■ ما هي مناسبة هذا الاحتفال الكبير؟

ــــــ إنهم يجمعون المال للفقراء

■ أنت تعمل في الجمعية؟
ــــــ لا أنا أعمل في شركة مضافة لأستقبلكم

وهكذا دخلنا بثيابنا الزاهية وقيافتنا وجواهرنا نساءً ورجالاً، وها نحن نراقب من يجلس مع من ومن لبس ماذا و... و... ثم نشتري التومبولا ونزايد على سيارة أو عقد أو لوحة، والمال يذهب لعمل نبيل قد ينقذ طفلاً ويُسعد عائلة. إذاً، ما الخطأ في هذا؟

نجمع المال من «الأغنياء» ثم نصرفه على «الفقراء»، كما عبّر موظف الاستقبال. وما الخطأ إن فاخرنا بذلك؟ وربما دفعتنا الغيرة وحبّ الظهور إلى المزيد من «عمل الخير». فما هو العطاء؟ وما هو الرياء؟
المسألة هي في الدافع والمعنى.
يقول جبران: «لا قيمة لما تعطيه إن لم يكن من ذاتك»، والذات تعرف ماذا فعلت.
- فلا قيمة لما يعطيه التاجر الغشاش.
- ولا قيمة لما يعطيه من لا يدفع أجور العاملين لديه ويستغلهم.
- ولا قيمة لما يعطيه السياسي الذي فشل في القيام بواجباته، سواء في وزارة الصحة، الأشغال، الكهرباء، التربية وغيرها من وزارات، وكذلك في مجلس النواب.
- ولا قيمة لما يعطيه من لديه الملايين التي «جمعت من شح أو حرام».
ويقول جبران أيضاً:
«وقد طالما سمعتك يا صاح تقول متبجّحاً: (إنني أحب أن أعطي، ولكن المستحقين فقط). فهل نسيت يا صاح، أن الأشجار في بستانك لا تقول قولك؟».
المشكلة في تلك التظاهرات من «العطاء» أنّها:
تعطي المانح شعوراً براحة الضمير، وهو أكثر العالمين أن ضميره لن يهنأ لأنه حُمّل الكثير.
توحي للمجتمع أن فلاناً «معطاء»، «كريم»، وتخفي «الهنات غير الهينات» لديه أو لديها.
تمنح الفرصة لمن اعتدى على الملك والمال العام والأملاك العامة والخاصة ولمن أساء التصرف خلال تولّيه المسؤولية، ولمن أساء وشارك في ارتفاع كلفة الصحة والتعليم وسبّب البطالة والهجرة وإهمال المياه والطرقات والنقل العام وغيرها، بالتعمية والتستر على كل هذه الارتكابات. فيبدو لنا المصرف الفلاني أو المليونير الفلاني «عامل خير» بدلاً من أن نراهم على حقيقتهم: «عاملينا بالناس».
تعتّم وتموّه دورنا كمواطنين، فبدلاً من أن نعمل لتقوم الحكومة بواجباتها فيكون الضمان كما يجب، والضرائب هادفة والمدرسة الرسمية مزدهرة والجامعة اللبنانية متطورة والمستشفى الحكومي منظّماً، نكتفي بالقول إن فلاناً «أعطى»، أعطى ماذا؟ فليقم بواجبه كمسؤول أولاً.
وما دمنا في موضوع العطاء فلنتعلم كيف يكون:
Bill Gates: تسعة وعشرون مليار دولار
Li Ka Shing: عشرة مليارات دولار
عائلة Cummings: أعطت 90% من ثروتها أو ما يقارب مليار دولار أميركي. وبالمناسبة، معظم هذه الثروة جمعت من أعمال العقارات. ترى كم أعطى من يجمع الملايين في قطاع العقارات والبناء في لبنان، وكم دفعوا ضرائب على أرباحهم؟ وبعد وفاة Bill وJoyce Cummings سيُمنح 100% من ثروتهم، إذ إن أولادهم «لديهم ما يكفي» يقول أهلهم. وما يكفي يشتمل على منزل العائلة والساعات والمجوهرات وأثاث البيت.
وسيمنح Warren Buffet كامل ثروته المقدرة بـ 58 مليار دولار قبل أو لدى وفاته، شرط أن تُصرَف كاملة خلال عشر سنوات.
وهناك من أعطى الملايين واختار أن يبقى مجهول الهوية.
وهكذا بلغت التبرعات في الولايات المتحدة الأميركية 316 مليار دولار في عام 2012. ولقد جمع معظم هذا المبلغ من أفراد. نظام ضريبي يؤسس لهذه الحالة ومجتمع يجلّ الخدمة العامة.
ويقال: «إذا كنت ممن يسهل عليهم العطاء ولا يؤلمهم البذل، فأنت سخي، وإن كنت ممن يعطون الأكثر ويبقون لأنفسهم فأنت جواد. أما إن كنت ممن يعطون الآخرين مع حاجتك إلى ما أعطيت لكنك قدمت غيرك على نفسك فقد وصلت إلى مرتبة الإيثار. ورتبة الإيثار من أعلى المراتب».
أخيراً: فلنسأل أنفسنا في أية مرتبة نحن؟ وهل نحن معطاؤون، متبجّحون أم مراؤون؟
* مدير الشركة الدولية للمعلومات