قد يخطر على بال القارئ لدى قراءته عنوان مقالتنا أنّ الإهداء، مقارنةً بالنص بأكمله، يشغل مساحة ضئيلة تجعل من غير الممكن الانطلاق منه لتحديد معنى النص. وهذا انتقاد وجيه، لكن إلى حدّ. فالنص لا يحضر بحالته المجرّدة، على ما يؤكده جيرار جينيت دائماً، بل يكون مصحوباً بـ«عتبات» (أو ما يدعوه النص الموازي) هي التي تُحدِّد حالته ككتاب. وهي التي تشرط «تلقيه» و«استهلاكه»، وفق مصطلح جينيت، وتوفّر للقارئ إمكان الدخول إليه. لكن هذا النص الموازي يرتبط في نهاية المطاف بعرى وثيقة مع النص الأصلي، ليسلط الضوء أو ليحدد المدخل، تبعاً للمعنى الحرفي لمفهوم العتبة. وكما فعلنا في مقالتنا حول الإهداء في كتابات الجابري، سنحاول أن نعد الإهداء بمنزلة شرفةٍ نطل منها أيضاً على كتابات سيّد القمني. يكتب القمني في إهداء كتابه «أهل الدين والديمقراطية»: «إلى عراقنا الآتي قاطرة للمستقبل». لننظر إلى الصورة أولاً. طُبِع هذا الكتاب سنة 2005، لذا إن العراق ـــ القاطرة المقصود في الإهداء هو العراق الذي كان يعيش في زمن مغلق، بسبب الاستبداد، وبات الآن يعيش في زمن مفتوحٍ بفضل الاحتلال الرأسمالي الغربي الأميركي. بالإضافة إلى ذلك، كلمة قاطرة تعني عربة تُقطر بها عربات، أي إن العراق أصبح إذاً حرّاً ديموقراطياً، بفعل التحرير الرأسمالي الأميركي، ونموذجاً على الدول العربية أن تحذو حذوه. هل تفكيكنا للإهداء يقارب الصواب؟

يبدو أن نصوص القمني واضحة في تأكيد القراءة السابقة؛ ففي كتابه ذاته (أهل الدين.. والديموقراطية)، وفي معرض تهكمه على دعاء أهل الدين ورجاله، خصوصاً الدعاء على أميركا، يكتب متهكماً عارضاً النتائج المخالفة لدعائهم: «مع مزيد من الدعاء انهارت ليبيا تقبيلاً على أيدي سادة الأرض في انحناء مذل، «فسبحان المعز المذل»، هذا ناهيك عن جلوس الحاكم الأميركي في عاصمة الخلافة ليسمح للشعب العراقي بكل ما سبق أن حرمه إياه نظام صدام حسين الوطني!» (1). فالجماهيرية الليبية استجابت للأوامر الغربية ـــ الأميركية، فتخلى نظامها عن سلاحه الاستراتيجي بشكل مذل، والأهم في قول القمني هو أن الاحتلال الأميركي للعراق حمل معه الحرية والديموقراطية والعيش الكريم للشعب العراقي، بعد أن كان محروماً إياها بسبب الاستبداد، وبالتالي نستطيع القول إن جرائم هذا الاحتلال والفظائع التي ارتكبها ما هي إلا ثمن للتقدم والحرية. لكن هذا المشروع الديموقراطي العلماني الذي بدأ يسري في العراق، وفقاً لتوصيف القمني، انقلب إلى كابوس، والسبب في ذلك الدول المحيطة بالعراق التي سهلت عمل المقاومة العراقية، ما دفع بالأميركي للعودة إلى حلفائه القدامى من جنرالات وملوك.
يكتب القمني في كتابه «انتكاسة المسلمين إلى الوثنية»: «وفي حالة من الفجر العلني دعمت كل دول المحيط لكل ما استطاع إليه سبيلاً، ما أسموه المقاومة العراقية [...] ليتحول مشروع الحلم الديموقراطي العلماني إلى كابوس على المنطقة جميعاً» (2). فما قامت به قوى الاحتلال من تدمير للدولة العراقية ومؤسساتها ومن تعميق لتخلع البنية الاجتماعية العراقية وما أقرته بالتعاون مع التيارات السياسية الحليفة لها من قوانين للمحاصصة الطائفية والقومية، ذلك كله عدّه القمني مشروعاً ديموقراطياً علمانياً. لا يقف القمني عند هذا الحد، بل يرى في الإمبريالية الأميركية نموذجاً يقيس على أساسه تجارب الشعوب في الماضي والحاضر. هكذا، في سياق عرضه لما يعدّه وحشية الاحتلال الإسلامي لمصر، ميّز بين نوعين من الاحتلال: احتلال يحرر ويولّد التقدم، ونموذجه الاستعمار الأميركي، وآخر همجي ووحشي ينشر التخلف، ونموذجه الاحتلال الإسلامي. والحال أنه لم يجد في تاريخنا سوى حالة واحدة مطابقة للنموذج الأميركي الكولونيالي وتتمثل بالاستعمار المصري الفرعوني. يكتب في هذا الصدد: «لم يحتل المصري بلداً آخر ليستقر فيه ويسكن ويستوطن، لأنه كان عاشقاً لوطنه [...] لذلك كانت سياسة مصر الاستعمارية تقوم بعد الاحتلال على إقامة حكام يدينون لها بالولاء [...] ليعود الفرعون وجيشه إلى مصرهم، ومعهم أبناء هؤلاء الملوك الخاضعين، ليتربوا في قصور الفرعون ويتعلموا بعلم مصر وفنونها، ليعودوا ويرتقوا بشعوبهم البدوية» (3).
ويضيف ليوضح لنا أن هذه الحالة مطابقة للنموذج: «إنه فعل الإمبراطوريات الحضارية منذ دولة مصر الثالثة. إنها التجربة المصرية الفريدة والسياسة التي تتبعها كبرى دول العالم اليوم «أمريكا»» (4). فضلاً عن ذلك، يذهب القمني بعيداً في تمجيد النموذج الرأسمالي الأميركي. ففي سياق سرده لأوهام أهل الدين، يرى أن الولايات المتحدة والغرب الرأسمالي هما من يمنع العدو الصهيوني من اجتياح الدول العربية، يكتب بصراحة: «مع عدم ملاحظتنا أنه لو رفعت أميركا يدها عن إسرائيل هي وبقية ذلك العالم الحر الذي نكرهه، لعربدت إسرائيل وساحت في المنطقة كيفما شاءت ودون رادع يردعها. وهو أمر جدير بالنظر والاعتبار من جانبنا بشأن أميركا والضمير الحر» (5). الحقيقة التي يُغيبها القمني هنا هي أن العدو الصهيوني لم يشن حرباً على العرب إلا بناءً على أوامر المؤسسات الحاكمة في الغرب الرأسمالي (وبشكل رئيسي المؤسسة الحاكمة في الولايات المتحدة) أو بموافقتها.

الحصر للمشكلة بالجانب التراثي الديني ينسجم مع النموذج الأميركي المتحكم في ذهن القمني


هذه الذهنية التي يتحكم فيها النموذج الكولونيالي تدفع بالضرورة إلى تمجيد المؤسسات الحاكمة في الغرب وما تنتجه من سرديات فكرية وسياسية، وهذا ما يؤكده تحليل القمني لخطاب أوباما الشهير في القاهرة، فيكتب: «إنه لم يأت ليخلصنا، لكنه جاء مخلصاً لأميركا من عثرتها في بلادنا ولتحييد شرنا عنها، وبتكاليف أقل من تكاليف طريقة الحزب الجمهوري الأميركي بما لا يقارن، وفي وقت تستفحل فيه الأزمة الاقتصادية العالمية» (6). يقوم القمني هنا بعملية تبرئة واضحة للمؤسسة الحاكمة في أميركا مما فعلته عبر تاريخها (الديموقراطي أو الجمهوري) من تشجيع وتوظيف للمنظمات الإرهابية المتأسلمة، فهذا الشر الذي جاء أوباما إلى القاهرة بهدف التخلص منه، كما حدد القمني في تحليله، هو في نهاية المطاف صناعة المركز الرأسمالي، ولا سيما الإمبريالية الأميركية وجيوبها الوظيفية.
يضيف أيضاً في معرض تحليله خطاب أوباما أطروحةً لا تختلف عن القول الزائف الذي تصرح به الخارجية الأميركية عند كل حدث انفجاري في فلسطين المحتلة، ويكتب: «الرجل (يقصد أوباما) يعرفنا جيداً ويعرف كيف نفكر، لذلك تابع رحلته من القاهرة إلى القارة الأوروبية ليعلي رصيد الاهتمام بالدولة الفلسطينية المستقلة ووقف بناء المستوطنات، وليؤكد للمسلمين أنه صاحب القول فوراً ببدء الحشد من أجل الفعل بضغوط دولية على إسرائيل» (7). لا يستدعي تحليل القمني الأخير أي نقد، فقد فندته وكذبته الوقائع والأحداث التي جرت منذ خطاب أوباما في القاهرة حتى اليوم.
تقرن هذه الذهنية الخلاص بالانخراط والاندماج مع المشروع الغربي الرأسمالي، ولذلك تعد الأنظمة التي تندرج في فضاء المشروع الأميركي أكثر قدرة على تجاوز الصعاب، ما يسمح بدخول مجتمعاتها في مرحلة الرخاء، حتى لو كان ذلك النظام يستخدم أيديولوجية دينية سلفية يعدّها القمني سبباً من أسباب الانحطاط، فالالتحاق بالمشروع الرأسمالي الغربي، خاصة بشكله الأميركي، يقطع مع ما قبله ويمحوه. يقارن القمني في هذا السياق بين مصر والسعودية ليثبت صحة رأيه، فيكتب: «مع انهيار الإمبراطورية البريطانية والاستعمار القديم، ظلت السعودية حليفة للأمريكان حتى يومنا. بينما كانت مصر الآخذة بحضارة الغرب تتحول عنها إلى النظام العسكري، وتعلن حربها على هذا الغرب ممثلاً في إسرائيل وأميركا، ما أدخلها في هزائم ونكسات متتالية، وبثمن دماء أبنائها ارتفع سعر البترول في بلاد ابن عبد الوهاب حتى أصبحت السعودية واحة غناء في معجزة اقتصادية غير مسبوقة، بينما كانت مصر في انحدار يتلوه انحدار» (8).
يغيّب القمني في عرضه التبسيطي والمتهافت السابق قضية أساسية مفادها: أننا مع الاقتصاد السعودي أمام بنية هشة (دون أساس صناعي) وتابعة تبعية مطلقة للمركز الرأسمالي، وحالة الوفرة التي يعيشها غالبية سكانه ناتجة عن الريع النفطي الذي راكم رأس المال لدى العائلة الحاكمة وفئة مقرّبة منها، ما سمح بوصول فائض كبير منه إلى السكان، فالاقتصاد الريعي لا يخلق بنية قوية قادرة على الصمود إلى فترات طويلة؛ بمعنى آخر: تكون هذه البنية عُرضةً لأن تدخل في أزمات أو تنهار في كل لحظة. وإننا لو رصدنا، أخيراً، تأثير هذه الذهنية، التي يتحكم فيها النموذج الأميركي، على معالجة المشكلات التي تعاني منها بلداننا العربية، لأدركنا مباشرة أننا أمام معالجة أيديولوجية تعلق التاريخ أو تلغيه، فسبب تخلفنا ـــ في رأي القمني ـــ هو الماضي الديني، وحضوره في حاضرنا هو السبب الرئيس لمشكلاتنا.
إن هذا الحصر للمشكلة بالجانب التراثي الديني إنما ينسجم مع النموذج الأميركي الكولونيالي المتحكم في ذهن القمني، لأننا إذا جعلنا المشكلة مرتبطة بالحاضر وشروطه الاجتماعية الاقتصادية، فهذا يعني حضور الدور الرأسمالي الأميركي (وجيوبه الوظيفية: الأنظمة التابعة والصهيونية) الفاعل في تخلفنا وانحطاط واقعنا الاجتماعي والاقتصادي، وذلك ما يريد القمني تغييبه على وجه التحديد.
لذلك عندما نتتبع نصوصه التي تعالج قضايا تراثية، نجده ينتقي السلبي من التراث (الذي تتأتى سلبيته من انتزاعه من سياقه التاريخي فحسب) لكي يهاجمه، وهذا واضح في نصوصه التي تغلب فيها الرواية والحكاية الانتقائية (إعادة إنتاج رواية الطبري وابن الأثير بلغة معاصرة) وتغيب عنها القراءة التحليلية العلمية. وذلك كله بهدف تحطيم التراث في الذهنية العربية المعاصرة لتسهيل عملية اندماج العربي والمسلم في المشروع الغربي الرأسمالي. في المقابل، وعلى النقيض من هذه الرؤية الكولونيالية للتراث، لدينا القراءة التاريخية الموضوعية القائمة على إدراك العلاقة الديالكتيكية بين الفكر والواقع وعلى ثراء التحليل وعمقه، أي القراءة المنتجة للمعرفة الحقيقية للتراث التي تجعله قريباً من الناس، ومن ثم تسقط النظرة العاشقة والكارهة للقديم، ما يمهد لتجاوزه الجدلي. أليس هذا هو مشروع المفكر والباحث الكبير عبد الله العروي الذي كتب في إهداء كتابه «ثقافتنا في ضوء التاريخ»، «إلى عصام الدين الذي يعشق القديم لأنه لم يشاهده عن قرب».

المراجع
(1) القمني، سيد. «أهل الدين والديموقراطية»، دار مصر المحروسة، القاهرة، 2005، ص 14.
(2) القمني، سيد. «انتكاسة المسلمين إلى الوثنية (التشخيص قبل الإصلاح)»، مؤسسة الانتشار العربي، بيروت، 2010، ص 124.
(3) مرجع سبق ذكره، «أهل الدين والديموقراطية»، ص 73.
(4) المرجع السابق، ص 73.
(5) المرجع السابق، ص 102.
(6) مرجع سبق ذكره، «انتكاسة المسلمين إلى الوثنية»، ص 371.
(7) المرجع السابق، ص 373.
(8) المرجع السابق، ص 54.

* كاتب وباحث سوري