هشاشة البنية الداخلية المرهقة بالانقسام والتنازع وتعدد الولاءات الخارجية، ومن وهن وهامشية دور الإنتاج في بنيتها الاقتصادية لحساب الوساطة والسمسرة والشطارة «والخدمات» المتنوعة بما فيها تلك المسيئة لكرامة اللبنانيين!
وُلد الاستقلال، إذن، مشوَّهاً ومنقوصاً، تحرسه طبقة مستفيدة وتابعة، سياسياً واقتصادياً، توظف موارد الدولة بعد نهب الجزء الأكبر منها، في خدمة الحفاظ على النظام الذي هو صيغة سيطرتها وتجديد هذه السيطرة. وقد أريد، في الترويج لهذا النظام، أن يبدو على صورة صيغة عجائبية لم تحصل إلا في هذا البلد. وهي لذلك مقدسة وقابلة للتطبيق في كل المنطقة! وبذلك كانت الطبقة السياسية والاقتصادية (تكاملتا تباعاً وخصوصاً في الانتخابات الأخيرة)، وكل ما يخدمها من مؤسسات في الحقول كافةً، أداة تكريس للسيادة المنتقصة في شقَّيها السياسي والاقتصادي. كلّف ذلك الشعب اللبناني الكثير من الحروب وعدم الاستقرار والفشل الساسي والاقتصادي على النحو الخطير الذي وصل إليه لبنان اليوم على المستويات كافة. ورغم كل ذلك اجترح الشعب اللبناني نجاحات مذهلة في حقل المقاومة والتحرير وتحقيق انتصار غير مسبوق على الغازي الصهيوني الذي احتل عاصمة لبنان وفرض سلطة تابعة له عام 1982، ثم ما لبث أن اندحر مهزوماً كما يحدث له في أي ساحة عربية أخرى.
لقد تمكنت قوى السلطة من استيعاب «صدمة» الانتصار (!) على العدو. وهي حاولت إفراغ هذا الانتصار من كل تأثير إيجابي على بنية النظام ومستلزمات تطويره بتحريره من المحاصصة الطائفية، ومن التبعية السياسية والاقتصادية. الصراع مستمر لإنجاز هذه المهمة التي تعادل استقلالاً ثانياً، هو الأهم والأكثر الحاحاً، لعدم تبديد انتصارات الشعب اللبناني في حلقات قاتلة من الأزمات الكيانية: السياسية والاقتصادية والبيئية والاجتماعية...
* كاتب وسياسي لبناني