أدى انحلال القومية والحركات الثورية العقائدية لمصلحة الرأسمالية في مطلع القرن الحادي والعشرين وما رافقه من حروب عالمية ساهمت بتحولات فكرية ثقافية قطعية مع السائدة منذ قرون إلى تطور مفاهيم بدت غريبة في وقتها لكنها انسلت إلى التخيّل الاجتماعي للشعوب (imaginaire social) التي كانت تتهيأ لرسم مستقبل القرن مع ما يصاحبها من مفردات تضمنت مخاض عولمة بدأت تتبلور في الصراع الإمبريالي ــ الشيوعي، وإن بشكل خجول حاول البزوغ في خضم صراع العقائد السائد آنذاك. لاحقاً، مع انكفاء السوفيات بيروستروكياً وتحوّلها إلى تربة خصبة لما بات يسمى شرعاً العولمة وبروز القطب الواحد، صارت العولمة سيدة الموقف.

وبسبب عسر هضم تشكّل الدول القومية التي انبثقت من نهش الغرب للإمبراطورية العثمانية والصراعات التي صاحبت حركات التحرر والاستقلاليات الوليدة، لم تستطع شعوب المشرق استيعاب المفاهيم العصرية التي تطورت في قرن هو الأسرع في التطور منذ خلق البشرية وذلك بسبب اختلاف المفردات التي أنتجت وشكلت نتاج العصر الحضاري للإمبراطوريات البائدة والسائدة آنذاك. أدى ذلك إلى انكفاء مشرقي نحو الداخل والعودة إلى المفاهيم الأولى التي تشعر الإنسان بحصانة ومنعة وتحيطه بسياج آمن من دون أي مقاربة مع النظام العالمي المعولم كونه مع تعقيداته الكبيرة، التي أصبحت تشبه إلى حد كبير بالنسبة إلى المشرقي طوطماً، يقارب مفهوم الإله عند الأديان السماوية. ولذلك تنسج الأساطير حول قوة الغرب وقدرته على فعل ما لم يفعل. فعلى سبيل المثال، إذا دُمّرت الحضارة البشرية ووجد إنسان أولي بعد آلاف السنين وتم اكتشاف أي من هذه المفرزات سيتم الاعتقاد بأن الله صنعها (هنا تصاغ بمفهوم أن الله سخّر لهم هذا).
يضاف إليها ما نلاحظه مشرقياً من تحول الذعر الإلهي إلى حالة من الرهاب الاجتماعي من ممثليه على الأرض وتحول مفهوم الطاعة من الطاعة الاجتماعية المحكومة بقوانين وضعية اجتماعية، إلى طاعة رهابية عمياء تستند إلى قوانين غيبية مبنية على مسلمات لا ضوابط إنسانية عليها، ويصبح الفكر الديني طاغياً على تراث الفكر الإنساني. ومن هنا يتجه كل فريق إلى أقصى اليمين الذي ينتج منه تطرف لدى فكر العولمة والفكر الديني مؤدياً إلى حالة من التصادم العكسي تنتج منها نسخ مشوهة من الاثنين، فلا يعود الفكر الديني قادراً على هضم نسخه المشوهة، ولا الفكر المعولم قادراً على ضبط الآليات المشوهة التي أضحت تطبق عولمته. ثم يحدث أن تبدأ تلك النسخ المشوهة فرض قبولها على النسخ الأخرى من حيث الإجبار وليس من حيث الاستيعاب أو الفهم للآخر. ويستمر تجزؤ المجزأ... وتتجزأ تلك النسخ المشوهة على نفسها جارة معها الاحترابات والاقتتالات وصولاً إلى شخصانية النسخة المشوهة بدلاً من عقائديتها وتحول معها نمط الصراع من قوة العقل إلى عقل القوة.
ولا بد من أن ينعكس هذا على الدول التي تشكلت بنسخ قومية مشوهة شكلتها اتفاقات استعمارية بنيت على مصالح نفعية (سايكس بيكو)، والتي احتفظت فيها الدول الاستعمارية بحقوق الاستعمال لتلك النسخ المشوهة تمهيداً لانسحابها التدريجي وممارسة الاستعمار غير المباشر. لكن التطور الطبيعي واختلاف النسخ الثقافية بين الناس أدى إلى حياد بعض تلك النسخ عن الخط المرسوم وانفصالها عن حقيقة بنيتها الأساسية، فمنها من أدى إلى التشوه ومنها إلى مخاض سليم. وما سمي مصطلح الأقليات ما هو إلا رواسب أنتجتها ثقافة الدولة القومية غربياً واستقبلت مشرقياً من دون تراكم التطور التاريخي المصاحب لتلك الثقافة. فمنهم من رضي بذلك المصطلح عن وعي أو غيره، ومنهم رفض المصطلح بالمبدأ لتبني مفهوم المواطنة القائمة على أنسنة المجتمع. وهنا تحوّل الصراع من صراع الحضارات إلى الصراع داخل الحضارات فتمت مأسسته عند البعض وتشوه عند الآخر.

في سوريا
لم تكد أحداث الثمانينيات تضع أوزارها حتى انطلق السباق المحموم بين «الإخوان» والسلطة حول أخونة البعث أو بعثنة الإخوان. سباق في ظاهره لا عنفي لكنه كان يزرع بذور الشقاق الكبير في طبقات المجتمع ويغطي رماد الأحقاد لدوامة قتل حاول «الإخوان» مذهبته لكن بوصلة العقيدة القتالية لـ«حزب البعث» كانت موجهة نحو القومية والصراع العربي ـــ الإسرائيلي. وعليه إن باب المزايدات يفتح فقط لهذا الصراع، وغير ذلك فهو الخيانة لقضايا الأمة، وهو ما تبين لاحقاً مع رفع السرية عن وثيقة لمذكرة رفعتها «وكالة الاستخبارات المركزية» التي تعرض فيها مخططاً لانهيار النظام السوري.
وبدأت ماكينة إنتاج النسخ المشوهة: أنتجت تلك المرحلة أدبيات بقيت في الإطار الحزبي العقائدي حول شكل الحكم والتبعية للعدو والارتهان للخارج من دون التطرق نهائياً إلى القضايا الفقهية والحاكمية بالمفهوم الديني، ولا يزال «الإخوان» رجعيين والبعثيون علمانيين، فقامت السلطة بمهادنة التيار الديني وسمحت للمساجد بهامش حرية محدود وافتتحت معاهد تحفيظ القرآن لبعثنة «الإخوان»، بينما عمل الأخيرون على تديين المجتمع بمن فيهم البعثيون، خصوصاً أن انهيار الاتحاد السوفياتي والمنظومة الاشتراكية أوجد الكثير من التائهين فكرياً، فانتقلوا من اليسار إلى اليمين كي يفلتوا من الملاحقة. اشتكى أحد اليساريين البارزين أن «السلطة تلاحقنا إذا اجتمعنا على عشاء مع منكر بينما تعطي مساحة للتيارات الدينية وحتى برامج تلفزيونية».
وحين انهار الاتحاد السوفياتي، أتت مسألة «العائدون من أرض الجهاد»، لتبدأ مرحلة عقائدية جديدة يلتقي فيها أقصى اليسار العلماني مع أقصى اليمين الديني، فينتظمون تحت راية جهادية واحدة معاً ضد العدو المشترك: الإمبريالية أو الشيطان الأكبر، كعدو يقاتلونه حفاظاً على وجودهم وعقائدهم لضرورة وجود عدو حالهم في ذلك كحال الغرب بعد انهيار الاتحاد السوفياتي. وبما أن كلّاً منهما وجد ضالته (الغرب والعائدون) في الآخر، برزت عقيدة قتالية جديدة تقوم على عولمة «الجهاد» ونقل المعركة إلى أرض العدو. وهكذا بعد أن كان الصراع مع العدو الصهيوني على أرض الغرب متمثلاً باغتيالات أو تفجيرات متبادلة ومترافقة مع صراع فكري وسياسي وعسكري عالمي، على تحديد مفهوم الإرهاب والفرق والتميز بين المقاومة والإرهاب، أصبح الآن الإرهاب كمفهوم وكفعل إسلامي المضمون والمحتوى بعد عدة أحداث من البوسنة إلى نيويورك.

العالم قبل «11 أيلول» ليس كما بعده
مع انتقال التقويم إلى الألفية الثانية وما رافقه من هوس قيامي وانتهاء العالم و«تؤلف ولا تؤلفان»، توجهت الإمبراطورية الأميركية نحو اليمين ببوش الابن رئيساً وحاملاً راية محاربة الإجهاض، وزواج المثليين. على المقلب الآخر، خرجت «الجهادية» من هوس قيامتها الأفغاني إلى نيويورك لتضرب عقر الإمبراطورية المحتفلة برئيسها اليميني بمباركة على طريقتها. مستلهماً من سلفه ريغن بالحروب المقدسة، أعلن بوش الابن حربه المقدسة على الإرهاب الذي أضحى الآن إسلامياً قولاً وفعلاً. بعيداً من نظريات المؤامرة وغزو أفغانستان (حرب الأنابيب) وغزو العراق (النفط)، كان هناك نوع أخطر من الفائدة التي يمكن جنيها مقابل إخراج آلاف الجنود الأميركيين مباشرة منذ فييتنام، تمثلت بكم المعلومات عن العدو الإسلامي الجهادي القادم من الشرق والخارج عن النمط المعروف تاريخياً. فالواضح أن تنظيم «القاعدة» المنبثق من رحم الوهابية قد تم تطعيمه بالعشائرية الآسيوية والأفكار المودودية والديوبندية، ليأخذ نسخة أكثر تطرفاً من الرحم الذي أنجبه، فقد استطاعت الأجهزة الاستخبارية اختراق التنظيم ليصبح عاجزاً عن استهداف الغزاة في أفغانستان أو العراق، ولتفقد دول المنطقة تلك الميزة التي تمت الاستفادة منها بعد «11 أيلول» والمتمثلة في احتكار المعلومات عن أعضاء ومؤسسات التنظيم.
الإيمان بوجود الإله المطلق ومسلماته يسهل على المؤمن تقبل الزعيم المطلق وثوابته على اعتبار أن الثوابت هي مسلمات ينبغي عدم خرقها لتجنب العقاب الدنيوي أسوة بالعقاب الآخروي. حافظ طرفا الصراع في الثمانينيات على تلك الثوابت كل بأسلوبه حتى مع الطرف الآخر، وظلت السلطة الدينية أسيرة جوامعها فلم تتدخل في قرارات الشؤون الدينية إن كانت صادرة عن وزارة الأوقاف أو الإفتاء، وظلت السلطة سلطة والدين دين، وذلك بغض النظر عن التقية التي يمارسونها على بعضهم بعضاً.
وبعد «ربيع دمشق» واشتداد حذر السلطة من الحركات اليسارية والمجتمع المدني، اتجهت السلطة نحو المناط الديني مثلما اتجه السادات نحو المناط «الإخواني»، ولكن الفارق تمثل بأن مستنقع الدين للسلطة في سوريا كان نسخاً مشوهة من مشائخ وأئمة محليين كانت حدودهم تمتد من الشعوذة إلى السلفية. ورويداً رويداً بدأت السلطة تنحني أمام شعبيتهم المتزايدة ومريديهم العميان، وساهم في ذلك عوامل إقليمية كتطور العلاقات مع تركيا وقطر، وعوامل محلية كانتقال الصراع مع العدو الإسرائيلي من قومي إلى ديني لتنتهي هذه الانحناءة بغلبة مسلمات الإله المطلق على الزعيم المطلق بعد أن كانا متساويين.

ما سمي مصطلح الأقليات ما هو إلا رواسب أنتجتها ثقافة الدولة القومية غربياً واستُقبلت مشرقياً


كما ساهمت عودة «الجهاديين» من العراق وأفغانستان إلى سوريا في عولمة الجهاد السلفي السوري باتصالهم مع «القاعدة» في العراق وبتواطؤ دولي وإقليمي للاستفادة من هذه الظاهرة (عولمة الجهاد السوري) تمهيداً لتجميعهم في سوريا والقضاء عليهم، وسط تعتيم إعلامي كامل من كل الدول التي قدم منها «الجهاديون» على خسائر «الجهاديين» ومستوى التدمير المعنوي والفكري لهذه الظاهرة في ظل تشتت الخطاب الرسمي السوري عن إدراك حقيقة معنى عولمة «الجهاد السوري» دولياً وإقليمياً والغاية منه، يقابله معرفة ودراية تامة للقوى الدولية والإقليمية لهذه الظاهرة عبر المعلومات التي تم جمعها وتحليلها من أفغانستان والعراق.
انقسم العالم إلى محورين في محاربة ظاهرة «الجهادية» السورية المعولمة، فكانت حصة الروس «جبهة النصرة»، وحصة التحالف الغربي «داعش»، ويعود هذا التقسيم للخشية من التشابه في النمط الفكري لكل طرف مع الطرف المحارب. فحارب كل طرف شبيهه لأنه يعرف مدى تأثيره فكرياً وعقائدياً في مجتمعات الآخر المحلية، بمعنى أن «داعش» استعمل أسلوب الميكانيك الكوجيتو الديكارتي في نمط الفهم الديني (الدولة الأمة، والحكم باسم الدولة) والموافق لنمط التفكير الغربي بالنسبة للدين، ويشكل تطوره خطراً على مجتمعاتها. بينما استعملت «النصرة» نمط التفكير (الدين الأمة، والحكم باسم الإله) الذي يتوافق مع النمط الروسي (الأورثوذكسي) وتخشى روسيا تصعيده، ويشكل خطراً على المجتمعات المحلية للآخر، التي استند إليها الرئيس فلاديمير بوتين في «الحرب المقدسة» التي شنها بناء على رأي الكنيسة لقتال «النصرة» وحماية المسيحيين.
وعند هذه التقاطعات ومع تلك الخلفيات وصلت الحالة السورية اليوم إلى خليط «إخوان، جهاديين، علمانيين، سياسيين، طائفيين، أقلويين»، والتقت مصالح الصوفية والبرجوازية السنية المدنية مع الأقليات الدينية في سوريا، في حالة ضياع فكري وعقائدي نتيجة انهيار مفهوم القومية التي ساهمت كل هذه القوى في صنعه.
لم تفلح المؤسسات الرسمية في سوريا بعد سقوط مفهوم القومية المرتبط بالخطاب الرسمي نتيجة دعم الدول العربية للحركات الفعالة في الحرب السورية، في الاستفادة من ارتباط الخطاب الصوفي متمثلاً بابن عربي وشكه وحركته (الهدى أن يهتدي الإنسان إلى الحيرة فيعلم أن الأمر حيرة، وأن الحياة قلق وحركة والحركة حياة فلا سكون... فلا موت، ووجود... فلا عدم!) وربطه بفكر النهضة الأوروبي في «الكوجيتو الديكارتي الشك المؤدي لليقين والامتداد والحركة»، لخلق حالة اجتماعية فكرية تلازم مسار العمليات العسكرية.
أدى التهديد العسكري المباشر من الفصائل «الجهادية» إلى فقدان ورقة التفوق العسكري الرسمي لمصلحة القوى الدولية والإقليمية من دون وجود أي ورقة أخرى تكون فعالة عند انتهاء العمليات العسكرية. ولم توجد أي خطة أو استراتيجية واضحة لليوم التالي للحرب. ومن هنا ومع ازدياد فعالية القوى الخارجية بين المجتمعات التي دخلت أو أدخلت إلى عجلة، أدت المصالحات إلى زيادة الشرخ المناطقي والفكري بين تلك المجتمعات والأخرى لتمتد داخل المجتمعات نفسها من دون استثناء بسبب فقدان ورقة تلازم المسارين الاجتماعي والعسكري.

الحلول
* الاستفادة من الحراك الذي حدث خلال السنوات المنصرمة والذي تم به جمع كمّ المعلومات الكبير التي تم الحصول عليها من خلال التحقيقات والإفادات والشهادات لتشكيل قاعدة بيانات يتم تحليلها واستخلاص نتائجها للخروج باستشراف مستقبلي، وذلك عبر تشكيل هيئة وطنية أو وزارة أزمة تعطى صلاحيات الولوج إلى البيانات.
* فصل وزارة الأوقاف عن الشؤون الدينية الفقهية تمهيداً لخلق مرجعيات دينية تتلهى بكسب المريدين وتتنافس على الاجتهادات، وبهذا يكون باب الاجتهاد قد فتح بشكل غير مباشر.
* عصرنة التدين عبر دائرة الإفتاء ووضع الآليات المناسبة له ومتابعتها عبر هيئة الأزمة.
* توسيع مديات العقيدة القتالية لتتناسب مع الواقع والمعطيات المتبدلة.
* تكليف هيئة أو وزارة الأزمة تدجين التخيّل الاجتماعي (imaginaire sociale) الناتج من الأزمة وإيجاد مفاهيم جديدة له تنتج بالتنسيق مع ناتج عصرنة التدين تمهيداً لضبط اللاشعور السياسي وتوجيهه.
* إفساح المجال للمجتمع المدني من صليب أحمر ونواد أخرى... للعمل بحرية مع وجود الضوابط القانونية لها، وكمواز للجمعيات الخيرية الدينية.
من الواضح والجلي أن لعبة التقية والتذاكي بين السلطة الدينية والسياسية قد آتت مفعولها، فالسلطة السياسية تعتقد أنها بإيحاء من الدينية ضابطة للوضع، والعكس بالعكس، لكن المحصلة على الأرض الغلبة للتقية الدينية على التذاكي المؤسساتي الرسمي الذي مع العوامل المستجدة سينتج أزمة أشد وأخطر على المؤسسات الرسمية. وكما حذرنا في 2005 من أن مسرحية رفيق الحريري هي بروفة لما سيحدث لاحقاً في سوريا، كذلك نحذر من التذاكي الحالي وننصح بمواجهة الواقع.
* من «مركز المشرق للدراسات الاستباقية» في مكافحة الإرهاب