النمطان المعيشي والفكري الصحيان يؤمنان لنا قدرة على الاستمرارية والمواجهة والفعل، فنمط التفكير مثلاً واكتساب العادات والبناء عليها أفكاراً لا تنتمي في كثير من الأحيان إلى أي فكر متجذّر ومشبع بالقيمة الأصيلة كبعض الطقوس والأعراف الدينية والاجتماعية التي تستبطن إمعاناً في العبودية التي ندعي التخلص منها كتأليه الأشخاص والتعصب الأعمى لحزب أو جماعة أو استسلام كالأنعام لكلام يسطّح وعينا ويخدّر عقولنا تحت هذا المنبر أو ذاك، والإقبال على هذا الفكر أو ذاك من دون تعقل وتدبر لهو خلاف الصحة في التفكير والعيش السويّ، بما يعني حتماً الجنوح نحو الموت والتصحر والسلب للإرادة والحضور المتعدد الجوانب للإنسان في ساحات المواكبة للغة الزمن وكدحه في الحياة بوتيرة متسارعة. وهو ما يفسر رتابة عيشنا وتجمد حركتنا ويباس حيويتنا في كثير من الميادين وبخاصة الروحية والأخلاقية والسياسية، واستسلامنا لخطاب غيبي نفسّر على أساسه كثيراً من أحداث الحياة لا علاقة له بها من قريب أو بعيد، وهذا ما حصل مع جماعات وشعوب اندثرت، لكننا لا نزال نحمل نفس روحيتها وذهنيتها البدائية المتوحشة.

ما نشهده اليوم من أفعال من تزايد للجريمة والقتل والسرقة والفساد والفتنة وتسليع الإنسان وتهميشه يدلّ على إقحام أنفسنا في عوالم معيشية وتفكيرية خاوية في كل شيء ومن سلوكيات تدل على استحكام الشهوات والنزوات والأنانيات وسيطرة المظاهر والشكليات على العادات وعلى توجيه وعي الناس، فبات فعلنا البشري تائهاً ومغيّباً وأضحى تأثيرنا في الأحداث فارغاً ينمّ عن نفسية مترهلة تبحث عن خلاص من خلال كومة انفعالات وسلوكيات مرضية لا أثر نفعياً لها في الواقع. وبالتالي، لم يعد لأي كلام عن حوار جدي وتفاعل وتواصل مع أنفسنا، فضلاً عن الآخر، ذي جدوى وفائدة لأننا لم نفهم ذواتنا والخلل فيها ولم ننهض للتصحيح والانطلاق خارج حدود الأنا ولم نشكل بالتالي وعينا الدقيق الذي يتركز على التحرر من أسر الإجابات الجاهزة دينياً وفكرياً وعقيدياً، فنحن لا نملك القدرة على إنتاج السؤال المتحرر من أسر الأجوبة الجاهزة والسائدة منذ زمن الرسل إلى اليوم، حيث كان هؤلاء الأنبياء والأولياء يعانون من عناد قومهم وتخلفهم، وبالتالي جرت محاولات حثيثة كي يبادر الناس إلى السؤال الجدي وإلى الاستنتاج وتحريك الفكر والخروج من التقليد والرتابة. السؤال المعرفي والاجتماعي يضعك أمام مسؤولياتك والتزامك بحرية الضمير، ويشهدك على ساحات الصراع بين الحق والباطل، وبالتالي يعطي لما تؤمن به من شعارات وعناوين فاضلة كل الحياة والفاعلية. وعندما يغيب السؤال الحر والإيمان بالذات والثقة بها ويصبح الناس كالورقة التي تتقاذفها الرياح، نرى الواقع يضج بحفلات تكفير وتخوين وتباغض وانقسام لا حد لها. فما نفع الحديث عن وحدة وتواصل ولا نزال نعيش بقوة حب السيطرة والتحكم بالآخر واستعباده بطريق أو بآخر، لا بل نتقن أحياناً استعباد أنفسنا ونريد التحكم بما هو خارج ذاتياتنا، وهنا تقع المصيبة. فبدل أن يتحول الخارج إلى ميدان لتجربتنا الإنسانية والاجتماعية العملية الفاعلة والمؤثرة إيجاباً، يصبح ميداناً للتسابق في ترجمة هذا الاستعباد الذي يستخف بكل شيء.
السؤال الذي يحقق إنسانية الإنسان ويشعره بوجوده الفعلي بمقدار تأكيده لفعله الذي يواجه من خلاله أبشع أشكال التمييز والعنصرية والفروقات الطبقية والتشتت والعزلة الاجتماعية حتى في المنطقة الواحدة أنه الفعل الذي يحاول النهوض بتجمع بشري تحكمه دولة ومواطنة شكلية لم تستحق بعد أن توضع في مجتمع تربطه قيم لها ترجمة في الحياة العملية؟!
ما دمنا نرضى بالتثاقل والخنوع ونبتعد عن الجرأة في السؤال المتحرر والتعرف إلى ما نريد، فلن نمتلك الوعي الكافي في اختيار الطريقة المثلى من أجل بناء وعي جمعي سوي ومواطنة إنسانية سليمة ننطلق عبرهما نحو التصحيح الجدي. وما دمنا محكومين إلى الغرائزية الحزبية والمناطقية والعائلية والتبعية لهذا وذاك من رجال دين وسياسة، لن نفلح بتوسل أسلوب تعبيري مفترض عن حقيقة القيم والأفكار التي تسمو بروح المجتمع وتجعله منفتحاً على دوره ومسؤولياته بما يرتفع به إلى مستوى التساؤل والنقد البناء وامتلاك روح التغيير والإصرار عليه كنوع من ممارسة الحرية التي تعكس فعلاً بشرياً تغييرياً ومتجدداً يبني ويعطي بلا أجندات وحسابات إرضاء لفلان أو لحزب أو للذات. فحرية بلا انتظام وسؤال واستنتاج يرفع مستوى البشر هي ضياع ودمار وانعكاس لفراغ كبير وخطير يهددنا، بل ما نريده حرية تدفع نحو قوة تدبيرية إنسانية تتقن إدارة الشؤون الخاصة والعامة. فعلى المستوى الخاص، هناك تدبير وتعديل لقوى النفس المنحرفة بحيث يتحكم الإنسان بهذا الجانب بما لا يؤثر سلباً على حركته ونمط تفكيره وسلوكه، وعلى المستوى العام عندما يدبر عالمه الذاتي يصبح مؤهلاً لمواجهة الشأن العام بما فيه من خلل، فيبادر إلى معالجته عن ثبات واستقامة ووعي لا معالجات سطحية لا تنفذ إلى العمق. فما نعانيه اليوم أزمة شخصية وأخلاق وروح مفقودة.
الفكر المستند إلى السؤال المتحرر المؤدي إلى الاستنتاج والإنتاج هو الأساس لإنضاج البعد القيمي والمعنوي عند الإنسان الفاعل والمؤثر. وعندما تجري عملية تفريغ لهذا الفكر وللروح وتخديرهما وتوجيههما وجهة قاصرة وأسرهما في عوالم من الجهل والتخلف والانحدار في الخطاب والمضمون، كما نسمع ونشاهد اليوم على كثير من القنوات الفضائية ومن على منابر كثيرة دينية وغير دينية، فإن مسلسل تغييب الفعل البشري مستمر وسط مآسٍ يومية نشهد عليها ووسط مشاكل اجتماعية وتفكك لا حدود له. بتنا نرى شكلاً ومظهراً في التمدن المادي يواكبه لغة دينية خشبية عند البعض تلهث وراء إشباع مخيال الناس وحشوه بخرافات كنوع من مناغاة البذخ والإسراف في كل شيء على حساب ما يفترض من ارتقاء بوعي الإنسان لمسائل وجوده وتربيته على مواكبته المسؤولة والفاعلة لحركة الحياة وقضاياها في كل تنوعاتها على أساس توليد الأفكار المنتجة والإبداع الخلاق.

السؤال المعرفي والاجتماعي يضعك أمام مسؤولياتك والتزامك بحرية الضمير


فالمطلوب نوع من العبادة العقلية التي نحتاج إليها بقوة عندما نبني وعينا شيئاً فشيئاً، ونقوم بالسؤال المتحرر واكتشاف أنفسنا وحاجاتنا وضبط لحظاتنا. هذه العبادة التي تحررنا من تقديس الأنا وتقديس كل شيء سوى الحقيقة وتفتح مداركنا على آفاق واسعة تليق بإنسان اليوم المدعي للعصرنة والانفتاح. فليس الانفتاح بتسليع الإنسان وتمييعه وغلبة المظهر الصاخب والفاقع عليه، إنما يكون بمستوى تحرره وسؤاله وتفكره وتحمله للمسؤولية، فيكون العابد بعقله المستنتج قبل أن يكون العابد المقلد الذي اعتاد ما عليه من شعائر وعبادات وممارسات. كم يا ترى من يمارسون العبادة العقلية ويرتقون بأنفسهم وبمن حولهم؟ العبادة العقلية من أرقى أنواع العبادت، فلقد وردت آيات التفكر والتعقل والتذكر والتدبر عشرات المرات في القرآن وفي الخبر عن رسول الله أنه قال: «يا علي، إذا تقرب الناس إلى خالقهم بأنواع البر فتقرب أنت إليه بأنواع العقل تسبقهم».
من جهة ثانية، فإننا نفتقد التخطيط في مؤسساتنا الخاصة والعامة للإفادة من الطاقات المتنوعة في سبيل تكامل الأدوار والمسؤوليات. للأسف، ترى التناحر وحس التآمر والزيف مستحكماً في كثير من المؤسسات وبين العلماء ورجال الدين أنفسهم، فما من أحد يكلف نفسه عناء تغليب روح التضامن والتآلف والتواصل، فالجميع يخاف من الجميع، والأنا تتحكم بالجميع، والشعور بالإلغاء والإقصاء سيد الجميع، والكل في سباق وراء مصالحه، وكأن التخطيط هو البعبع الذي يخاف منه الجميع، وكأنه يعريهم تماماً!
لقد سعى رجال دين وسياسة بذكاء إلى تأسيس جو عام ونمط من العلاقات والفضاءات يطلقون فيه صيحاتهم الواعظة، وعملياً يمارسون التنصل من كل مسؤولية وكأن ما يتلفظونه لا يعنيهم هم ومن حولهم من المتنفذين والوصوليين، فكما قال المخرج والكاتب الروسي أندريه تاركوفسكي: «إن نمط العلاقات الاجتماعية قد تشكّل بطريقة صار من الممكن للناس ألا يطلبوا شيئاً من أنفسهم، وأن يشعروا بأنهم معفيون من كل واجب أخلاقي، وأن على الآخرين فقط أن يؤدوا المهمة والواجب. صار بوسعهم دعوة الآخرين لأن يكونوا متواضعين وأن يضحوا بأنفسهم، وأن يقبلوا بتأدية دورهم في بناء المستقبل، بينما هم أنفسهم لا يشاركون في العملية ولا يقبلون تحمل أي مسؤولية شخصية بسبب ما يحدث في العالم».
وبالتالي الجميع يسهم في تكريس زمن التثبيط والتثاقل عن تحمل المسؤولية وتزكية ثقافة الفراغ والوقوف في وجه النماء الإنساني المطلوب لضبط إيقاع الواقع في كل تفاصيله، وبعد كل ذلك ترى من يستغرب لماذا حصلت مشكلة هنا أو هناك، ويبدأ بالصراخ وبضرورة المواجهة عن أية مواجهة يتحدثون وهم صناع التعقيدات وجزء من تفاقمها؟!
لقد أضحى التفلت من فريضة الدفاع عن الحقوق المشروعة للناس في اقتصادهم وأمنهم وسياستهم عند كثيرين لحساب التخاذل والانزواء شيئاً ملموساً في واقعنا في الوقت الذي ترفع فيه الأمة كثيراً من شعارات مقدسة هنا وهناك. هذه الشعارات التي إن لم تحق حقاً وتدفع باطلاً بشكل عملي وحقيقي فلن يكون لها أي تأثير وصلاحيتها ستفقد يوماً بعد يوم، فمن يتجرأ على قول ما قاله رسول الإسلام يوماً: «أفضل الجهاد كلمة عدل عند إمام جائر». وقوله: «لن تقدس أمة حتى يؤخذ للضعيف حقه من القوي غير متعتع». أيستطيع أحدٌ أن يصل مباشرة إلى زعيم أو مسؤول أو ملك أصلاً ولقائه وجهاً لوجه في مجتمعاتنا؟!
ومن يا ترى يأخذ للمظلوم والضعيف حقهما حتى نصل إلى مرتبة تقديس الحق لا غير، وهل تلكأ كثيراً المتصدون للدفاع عن الحقوق؟ وهل هم فعلاً في طور سماع الصرخات من المستضعفين والمقهورين والمسحوقين في مجتمع مليء بالعناوين والشعارات المدافعة عن الحقوق الفارغة من كل فعل؟ وهل من هو أهل للتصدي لهذه المهمة المقدسة؟
لقد شبع الناس من التغني بالدفاع عن حقوقهم وبخدمتهم وكأن البعض يمنّنهم. لقد سأم الناس الوعود والكلام في الهواء عندما يتبجح به فلان السياسي أو فلان الحزبي في المناسبات والخطب المعسولة وبالصراخ العالي، حتى لكأنك تشعر أن الحل ينتظرك خارج الباب عندما تقوم من مجلسك.
إن من أهم أبواب الإصلاح مكافحة الفساد والمفسدين وهو أصل ومرتكز أساسي لا بد منه تقوم عليه الديانات السماوية وكل الشعائر الدينية، وقد تمثل هذا الأصل بفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بما يمثل ذلك من حالة ثورية مستمرة وحالة متابعة ومحاسبة دائمتين من أجل تصحيح الخلل وتصويب الاعوجاج، ولكن من يقوم بهذه الفريضة يا ترى؟ أبتنا بحاجة إلى ملائكة لتقيم ذلك بعدما عجز أبناء البشر عن فهم دينهم وممارسة أبسط أخلاقياتهم الإنسانية فصارت الفوضى سيدة حياتهم إذ خسروا قدرتهم على التحكم بما تجنيه أيديهم. فالناس في وضع غليان ونقمة ولم تعد المهدئات والمسكنات الموضعية وسياسة امتصاص التذمر تنفع، فالفقر المستشري في مجتمعاتنا قد جعل الفرد كافراً بكل شيء من حوله. فالفقر كما قال هتلر: «هو أحد أضلاع المثلث الشهير الذي يضم معه المرض والجهل فإذا تجلى هذا المثلث الثلاثي الأضلاع في مكان ما تأكد أن الشعب - أي شعب - مهما كانت حضارته وعراقته سوف يكفر بالدولة وآلياتها ونظامها ولسوف تنتحر القيم الوطنية داخل كل إنسان». فكم من شباب قد كفر بما يحصل بوطنه وأصبح الحلم بالهجرة وسواساً يراوده باستمرار وعند سنوح أول فرصة؟!
في الوقت ذاته نرى من يختزن قيماً وثقافة ولا يمتلك جرأة وشجاعة في الموقف ولا مبادرة للتأثير بمجريات الأحداث يكتفي بالزعاق والنقد وعندما يتطلب الأمر منه موقفاً جاداً تراه يعود إلى حساباته الخاصة. وهذا ما نلمسه عند كثيرين من ساسة ورجال دين يتقنون التلون والتخندق ساعة مع هذا الشعار وساعة أخرى يجدون حساباتهم مع حزب أو شخص أو شعار في ميل آخر، وهؤلاء هم من الفئات الخطرة على المجتمع وتطبعه بطابع النفاق والزيف بما يخالف ما هو مطلوب من وعي وثبات على الحق.
من الخطأ الجسيم التعوّد على أن الأمان والطمأنينة لا يجلبهما غير الركون إلى الشكل والمظهر والخداع والمكر كطريق أوحد للوصول إلى ثروة وسيطرة مزعومتين. فكل ذلك محبط للمرء عندما يصطدم بأدنى تجربة واقعية تفقده توازنه لأن ما يثبت المرء في المواجهة الركون إلى مضمون وقيمة أصيلة يتحسس من خلالها عظمة سلطته على نفسه وحسن تدبيره لعوالمه الخاصة والعامة ونهضته في الانفتاح على الإنتاج الفكري والمعنوي الذي يحاكي أصالته وهويته ويبعده عن الرتابة والاجترار في القول والفعل والتأثر.
مسلسل الفوضى في كل شيء هو انعكاس طبيعي في كل وقت وعند كل أمة تبتعد عن مركز الفطرة الصافية الباعثة للنهضة من كل غفلة قاتلة تليق بفعل بشري قيمي أصيل. فالدين والسياسة ليسا سوى ممارسة جادة ونضال دائم وانخراط أبدي في إدارة المحسوس الدنيوي كما المعنوي والقيمي لإحداث العقلنة المطلوبة في ذات الإنسان وحاكميتها على الوجود، وبالتالي مواجهتها لكل أشكال التبعية والاستعمار والاستكبار حيث يتفنن هذه الاستكبار الأمني والسياسي والإعلامي والاقتصادي في نهب ثروات الشعوب ومصادرة قرارتها والتلاعب بمصيرها وحياتها. لقد فهم الاستعمار والاستكبار تفريغ التناغم بين الذات الشرقية والآسيوية وبين لغة الفطرة الصافية ولغة السماء المتمثلة بالوحي الذي يتناول كل شؤون الحياة العملية. فلم يكن الوحي إلا محاولة لصهر التاريخ البشري ضمن لغة السماء والعلو من أجل تنظيم اللحظات الإنسانية في تناغمها مع كل ما يستجد عليها. ولم يكن الحاكم أو السياسي غير نموذج أعلى يربط بين شؤون الحياة وبين ضبط حركة الواقع على أساس العدل والحق. وللأسف فإن نموذجي السياسي العادل والحكيم والديني الأصيل والمتسامي مغيبان عن واقعنا، بل ما نلمسه زعامات وهمية هنا وهناك لا تزال تمارس تسلطاً وعنجهية واستعلاء وبعداً أكبر وأشد عن حسابات الحق والحقيقة وركوناً لحسابات ضيقة تزيد القوي والمتغطرس قوة والضعيف والمحروم حرماناً وتقهقراً، وكأن الجهوية والزعامات خدم لمشاريع الاستعمار الجديد بشكل أو بآخر.
إن الزعامة الحقيقية إن صح التعبير تكون عندما يستفيق كل مسؤول ويتحسس مسؤوليته ويتعرف إليها ويتلمس طريقاً مباشراً وواضحاً لإدراك مصلحة الناس قبل مصالحه ويبادر إلى ممارسة دوره من دون أن ينتظر مكافأة أو نصيباً موفوراً معنوياً أو مادياً. لقد سقطت الزعامات التي تتوسل الحق نبراساً ومنهجاً عندما غاب رجالاتها الحقيقيون الذين لا يبحثون عن ذواتهم بقدر ما يبحثون عن كيفية لنهضة وعي جمعي يربط بين الدنيا في صلاح أمرها وبين مصير قد رُكن إليه بفهم وممارسة حية وقصد واع.
ولا يمكن نظم الحال ولملمة الأوضاع ونحن في غياب تام عن حس المراقبة والمحاسبة والمراجعة لما نحن فيه وما يجب أن نكون عليه. فإذا سقط كل ذلك من حساباتنا كأفراد ومجموعات وأحزاب وجهات فلن نستطيع وضع أرجلنا على أول سكة السلامة. فما لم نعتد على هذا الشعور ونبدأ بممارسته سنبقى في دوامة لا نهاية لها وسيبقى استنزاف واقعنا مستمراً فحتى الرحمة أضحت بضاعة مفقودة قد سلخت من كثير من النفوس التي أفقدتها الدنيا بمظاهرها قدرتها على السيطرة على نهمها الجنوني.
أيها القيمون على شؤون الناس ألم يحن الوقت بعد حتى تستفيقوا من الغفلة وترحموا واقعاً لطالما حلم ويحلم باستقرار مفقود لقد كفى الناس أن يكونوا مجرد أرقام في حسابات فلان وجهة وجنوداً أماميين لفورات رجال الطوائف ومتاريس المذاهب. إنهم يأملون أن يستيقظوا على يوم يخرجهم مسؤولوهم من حالة انعدام الوزن إلى وضع أرجلهم على سكة الوعي لما يجب أن يكونوا عليه من أوضاع مريحة، وهذا بعيد المنال لأن من الأحزاب والجهات والعائلات من لا يزال يعيش ذهنية الإقطاع والاستغلال والمتاجرة بعقول الناس ويخاف أن يفتح لها نافذة للتنفس الحر حتى لا يخسر زعامته التي بناها على حسابهم وحساب أمانهم وغذائهم الفكري السليم. وما نشاهده من أوضاع مزرية في لبنان والعراق والمنطقة العربية والإسلامية لخير شاهد.
ما لم يعش الزعيم إنسانيته قبل تحسس زعامته التسلطية وما لم يعش رجل الدين والمثقف الرسالية والإخلاص والمهنية العالية، وما لم يبادر الإنسان العادي إلى التعلم ووعي حاجاته والجرأة في السؤال والمطالبة فلن يتغير شيء، لأن ما لم نغيّر ما بدواخلنا فلن ينعكس شيء في عالمنا الخارجي الذي سيبقى ينزف ويعزف على إيقاع تقسيم المقسم وتشتيت الجهود وهدر الطاقات.
إن البقاء في دائرة مفرغة والاشتغال في الفعل ورد الفعل يبعدنا عن أية فرصة لا بد منها للتصويب. هذه الفرصة التي لا مناص عن صناعتها وحملها ومحاولة خلقها، وإن تقاطرت الظروف على خنقها في المهد. إننا نريد نباهة اجتماعية ذات أهمية كبرى من الجميع كما قال شريعتي يوماً كي نعرف أين نحن؟ وفي أي وضع نسير وما علينا فعله وتداركه. ونريد قادة وشخصيات اجتماعية وفكرية وثقافية ثورية ونهضوية تؤسس لنباهة اجتماعية عالية تتحسس عظيم الخطر الذي وقعنا فيه حتى نسارع للنهوض من جديد وخلق أجواء صحية لا مهرب منها تعيد لنا شيئاً من تاريخ مضيء وكرامة تعبر بنا إلى دنيا تليق بإنسانها.
* أكاديمي وحوزوي