يشكل قرار مجلس الأمن 2254 حول سوريا خطوة مهمة في مسار طويل ومعقد، ويترقب العالم أن يكون منطلقاً لإنضاج حلول للأزمات العاصفة بالعالم العربي، ومدخلاً مفترضاً لمواجهة الإرهاب. وجاء القرار بحكم الضرورة الملحة بعد استفحال الوضع الإنساني في أكثر من ساحة عربية جراء الحروب الداخلية الجارية فيها، والتي باتت نتائجها أكثر تفاقماً وضرراً من أي من الحروب السابقة، وآخرها الحرب على العراق، وما تمخضت عنه من نتائج كارثية على المستوى السياسي والاجتماعي والانساني.

والقرار الأممي اضطراري في جوهره، وقد يسرع في التسويات والمصالحات الداخلية في سوريا، ويؤمل أن يتدحرج نحو انفراجات أوسع خاصة في المناطق المتداخلة مع مناطق سيطرة النظام في المدن الرئيسية، حمص – دمشق – حماه – درعا. ذلك أن القرار الأممي أعطى شرعية متجددة للدولة في ظل انسداد أفق المعارضة، وهذا من شأنه أن ينهي الاقتتال الداخلي مع الفصائل المحلية، ويعزز من حضور الدولة، وتثبيت أقدامها بشكل أفضل.

وعلى صعيد الجبهات المتاخمة للحدود التركية حيث توجد أهم الفصائل المقاتلة، والتي تعتبر وازنة في الميزان العسكري، ولها الدور الأساسي في مسرح العمليات والمواجهات الدامية، تبقى الأمور غير واضحة المصير.
وفي ضوء ما ينتظره الناس من حلول، يبقى السؤال الكبير مطروحاً حول إمكانية الوصول إلى حلٍّ بعد صدور القرار، وإن كان صدوره يضع حداً للأزمات المستمرة، وينهي مأساة أهم بقعة جيو-سياسية في العالم. وما يمكن قوله إنّ القرار يؤسس لحل، ويفتح الباب أمام حلول إذا أراد من يعنيهم الأمر الوصول إليه، وإذا استقرت الأحوال الميدانية على توازن ما، أو غلبة لطرف، من شأنها تأمين أرضية صالحة للحلول.
لكن ما يمكن قوله أيضاً ان القرار يشكّل إضافة إلى العديد من قرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي، والتي وصلت بعضها إلى حلول في بقع توتر من العالم، لكن بقي الكثير منها إما مطبقاً بشكل جزئي، ووصل إلى حلول غير مكتملة، وبقي كثير آخر في الأدراج من دون أي جدوى. ويحضرنا في هذا المجال، كمثال، القراران 242 و338 المتعلقان بحل القضية الفلسطينية.

النجاحات العسكرية وتطوير
أداء الجيش من شأنهما
تعويم الدولة السورية

تبدي أميركا والاتحاد الأوروبي رغبة معلنة بالتشارك مع روسيا لمحاربة الإرهاب. منطق يقبله العقل لأن خطر الإرهاب بات محدقاً بالجميع المستشعر به، وتمدد المجموعات الإرهابية إلى أوروبا وشمال أفريقيا زاد من المخاوف بشكل جدي، وبدأت علائم الخوف مترجمة في العديد من الاجراءات والقرارات التي اتخذت في العالم الغربي تهيئاً لمواجهة الحالة التي قد تكون قادمة إليهم بشتى الوسائل.
ومن الواضح أن قرار مجلس الأمن يشكل مظلة دولية كافية لإعدام المعارضة المسلحة، وتحديداً: داعش، والنصرة، وأحرار الشام، وجند الأقصى، وجيش المهاجرين، وحركة نور الدين زنكي، وكلها فصائل موالية لتركيا والإخوان المسلمين وتنظيم القاعدة، وهذه الفصائل تشكل العمود الفقري للمعارضة المسلحة، والبقية ليست سوى ميليشيات مشرذمة فوضوية، باستثناء جيش الإسلام (زهران علوش).
وتكمن الاشكالية في كيفية التعاطي مع هذه الفصائل بعد تصنيفها، والقدرة على تصفيتها، خاصة أنها تتمتع بدعم إقليمي وشعبي من المكون السني والذي بات يشعر بالغبن، وفي الوقت عينه يصعب استئصاله عسكرياً برغم قرار مجلس الأمن، فهو يمتلك إمكانات عرقلة التسوية الممهورة بقرار أممي، فالدعم الإقليمي من تركيا والسعودية وقطر، يعطي هذه المجموعات أفضلية لتغليب الحرب على السلم، ويرفدها بمصادر قوة تتيج لها البقاء والصمود والاستمرار.
فالمسألة ليست مجرد قرارات بل مسألة القدرة الذاتية على التنفيذ والتطبيق، ونضج الظروف الموضوعية للحل، خاصة في ظل عجز عراقي، وانسداد أفق الحل في اليمن.

تبقى الأرجحية للميدان السوري وقدرة الروسي على كسر التوازن، والذي يبدو بطيئاً في ظل ضعف القوات البرية، فالنجاحات العسكرية، وتطوير أداء الجيش السوري من شأنهما تعويم الدولة السورية، والقتال في الجيب الشمالي لسوريا يقلص من فرص المناورة لتركيا، ولكن النجاحات العسكرية التي بدأت مع عاصفة "السوخوي" لم تصل إلى المستوى المطلوب، وهي لا تزال دون المرجو والمتوقع، فالتقدم في ريفي حلب الجنوبي واللاذقية الشمالي غير كافٍ لتغيير المعادلة، وفرض وقائع ميدانية تتيح الاستفادة من الوقت، وتنفيذ قرار مجلس الأمن 2254 فالأمر يحتاج إلى سيطرة على مدن ليكون مؤشراً للحسم، وهذا غير متاح لغاية الآن، فالضعف في القوات البرية (المشاة) واضح، وغير قادر على مواكبة حركة الطيران النشيط والكثيف. وسيعطي هذا العجز الفصائل المتطرفة، والمصنفة على لوائح الأمم المتحدة إرهابية، مزيداً من الوقت لإشعال جبهات أخرى، خاصة أن الإسرائيلي يحاول خلط الأوراق من جديد عبر سلسلة من الغارات والهجمات ومنها استهداف الأسير المحرر سمير القنطار، والتقارب التركي – الإسرائيلي ليس بريئاً ومن شأنه أن يعقد الأمور، خاصة على الجبهتين الجنوبية (حوران) والشمالية (حلب – إدلب).
بالرغم من أن القرار الأممي يعطي الدولة السورية أفضلية في استكمال تجفيف البؤر المتداخلة مع مناطق سيطرته وتطوير المصالحات والتسويات. ولكن تبقى العقدة في المناطق الحدودية كون تركيا لم تحسم خياراتها، وتجلى ذلك بالخطوة الجريئة بخرق الأراضي العراقية، ومن ثم شن هجوم كبير على الوحدات الكردية.
قد يكون قرار مجلس الأمن خطوة مهمة في سياق عام لمحاربة الإرهاب، وهذا سيدفع بالروس إلى مزيد من الأعمال الحربية، بالتنسيق مع إيران، وبغطاء أممي، وتشارك أميركي. ولكن المشكلة تكمن في كيفية تطوير أداء الجيش السوري في ملاقاة الضغط الجوي الروسي ما يستوجب على الجيش السوري إعادة ترسيم الجبهات إلى شكل جبهوي، صدامي – مباشر، والتخلص من البؤر والجيوب المتداخلة كونهما (البؤر والجيوب) يعطيان المجموعات المسلحة هامشاً للمناورة والاستنزاف بأسلوب حرب العصابات لكي يحرم الجيش السوري من الاستفادة من قوته النارية.
بالرغم من كل الضجيج الإعلامي للقرار الأممي، ومن دون شك هو قرار مهم كونه أعاد نوعاً من الشرعية للدولة السورية، ولكن ليس بهذه البساطة تترجم تلك القرارات في ظل تزايد قوة المجموعات المسلحة، وقدرتها على إطالة الحرب والاستنزاف، خاصة إذا استمرت الدول الثلاث تركيا – السعودية – قطر بدعمها.
يؤسس القرار الأممي لحل إذا استكمل بنضوج الظروف الموضوعية، وتقاطعها مع الرغبات والمصالح الخاصة لكل دولة من الدول المعنية، والمنخرطة في الصراع، لكن يبقى دون تطبيقه وتنفيذه عقبات كثيرة ليس أقلها احتدام الصراع الإيراني-السعودي عقب تنفيذ السعودية حكم الإعدام بالشيخ النمر.
كما ينتظر حلول الخامس والعشرين من الجاري لمعرفة جدية القوى المعنية بالصراع في وضع اسس واضحة للحل السوري في مؤتمر جنيف-٣، وسيكون الموعد اختبار نوايا لكل من الدول صاحبة الموقف الملتبس خصوصاً منها الولايات المتحدة الأميركية.
وفي حال لم توضع أسس حل واضحة في الموعد المذكور، يرتقب أن يتصاعد الصراع، وسيستفيد المحور الأميركي-السعودي من المناورة التي يقوم بها بالإعلان عن الرغبة بالحل، لكن في الوقت عينه، يعقد الموقف بتصعيد من هنا في اليمن، ومن هناك في سوريا، مع رافد سياسي- إعلامي في لبنان يتجلى بالمواقف التصعيدية لقوى الرابع عشر من آذار، إن في فتح النار على "حزب الله"، أم في العودة إلى البروباغندا المعتادة لهذا المحور، والتي كانت ركيزتها القضية المركبة في مضايا السورية، وشن هجومات سياسية تلف وتدور لتستهدف حزب الله استكمالاً للهجومات السياسية عليه.
صدر القرار الأممي، لكن سيطول الوقت لمعرفة جدية التوصل عبره إلى حل. فإصدار قرار على الورق شيء، وخريطة الصراع الميداني التي تحدد كل الأمور، شيء آخر.
* كاتب لبناني