السوسيولوجيا علم يدرس أوضاع المجتمعات وقوانين تطورها، والبنى الاجتماعية الهيكلية والطبقية، وأيضاً سلوكيات البشر اليومية والتشوهات الاجتماعية. وتندرج في إطار اشتغال السوسيولوجيين قضايا الهشاشة المجتمعية والفقر. وكلتا الظاهرتين لها علاقة ببنية الرأسماليات المهيمنة وطبيعة علاقتها بالرأسماليات الطرفية التي فشل معظمها لأسباب متعددة في إحداث تنمية اقتصادية وبشرية مستدامة، ما أفضى إلى تفاقم البطالة، واتساع دوائر الإفقار والتهميش. وأسّس لافتقاد شروط الحياة الكريمة، وتفاقم مظاهر انعدام استقرار الأوضاع الاجتماعية، وانسداد الآفاق المستقبلية وازدياد غموضها وضبابيتها.

تلجأ الرأسماليات المركزية للتخفيف من تناقضاتها البنيوية إلى تمكين سيطرتها على اقتصادات الدول الطرفية، ما يؤدي إلى التراكم غير المتكافئ، وتفاقم الاستقطاب العالمي اقتصادياً واجتماعياً، علماً بأن الرأسماليات عموماً تواجه في سياق التطور التكنولوجي إشكالية ارتفاع الجزء الثابت غير المنتج لفائض القيمة، على حساب الجزء المتغير المنتج لفائض القيمة، ما يتسبب في انخفاض معدل الربح الكلي/ العام. ويتزامن ذلك حالياً مع ارتفاع نسبة رأس المال المالي مقارنة مع نسبة الرأسمال المنتج. ولمواجهة التحولات المذكورة، تلجأ الرأسماليات الكلاسيكية والكبرى إلى إعادة اقتسام الثروات وأسواق العمل على المستوى العالمي. ويتم ذلك في معظم الأحيان من بوابة الحروب الوظيفية والمفتعلة، ما يؤدي إلى إعادة إنتاج الفقر والتهميش والاضطراب الاجتماعي وارتفاع منسوب الفوضى وحالات العنف الرمزي والمعنوي، وأيضاً المادي المباشر. ونشير في السياق المذكور إلى أن الرأسمالية الراهنة بنسختها النيو الليبرالية الاحتكارية تتناقض بشكل واسع وعميق مع شعوب البلدان الطرفية، ومع المعايير الديمقراطية أيضاً.
إذا حاولنا مقاربة ما ذكرناه مع الأوضاع السورية قبل الحرب والناجمة عنها نلحظ أن ثمة إشكالية في بنية النظام السياسية وطبيعة علاقته مع الاستثمارات الخارجية لغير دولة، وأيضاً ببنية الاقتصاد السوري المترسمل، والذي يخرج تدريجياً من قبضة الدولة لصالح النافذين ورجال المال والمستثمرين. ويسيطر هؤلاء على صناعة القرار السياسي والاقتصادي. ويتقاطع ذلك حالياً مع تغوّل التدخلات الخارجية لفرض أوضاع سياسية واقتصادية جديدة بذريعة المشاركة في إعادة الإعمار. ويسهم ذلك، إضافة إلى عوامل أخرى، في نشوء تصدعات وتشوهات داخل المجتمع السوري، تكشف عنها جملة من العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.
في السياق ذاته نشير إلى أن مظاهر التداخل والتعايش اللذين اتّسم بهما المجتمع السوري حتى وقت قريب، تميل إلى التراجع أمام استمرار التصدّع والتخلّع والتشظي. ويكشف عن تلك التحولات ما يجري من تغيّرات ديمغرافية تسهم في تعميق إشكالية الهوية «إثنية، وطائفية ومذهبية»، ما يعني أننا أمام مشهد ينذر باستمرار التناقض المجتمعي واتساع مظاهره، وأيضاً تجليات الهشاشة الاجتماعية بأشكالها كافة، وبالتالي بقاء إمكانية الانقسامات المجتمعية.
أما في ما يتعلق بمعدل الفقر («الإفقار»)، فإن قرابة 90% من السوريين غير قادرين على تأمين احتياجاتهم الأساسية، وحوالى نصف النسبة المذكورة يعانون من فقدان الأمن الغذائي، أما معدّل البطالة فارتفع إلى حدود 52%. ويتقاطع ذلك مع تحوّل أعداد كبيرة من النساء إلى معيلات لأسرهم بسبب الفاقة المعيشية، ومشاركة الرجال والشبان في القتال. وتأثيرات ذلك باتت واضحة على المنظومات القيمية وآليات تفكير أعداد كبيرة من النساء، وعلى طبيعة علاقتهم بالرجل، ومكانة الأخير داخل الأسرة. ومن القضايا اللافتة أيضاً تراجع أعداد الشباب الذكور قياساً بالنساء بسبب ارتفاع أعداد المهاجرين، وأعداد ضحايا الحرب. ويتقاطع ذلك مع اتساع الفجوة العمرية التي تتجلى من خلال انخفاض نسبة الشباب مقابل كبار السن. وتأثيرات ذلك سوف تتجاوز حدود الاقتصاد، إلى بنية المجتمع، واستقرار أوضاع مكوناته، وأشكال العلاقات الاجتماعية وطبيعتها.
ونشير أيضاً إلى أن ارتفاع أعداد اللاجئين والنازحين والمهجّرين، وتحديداً هجرة العقول والكفاءات الشابة، سوف يفاقم من انعدام استقرار أوضاع السوريين، وتوازنهم المجتمعي. ويتزامن ذلك مع ميل النظام بتركيبته الراهنة إلى الحد من عودة اللاجئين والنازحين إلى مناطق سكنهم الأساسية. وأسباب ذلك لا تنحصر بتحديات إعادة الإعمار وتأهيل الموارد البشرية، لكنها تتعلق بعوامل أخرى متعددة، أبرزها سياسية وأمنية تهدف إلى عدم إعادة الأوضاع المتعلقة بالتركيبة السكانية إلى ما كانت عليه قبل الأزمة. لكنَّ إعادة توضيب المدن السورية على أسس تختلف عما كانت عليه، سوف تسهم في تصعيد وتوسيع التناقضات والاضطرابات بين المكونات المجتمعية. ويتقاطع ذلك مع «عجز» المؤسسات والأجهزة الرسمية الممثلة للنظام عن إعادة الحقوق إلى أصحابها، وترميم الفجوة التي تفصل بين السوريين نتيجة استقطابات سياسية، وإثنية، وطائفية ومذهبية ترتبط بمفاعيل الحرب وتداعياتها وأسبابها. وبطبيعة الحال، فإن تجاوز ما ذكرناه من تناقضات مجتمعية يحتاج إلى إعادة المظالم لأصحابها الحقيقيين، وتقديم المرتكبين إلى محاكم عادلة، وارتقاء كافة السوريين، أفراداً وجماعات وقوى سياسية، إلى وعي مصالحهم الحقيقية، وتجاوز الاستقطابات كافة، وتحديداً الجهوية والطائفية والإثنية منها.
إن انحسار المشاركة السياسية وتفاقم التصدعات والشروخ على مستوى القاع المجتمعي، وأيضاً المتعلقة بالخارطة الجيوسياسية للدولة السورية، وتردي أوضاع السوريين المعيشية، وتباطؤ حركة العجلة الاقتصادية (باستثناء استثمارات زعماء الحرب وتجارها)، وعدم تخلي السلطة عن نهجها الأحادي، وبشكل خاص على مستوى السياسية والاقتصاد، كل ذلك يفاقم من عدم الاستقرار المجتمعي، ومن صعوبة الخروج من الأوضاع الراهنة. ويتقاطع ما نذكره مع استمرار اشتغال غير دولة على تمكين مصالحها وتثبيت نفوذها، سواء كان ذلك بالتعاون مع النظام أو في سياق الصراع معه. وكما بات واضحاً، فإن ذلك يتناقض مع مصالح السوريين ورؤيتهم السياسية لمستقبلهم السياسي وشكل الدولة والنظام الذي يريدون. أما المخرج من أوضاع الهشاشة المجتمعية والإفقار المعمّم والممنهج، فإنه ينحصر في اعتماد التنمية البشرية والاقتصادية المستدامة، ويحتاج أيضاً إلى توافق السوريون على دستور يضمن إقامة نظام وطني ديمقراطي، ويفتح آفاق الحريات السياسية والثقافية، ويضمن حقوق المواطنة.
* كاتب سوري