إذا استندنا إلى الأرقام التي تداولتها وسائل الإعلام الفرنسية، فإن عدد المشاركين في حركة الاحتجاجات الاجتماعية التي تشهدها فرنسا منذ حوالى الشهر قد سجّلت تراجعاً ملحوظاً يوم السبت الماضي بالمقارنة مع عدد المشاركين في الأسابيع التي سبقت. ضمت التظاهرات في أنحاء مختلفة من البلاد حوالى 66000 شخص بينما وصل عددهم في الأسبوع الذي سبق حوالى 126000 متظاهر.

جزمت بعض التحليلات أن القرارات التي أعلن عنها الرئيس إيمانويل ماكرون، وأبرزها إلغاء الضريبة على الوقود وزيادة الحد الأدنى للأجور بمئة يورو من جهة، والخوف من أعمال العنف والمواجهات التي وقعت خلال تظاهرات الأسابيع الماضية ومن الانتشار الأمني الكثيف (69000 رجل أمن على المستوى الوطني بينهم 8000 في باريس) من جهة أخرى، حذت بغالبية نسبية من المؤيدين للحركة الاحتجاجية إلى العدول عن المشاركة في تحركات يوم الخامس عشر من كانون الأول. انخفاض المشاركة في حراك اجتماعي ممتد زمنياً لا يؤشر بالضرورة إلى أن هذا الأخير في طريقه إلى فقدان قوته الدافعة التي شكّلها تعاظم الغضب الناجم عن الشعور بمظالم متزايدة، هي نتاج لعقود من السياسات النيوليبرالية التي أدت إلى تفكك «النموذج الاجتماعي» الفرنسي والمكتسبات والخدمات التي ميّزته بالنسبة لقطاع واسع من المواطنين الفرنسيين. «التنازلات الطفيفة» التي قدمتها الرئاسة للمحتجين لن تنجح في احتواء العودة المدوية للمسألة الاجتماعية وللصراع الطبقي إلى الواجهة، والتي تعبّر عنها اليوم حركة «السترات الصفر»، وستجد على أغلب الظن تعبيرات أخرى في الأسابيع والأشهر المقبلة بسبب الاختلالات العميقة التي أحدثتها سياسات من يسميهم المفكر الاستراتيجي آلان جوكس، «برجوازية دافوس» المعولمة في البنية الاجتماعية الفرنسية.

دفاعاً عن القدرة الشرائية والكرامة
تعرضت حركة «السترات الصفر» منذ انطلاقتها إلى حملة أيديولوجية- إعلامية هدفت إلى تشويه طبيعتها وتبرير تجاهل مطالبها الرئيسية عبر اتهامها بـ«الشعبوية». وهي تهمة جاهزة ضد أي تحرك شعبي تصدرها النخب الليبرالية التي ترى أن السياسة اختصاص حصري لـ«النخب»، ومحاولة ربطها باليمين المتطرف. صحيح أن أنصار اليمين المتطرف شاركوا في الاحتجاجات وأن أهم تنظيماته السياسية، «التجمع الوطني» بقيادة مارين لوبن، أيد مطلبها الأول، وهو إلغاء الضريبة على الوقود، إلا أنه عزف عن دعم مطلبها الأساسي الآخر، وهو رفع الحد الأدنى للأجور، التي كانت لوبن قد عارضته بوضوح خلال الحملة الانتخابية الرئاسية وفي تصريحات تلتها. تحسين القدرة الشرائية للطبقات الشعبية، الذي يمر حكماً برفع الحد للأجور بين إجراءات أخرى، هو الهدف المركزي للحركة الاحتجاجية الحالية. هذا ما خلصت إليه دراسة هامة صادرة عن مركز اميل دوركهايم، شارك فيها سبعون باحثاً وأستاذاً جامعياً ونشرتها صحيفة «لو موند» في الحادي عشر من هذا الشهر. اعتبرت الدراسة أن «الدافعين الأساسيين للمشاركين في الاحتجاجات هما المطالبة بالمزيد من العدالة الاجتماعية وبإنصات السلطة لمطالب الشعب وتطلعاته».
وهي قد توصلت إلى الاستنتاجات التالية:
ــــ الرجال والنساء المشاركون في الاحتجاجات ينتمون في غالبيتهم إلى الطبقات الشعبية والشريحة الدنيا من الطبقة الوسطى. المشاركة الأعلى هي لصغار الموظفين (33%) يليهم العمال (14%) والحرفيون وصغار التجار (10,5%) ومن ثم المهن «الوسطية»، كالممرضين أو أساتذة الرياضة المستقلين مثلاً (10%)، والموظفين المتوسطين (5%) والمتقاعدين والعاطلين من العمل (25,5%). معدل أعمار المشاركين هو 45 سنة مع نسبة مشاركة مرتفعة لشريحة 35-41 سنة ومن ثم لمن هم بين 50 و64 سنة وبين 25 إلى 30 سنة. وتصل مشاركة من تتجاوز أعمارهم 65 سنة إلى 17,3%. عدد الرجال (54%) يفوق نسبياً عدد النساء (45%) في الاحتجاجات التي تنتمي غالبيتهن إلى الطبقات الشعبية. 47% من المستطلعين، بحسب إجاباتهم، يشاركون للمرة الأولى في حركة احتجاجية وقد سبق لـ44% منهم أن ساهموا في إضرابات وتعترض أكثريتهم على أعمال العنف. القسم الهام الآخر للدراسة يتعلق بالميول السياسية للمحتجين. 42,6% منهم يعرفون عن أنفسهم باعتبارهم يساريين، وبينهم 15% مؤيدين لليسار الجذري، و12,7% باعتبارهم يمينيين، مع 5,4% من أنصار اليمين المتطرف، و33% يضعون أنفسهم خارج هذا الاستقطاب السياسي. وتشير الدراسة إلى أن «القضايا» التي يضعها اليمين المتطرف في طليعة أهدافه السياسية، أي تلك المتعلقة بالحفاظ على «نقاء الهوية» الفرنسية أو التحذير من خطورة الهجرة أو الإسلام، تغيب تماماً عن اهتمامات المحتجين. تؤكد الدراسة، وعشرات المقابلات التي أجرتها وسائل الإعلام الفرنسية والعالمية مع مشاركين في الاحتجاجات، أن إدانة الفوارق الطبقية المتزايدة والتوزيع غير العادل للثروة والدعوة إلى إصلاح اقتصادي واجتماعي جذري وإلى تغيير تعاطي السلطة السياسية مع الطبقات الشعبية ومطالبها، هي الغايات الكبرى التي تحركهم.

مبدأ المساواة وجذوره العميقة
كون المجتمع الفرنسي أيد بغالبيته التوسع الاستعماري وما أتاحه من تراكم هائل للثروات على حساب شعوب الجنوب لا يتناقض مع حقيقة أن لفكرة المساواة بين أفراده (المحظوظين) جذوراً عميقة وضاربة في القدم. إيمانويل تود، الديموغرافي وعالم الأنتروبولوجيا، يجزم أن لهذه الفكرة جذوراً أنتروبولوجية تعود إلى البنية العائلية والتوزيع المتساوي للميراث اللذين كانا سائدين في مناطق واسعة من فرنسا، وفي قلبها، باريس حتى قبل الثورة الفرنسية في 1789.
لقد لعبت البنى الأنتروبولوجية، وفقاً لتود، دوراً حاسماً في تحديد الخيارات الفكرية والسياسية للمجتمع الفرنسي وتمسكه بفكرة المساواة على عكس المجتمع البريطاني مثلاً الذي يتقبل بسهولة أكبر الفوارق الاجتماعية وغياب توزيع عادل إلى حد ما للثروة. النظر إلى التاريخ الفرنسي في القرنين الأخيرين، الذي تخللته ثورات وانتفاضات عدة (1830، 1848، كومونة باريس 1871) والهبّات الشعبية والإضرابات وحركة نقابية قوية وحزب شيوعي واسع الانتشار منذ أربعينيات القرن العشرين إلى آخر ثمانينياته، ومقارنته بالاستقرار النسبي الذي عاشته بريطانيا في الحقبة التاريخية إياها يظهر هذه الحقيقة بوضوح. انتشر اعتقاد واسع النطاق أيام سطوة أيديولوجية العولمة السعيدة في تسعينيات القرن الماضي أن من أبرز تداعياتها اندثار الخصوصيات الأنتروبولوجية وتنميط الثقافة السياسية وغيرها من الأساطير والخرافات التي كذبتها التطورات الدولية المتسارعة في العقدين الأخيرين. انفجار الصراع الطبقي مجدداً في فرنسا تكذيب جديد لمجمل هذه الفرضيات ومؤشر على أن المستقبل مليء بالمفاجآت لمن اعتقدوا أن انهيار جدار برلين يؤذن ببداية سيطرتهم المطلقة والأبدية على الأرض ومن عليها.