إسطنبول | وصف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، بعد لقائه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، علاقات بلاده بالولايات المتحدة الأميركية بـ«التحالف الاستراتيجي»، فيما قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بعد لقائه أردوغان إن تركيا «دولة صديقة موثوق بها». بوتين الذي اعتبر أنبوب الغاز بين روسيا وتركيا «إثباتاً واضحاً على استقلالية السياسة الخارجية التركية»، لم يمنع أردوغان من الحديث مع ترامب عن الوضع في إدلب ومنبج والشمال السوري عموماً، وهي قضايا من اهتمامات بوتين وأردوغان والرئيس الإيراني حسن روحاني، قبل ترامب الذي سيستضيف اليوم في واشنطن ممثلين عن مصر والسعودية وألمانيا وفرنسا وبريطانيا والأردن لبحث الوضع في سوريا. واكتسبت أقوال بوتين عن تركيا وحديث أردوغان عن التحالف الاستراتيجي مع واشنطن أهمية إضافية لتوقيتها بالتزامن مع المعلومات التي تتحدث عن ضغوط أميركية على أنقرة لإقناعها أو إجبارها على إلغاء صفقة صواريخ «أس 400» الروسية، كما سبق لها أن ألغت عام 2015، وتحت ضغوط مماثلة، صفقة الصواريخ الصينية «HQ9». وتحدثت المعلومات أيضاً عن مساعي الكونغرس الأميركي لإلغاء أو تأخير تسليم تركيا طائرات «أف 35» الأميركية (لا تملكها الآن سوى إسرائيل)، علماً أن تركيا مساهمة في تصنيع هذه الطائرات. وتقول مصادر الكونغرس إن أميركا لا يمكن لها أن تقبل بصفقة «أس 400» الروسية، باعتبار أن تركيا عضو في حلف «شمال الأطلسي»، وهذه الصواريخ تتناقض مع أنظمة التسليح الأطلسية. كما يهدد الكونغرس، بتحريض من اللوبي اليهودي، بإلغاء العديد من الاتفاقيات المحتملة لتطوير وتحديث وبيع تركيا طائرات «أف 16» ومروحيات «سيكورسكي» وصواريخ «باتريوت». ويدفع الموقف الأميركي هذا أنقرة للاستعجال في تنفيذ مشاريع عملية لتطوير الصناعات العسكرية التركية، بما في ذلك الطائرات المقاتلة والمروحيات والدبابات والمدرعات والطائرات المسيّرة التي يتم تصنيعها في تركيا من قبل شركة يملكها سلجوق بايراقدار، الصهر الثاني للرئيس أردوغان.

يعرف الجميع أن للفتور والتوتر بين أنقرة وواشنطن العديد من الأسباب، من بينها الداعية فتح الله غولن المقيم في الولايات المتحدة، وعلاقة تركيا مع إيران، واستمرار الدعم الأميركي لوحدات الحماية الكردية شرق الفرات، وهو الدعم الذي قال عنه أردوغان: «إن ذلك لا يليق بدولة حليفة كأميركا». ذلك في الوقت الذي لا تجد المعارضة أي تفسير لعدم إغلاق القواعد الأميركية ــ الأطلسية الموجودة في تركيا، وعددها عشر قواعد، أهمها قاعدة «إنجرليك» القريبة من الحدود مع سوريا والعراق، وقاعدة «مالاطيا» التي تتجسس وتتنصت على كل التحركات والاتصالات العسكرية في إيران وسوريا والعراق وجنوب روسيا. يرى الإعلام المعارض في كل هذه المعطيات تناقضاً بارزاً في سياسات الرئيس أردوغان الذي تحالف مع الدول الغربية، في مقدمها أميركا، ومعها الدول الخليجية في سوريا، ثم اضطر للتقارب مع روسيا وإيران لحل الأزمة السورية، بعد أن أصبح طرفاً مباشراً فيها، حيث تخلت عنه الدول الغربية ومعها السعودية والبحرين والإمارات ومصر التي تحولت إلى دول معادية بعد أن كانت إيران «العدو الطائفي الفارسي» كما كانت روسيا العدو الأكبر «الذي لولاه لسقط النظام في سوريا»، على حد قول المسؤولين الأتراك. يفسّر ذلك التوتر الخطير بين أنقرة وموسكو بعد إسقاط الطائرة الروسية في 24 تشرين الثاني/ نوفمبر 2015، حين دفعت كل تلك التطورات أردوغان في 27 حزيران/ يونيو 2016 للاعتذار من بوتين بما يتعلق بإسقاط الطائرة الروسية، ليكون هذا الاعتذار كافياً لفتح صفحة جديدة في العلاقات الثنائية بعد القمة الأولى في 9 آب/ أغسطس 2016. وسمح بوتين، بعد هذه القمة بأسبوعين، بدخول القوات التركية إلى جرابلس في 24 آب/ أغسطس (وهو الذكرى الـ 500 لدخول السلطان سليم إلى مرج دابق عام 1516). كان هذا اللقاء بداية لمرحلة جديدة في العلاقات الروسية التركية ببعديها الثنائي والإقليمي. فقد عاد السياح الروس إلى تركيا (حوالى خمسة ملايين سائح سنوياً)، كما عادت المنتجات الزراعية التركية إلى الأسواق الروسية. ثم عادت الشركات التركية إلى نشاطها العادي في روسيا، وهي نفّذت وتنفّذ منذ عام 1990مشاريع إنشائية زاد حجمها على 50 مليار دولار، مقابل 35 مليار دولار لحجم التبادل التجاري السنوي بين الدولتين. ودشّن الرئيسان بوتين وأردوغان في الـ19 من الشهر الماضي بتدشين القسم البحري لأنبوب الغاز الروسي الذي سينقل سنوياً 32 مليار متر مكعب من الغاز من روسيا إلى تركيا ومنها إلى أوروبا. وتستورد تركيا نحو 56 في المئة من حاجتها من الغاز من روسيا ونحو 12 في المئة من إيران. وجاء قرار أردوغان بشراء صواريخ «أس 400» من روسيا ليثير الكثير من التساؤلات في ما يتعلق بتناقضات السياسة التركية، لأن تركيا دولة أطلسية ونظام التسليح فيها أميركي ــ أطلسي، ومن ثم ضد من ستستخدم تركيا هذه الصواريخ؟ فقد تحولت إيران «العدو التقليدي» إلى صديق في إطار الحوار الروسي التركي الإيراني من أجل الحل السياسي للأزمة السورية عبر أستانا وسوتشي، على رغم تشكيك البعض بأهداف الرئيس أردوغان ومخططاته ومشاريعه في سوريا.

يسعى بوتين عبر خطة ذكية لكسب أنقرة وإخراجها من الحلبة الغربية


وتتحدث المعلومات باستمرار عن مساعي أنقرة لـ«تتريك» الشمال السوري غرب الفرات، حيث تتواجد القوات التركية مع ما لا يقل عن 50 ألف عنصر من الفصائل الإسلامية المختلفة، البعض منها تركمانية تم تنظيمها من قبل الجيش التركي مباشرة. وكان قادة هذه الفصائل قد التقوا في الـ 19 من الشهر الماضي في مدينة الراعي غرب جرابلس مع قيادات العشائر التركمانية، وأعلن المجتمعون عن اختيار علم وطني للتركمان وتشكيل مجلس تركماني سيتحمل مسؤولية إدارة المناطق التركمانية غرب الفرات، كما تدير المجالس الكردية أمور مناطق شرق الفرات. وتستبعد المعلومات أي مواجهة، بل حتى توتر، مع «النصرة» وأمثالها، باعتبار أنها مجموعات إسلامية لا ولن يفكر أردوغان بمعاداتها طالما أنه يقول إنه زعيم الأمة الإسلامية والمسلمين، أي الإسلاميين في سوريا والعالم أجمع. فكل قيادات «الإخوان» الهاربة من بلدانها موجودة في إسطنبول مع العشرات من وسائل الإعلام الموالية لهم. تدفع هذه المعطيات المتناقضة العديد من الديبلوماسيين لطرح العديد من التساؤلات عن الموقف المحتمل للرئيس بوتين مع استمرار الرفض أو التأخر التركي في تطبيق اتفاق سوتشي في ما يتعلق بإدلب، وبالتالي الاستمرار في مساعي أردوغان لتتريك الشمال السوري وكسب ود وتضامن ودعم السوريين المقيمين في تركيا لأي مشروع تركي مستقبلي خاص بالشمال السوري أو سوريا عموماً. هذا في حال خروج القوات التركية من الشمال السوري، وهو ما تستبعده بعض الأوساط العسكرية التي تقول إنه حتى إن خرجت هذه القوات ــ وهو ما تسعى وستسعى أنقرة لتأخيره ــ فإن السلطات التركية ستترك خلفها من يمثلها في الداخل السوري من عناصر الفصائل المختلفة والمدنيين الذين وظفتهم تركيا خلال الفترة الماضية، وهذا ما تتحدث عنه كل المعلومات الواردة من مناطق وجود القوات التركية. وذلك من دون أن يكون واضحاً بعد الموقف المحتمل للرئيس بوتين الذي لا يدري أحد كم الأوراق التي يملكها في مساوماته مع الرئيس أردوغان، ليس فقط في ما يخص إخراج الجيش التركي من سوريا، بل أيضاً لإبعاد تركيا عن حليفتها الاستراتيجية واشنطن. وسينعكس ذلك على علاقات روسيا الاقتصادية الحالية والمستقبلية مع تركيا التي تبني أول مفاعل نووي بالاتفاق مع روسيا، وهو بقيمة 22 مليار دولار. ويتساءل البعض في ما إذا ستكون سوريا ورقة للمساومة بين أردوغان وبوتين الذي يسعى لضم تركيا إلى «منظمة شانغهاي» ومجموعة «البريكس»، ليساهم ذلك في كسب أنقرة إلى جانبه ضمن خطة روسية ذكية تساهم في إخراج تركيا من الحلبة الأميركية الغربية التي كانت كافية لرهن إرادتها السياسية والعسكرية بانعكاسات ذلك على مجمل السياسات التركية، الداخلية منها والخارجية، منذ عام 1946، ومن ثم انضمام تركيا لحلف «شمال الأطلسي» ومن بعده حلف بغداد، والاعتراف بإسرائيل. وعلاقات أنقرة بإسرائيل، هي الأخرى، شهدت أخيراً سلسلة من التناقضات الغريبة، فقد هدد وتوعد الرئيس أردوغان إسرائيل في كل مناسبة، إلا أنه عاد وأرسل إليها إشارات ودية عبر لقاءاته مع قيادات اللوبي اليهودي في أميركا. كما أمر بإسقاط الدعاوى المقامة ضد الضباط الإسرائيليين في المحاكم التركية، بعد أن تبرعت تل أبيب بعشرين مليون دولار لضحايا سفينة مرمرة التي هاجمها الجيش الإسرائيلي وهي في طريقها إلى غزة نهاية أيار/ مايو 2010. وسبق هذا العدوان بعدة أيام قرار الحكومة التركية يوم 10 أيار/ مايو 2010 بعدم استخدام حق الفيتو ضد انضمام إسرائيل لمنظمة «التعاون والتنمية العالمية» (OECD)، ولحق بذلك في 5 أيار/ مايو 2016 قرار تركي آخر بعدم الاعتراض على فتح ممثلية إسرائيلية عسكرية في مقر «الأطلسي» في بروكسيل، وهو ما اعتبرته أوساط المعارضة محاولات أردوغانية للحفاظ على علاقاته مع إسرائيل التي لم تنقطع علاقاتها الاقتصادية والتجارية مع تركيا أبداً.
ويبقى الرهان دائماً على التناقضات المحتملة لمواقف الرئيس أردوغان الذي يعرف الجميع أنه لا ولن يتخلى عن مشروعه السياسي والعقائدي الذي يهدف إلى أسلمة الأمة والدولة التركية بكل مؤسساتها العسكرية والأمنية والقضائية، ليكون هو حاكمها المطلق من دون أي معارضة ومهما كانت، لأنه لا يريد ولن يسمح بعد الآن لأحد أن يعرقل تنفيذ مخططاته ومشاريعه الداخلية. وهي مشاريع نتاج أو امتداد لسياساته الخارجية وخصوصاً الإقليمية، طالما هو يتحدث بين الحين والآخر عن أحلام الخلافة والسلطنة العثمانية التي تحمل في طياتها العديد من الحسابات التاريخية، وجميعها مع روسيا وإيران والمنطقة العربية، وبالذات سوريا والعراق اللذين كانا ضمن حدود الدولة العثمانية حتى عام 1918. ويراهن البعض على مدى استعداد الرئيس أردوغان للتراجع عن كل ما قام ويقوم به في سوريا والمنطقة، وبالتالي لتغيير صفحات التاريخ التركي الذي تحدث دائماً عن عداء روسيا السوفياتية والإمبراطورية لتركيا العثمانية والجمهورية التي كانت ولا تزال خندق الدفاع الأول عن «الأطلسي». ويراهن آخرون على احتمالات التخلي عن الفكر التركي العقائدي، العثماني منه والجمهوري، الذي كان يرى في إيران «الفارسية الشيعية» الخطر الأكبر بعد أن أفشلت طهران المشروع التركي في سوريا، ومن خلالها في الربيع العربي الذي أراد له أردوغان أن يساعده على إحياء ذكريات الخلافة العثمانية من خلال استضافة إسطنبول أسبوعياً لفعاليات إسلامية إقليمية ودولية يشترك فيها المئات من الإسلاميين من مختلف أنحاء العالم. ويبقى الرهان على قوة كل من بوتين وترامب وما يملكه كل منهما للتأثير في الرئيس أردوغان الذي أثبت طيلة 16 عاماً من حكمه أنه ليس سهلاً، كما أنه هو الآخر يملك العديد من الأوراق التي يمكن أن يساوم بها بوتين وترامب، ومن دون أن يكون واضحاً مدى تأثير هذه الأوراق في واشنطن وموسكو اللتين تتنافسان في سوريا، وعبرها في المنطقة، التي بات واضحاً أن أردوغان وعبر سياساته في سوريا بات لاعباً أساسياً فيها، في البداية بفضل أميركا وبعدها بالضوء الأخضر الروسي!