مئة عام وعام مرّت على ثورة أكتوبر الاشتراكية العظمى، ومئة عام وعام مرّت على وعد بلفور المشؤوم. هذا التزامن بين الحدثين ليس مصادفةً، وما تلاهما أيضاً ليس منفصلاً. حدثان طبعا بطابعهما قرناً من الزمن لم تنته مفاعيله ونتائجه بعد. لقد سبقتهما حرب، يُقال عنها «كبرى»، نظراً إلى حجم القوى التي تشاركت في إشعالها وتداعياتها على البشرية من تدمير وقتل وتهجير... ولكي لا نقع في فخ التاريخ، الذي يُكتب مرتكزاً على «الأسطرة» والحكايات المتوارثة، سواء من منتصرين أو مهزومين، سنحاول مقاربة الموضوع من خلال بعض ظواهره المُؤسِسة لأحداث طغت، بدورها، على المسرح العالمي قرناً من الزمن.

من دون شك، إن عملية اغتيال ولي عهد النمسا كانت الشرارة التي فجّرت برميل البارود المُحضّر والمُعدّ له، سواء بتخطيط معيّن أو لظروف موضوعية؛ هي مرحلة، كانت قد وصلت فيها الثورة الصناعية الأوروبية إلى مأزق تصريف فائض الإنتاج، ما استلزم التفتيش عن فتح أسواق جديدة. هي مرحلة انتقال الرأسمالية، من نظام سياسي اقتصادي قائم على آليات، جزء منها محلي، إلى مرحلة الإمبريالية القائمة على التوسع والهيمنة والاستعمار، وما يفرض ذلك من آليات وسلوكيات وموازين قوى مختلفة.
هي فترة تبدّل طبيعة بعض الدول القائمة ووظيفتها، ونشوء أمم جديدة، خرجت من عباءة الاستعمار القديم؛ هي بداية صعود «الإمبراطورية القاتلة»، الولايات المتحدة الأميركية، المستعمَرَة السابقة، لتشارك مُستَعمرِيها الأوروبيين، أجدادها، في الهيمنة على أسواق العالم ودوله وشعوبه وخيراته. هي أوان دفن الرجل المريض، السلطنة العثمانية، وريثة الخلافة الإسلامية، بعد مسار تفككها إلى كيانات صغيرة، والذي كان قد بدأ قبل ذلك، نتيجة ممارسات غالت في القسوة والقتل والتنكيل، مع بروز بعض الحركات المناهضة، قومية كانت أو قطرية.
هي فترة تصفية دول أوروبية عديدة لمصلحة من يمتلك بعض التطور والإمكانيات. هي فترة كسر الأحلام الروسية في الخروج من صقيع البحار الداخلية إلى رحاب المياه الدافئة. هي فترة العمل على خلق الذرائع والأدوات وبناء «عدة الشغل» المطلوبة. وهي، من دون شك، مرحلة التحوّل من عالم كانت تسوده مراكز قوى، تتوزع ما بين دول مهيمنة وأخرى بوظائف مساعدة، أو تلعب كبدل من ضائع، إلى مصلحة وسيادة نهج أكثر عدوانية وشراسة وإن بحلّة مُحدثة كالانتداب مثلاً.
بين حدّي ذينك التاريخين، وفي معمعة تبدّلات تلك «الحرب الكونية» كانت صورة الآتي من الأحداث تتبلور، لترسم ملامح المرحلة القادمة ومساراتها. فالحرب وويلاتها وخرابها ووقودها واستهدافاتها، استنزفت الكثير من الإمكانيات البشرية والمادية. لقد أحرقت أخضر الأرض ويابسها وأودت بحياة الملايين، ودمّرت إمكانيات اقتصادية وعمرانية هائلة. وعلى أرضية تلك التحولات وفي المجالات كافة، وتوازياً مع ذلك الكمّ من الإجرام المتبادل، كانت ثمة غرفتان، في مكانين متباعدين، تشهدان على ولادتين لنهجين مختلفين ومتناقضين.
لقد كان بلفور يَعِدُ بما ليس له، وكان لينين يُخطط ومن معه لاسترداد ما هو لهم. تباعد المكان، وتناقض الأهداف، وهمجية ما كان يجري في الخارج على مسارح الحروب من إجرام وتقتيل، كانت قد حددت وُجهة كل غرفة: فالأولى كانت تنضح بما تختزنه بئر التآمر من موبقات تُرتكب باسم المصالح وعلى حساب الشعوب ومستقبلها، وفي الثانية كانت أنوار الثورة تُوقِدُ مشاعلها للتخلص من نير الاستعمار والفقر والأمية والتبعية. لقد كانت ثورة البلاشفة تخطط لإطاحة حكم الطغمة والاستبداد، وتُشيع أنوار أفكار ماركس وإنجلز، وتصدّرها كرسالة واضحة إلى كل عمال العالم والشعوب المضطهدة، بأن يتّحدوا لبناء دولة العمال والفلاحين، على أنقاض نظم «الرذالة» والفساد والقمع والاضطهاد. كانت صرخة «هورا» تصدح من القطب الشمالي إلى القطب الجنوبي، فيتردد صداها في كل العالم، الذي هزته بقوة «عشرة أيام».
خطوتان انطلقتا متوازيتين لا يمكن أن تلتقيا أبداً. فمسار التناقض ذلك فرض نفسه على مآلات الأمور وأهدافها. لقد أيقظ وعد بلفور «نمروداً» من غيبته وأخرجه من «حبس» التاريخ، ليعيث فساداً وإجراماً، لقاء حفنة من أموال كانت «الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس» بحاجة إليها، في حروبها الاستعمارية، سواء كانت الكبرى أو ما كان يدور في عدة بقاع من العالم. لقد وعدهم بما ليس مالكه، واستباح، وعن سابق تصور وتصميم وتخطيط، أرضاً وشعباً، وهجّرهم وشتّتهم إلى بقاع الأرض، ليستقدم شتات «التاريخ المزعوم» تنفيذاً لوعدٍ مفتعل ومفبرك، استند إلى موروث غيبي مشكوك فيه أصلاً، من دوائر مال وسلطة وتآمر، بدأ منذ أن بدأت إرهاصات أزمات «الرأسماليات الأوروبية» تطل برأسها، ما أوجد تلك الخلطة الدنيئة، بين جشع السلطة وطمعها وبين الرأسمال المالي المتمركز بين أياد سلبته، بدورها، من جيوب الفقراء وعامة الناس.
لقد أسّست هذه «الثنائية القذرة» لذلك المسار الذي امتد من بداية ذلك القرن، المصبوغ بويلات ما كانت قد أقرّته تلك الغرفة السوداء التي وعد فيها ذلك «الأفّاق» هؤلاء المرابين، مرتكزاً على غرفة أكبر جمعتهم بشريكهم في تلك الجريمة، ليتفقا على تقسيم بلاد، كانت قبلاً أمة واحدة، وإن تناقلتها رايات عديدة وشابها العديد من الأخطاء والتآمر والتدخلات.
وهي لم تستطع، مع ذلك، وضع حدود جغرافية واضحة وثابته بين مكوناتها، لكن، وبكل تأكيد، كان هناك العديد من الحدود النفسية والمعنوية، نتيجة لتصرفات وجشع وطمع وأنانية وقصور... كل من حمل راية تلك الأمة منذ مئات السنين حتى انهيارها.
لكن سايكس وشريكه بيكو، استطاعا، وبشحطة أقلام ملونة على خرائط، وبغفلة مغضوض النظر عنها، من رسم «حدود التقسيم» لمكونات تلك الأمة، ووضعا «المرض القاتل» في قلبها، لقاء حفنة من أموال قذرة، ثم توزعاها مناطق لنفوذهما السياسي والاقتصادي ولحل مشاكلهما ومشاكل بلدانهما التي خاضت سنوات أربعاً من الحروب والقتل والتدمير، بهدف التعويض، ولو معنوياً.
إنها بداية مسار سياسي طويل الأمد، ارتكز على اكتشافات نفطية أزكمت أنوف حكام الغرب وضربت «شرش» الحياء، المفقود أصلاً، في رأسهم. مسارٌ طُبع ببصمات واضحة واتجاه محدد، حاولوا الاستفادة من انتصارهم فيه، أي بين دول استعمارية، أكل بعضها بعضاً بجريرة مصالحها؛ ألغت دولاً وفكّكت أخرى وحجرت على المهزومين، ولكن مع بروز مستجد قادم من وراء بحر الظلمات، هي إمبريالية مستجدة بقوة على المسرح الدولي، هي «إمبراطورية الشر»، الآتية، إلى جانب الإمبرياليتين الأوروبيتين، مرتكزة على إرثين أساسيين؛ الأول هو أصولها الأوروبية، وهذا يُؤشر إلى التوارث الجيني للنَفَس الاستعماري، والثاني هو دماء الهنود الحمر، السكان الأصليين، الذين أمعنوا فيهم تقتيلاً وتنكيلاً وحرقاً إلى حدّ الإبادة، ليبنوا «إمبراطوريتهم الجشعة» على أنقاض أكواخهم الفقيرة وأرضهم المحروقة.
نعم لقد طبعت مخرجات تلك الغرفة، معطوفة على الأحداث الكبرى المرافقة، بطابعها، مسيرة ما يقارب مئة عام من الانقسام والحروب، طالت العديد من الشعوب وشارك فيها الكثير من الدول والقضايا. لقد قامت دول وانهارت أخرى، لقد نشبت حرب كبرى مرة ثانية وكانت أكثر هولاً وعظمة من سابقتها، تغيرت موازين قوى وتبدلت قيادة العالم، بانت أكثر حقيقة كل طرف من دون مواربة، وبانت نتائج كل ما دُبّر في ليل غابر الأيام. لقد نما زرع بلفور وقويت شوكته واستبدل عباءته بأخرى أكثر دفئاً وسخاءً، يقوم بوظيفته على أكمل وجه.
في المقابل، لقد صدحت صرخات المنتفضين، الذين اقتحموا قصور الحكم، منادين بأن كل السلطة للشعب، ليتردد صداها في أربع جهات الأرض، فأصبحت «الإيسكرا»، تلك الشرارة الحمراء، أيقونة الشعوب التواقة إلى الاستقلال. فأزهر ربيع العمال والفلاحين والعدالة الاجتماعية، وأزهرت جراح وعذابات المقهورين علماً وخبزاً وحريةً. لفّت الكرة الأرضية منادية بالتحرّر الوطني والعيش بكرامة... وهج مس بلهيبه كل مظلوم، ليمتشق سيفَ كسرِ أغلاله وينطلق إلى فضاء خالٍ من أوبئة الرأسمالية وفساد رأس المال... وعلى تلك الأرضية، سار ذلك الركب متناقضاً ومتعارضاً مع مخرجات الغرفة السابقة، ومؤسِساً لبديل ندّ استمر مرحلةً طويلة من الزمن.
هما مساران متناقضان وإن جمعهما ميلاد متقارب. هما مساران محددان لنمطين من الصراع، واحد مُستعمر وجشع وقاتل يمشي مع الظالم ويحميه، ينهب خيرات الناس وأموالهم، يستبد يحتل يُهجّر... وآخر نقيض له في كل شيء. مساران لا يلتقيان، وإن التقيا، فسيكون في ساحات المواجهة، وعلى ذلك التناقض ولدت آمال الشعوب، وبين مخرجاته نمت حركات التحرر الوطني، مناضلة من أجل الحرية والتحرير، ومن أجل التغيير والعدالة الاجتماعية. هي مساحة في الجغرافيا ممتدة في الزمن، نمت عليها ورود الأمل على نور الشمس الساطعة حيث خفت الظلام مفسحاً المجال، مرغماً، أمام ضوء الفجر.
وعلى وهج «الإيسكرا»، وعلى رفض بلفور ووعوده، انطلقت المسيرة، كتعبير عن نضج الحالة الثورية، هذه الحالة التي امتدت جذورها عميقاً في قلب القضايا، مع ثورات الفلاحين، ونضالات العمال، وانتفاضات الشعوب في وجه الاستبداد، ومن أجل تحقيق الاستقلال والتحرر الوطني والاجتماعي، وعلى طريق بناء الاشتراكية. هي مئة عام وعام مرّت على الحدثين، والأحداث تدور بين «الفسطاطين» وحولهما، وستبقى كذلك. هي مسألة طبيعية أن يلتقي الجمع المتجانس على مائدة واحدة، وبغض النظر عن المدعوين، من هم، وما هي طبيعتهم. لكن من غير الطبيعي أن يتمادى أصحاب موائد اللئام في غيّهم، ليصبحوا، وفي غفلة من التاريخ، أسياد العالم، وهذا أمر معاكس لمنطق التاريخ، يستوجب تصحيحاً، لأن عجلة التاريخ لا تقف عند أول مطبّ، صناعياً كان أو طبيعياً. هو التاريخ، صاحب المسار اللولبي صعوداً لن يقف ليسجل انتصار الخطأ على الصواب، بل ليعيد رسم المسار المنطقي الذي اختُطف بغفلة، وتحت جنح الظلام.
* عضو مكتب سياسي ومسؤول العلاقات السياسية في الحزب الشيوعي اللبناني