هي المرة الأولى التي تتخلّف فيها يا رفيق غسان عن المهمة؛ لقد آثرت الرحيل، وترجّلت عن صهوة جوادك، الذي ما هدأ أبداً. ترجلت، وعكّارك بأمسّ الحاجة إلى أمثالك، فيما وطنك لبنان يواجه أزمة وجودية، بفعل سياسات حكّامه ونظامه السياسي الذي أوصل البلاد إلى حافة الانهيار. ستفقدك ساحات النضال الوطني قائداً صلباً ومناضلاً شيوعياً وصوتاً لم يعرف الهمس بل استمرّ عالياً وهادراً، لا يهدأ ولا يستكين أو يرتاح. سيفتقدك حزبك كواحد من كبار قادته وأحد جذور سنديانته الحمراء.

فعكار اليوم منكوبة ليس بفعل الإهمال المزمن والمتمكن من كل مفاصل حياتها اليومية، وليس من ظلم السلطات المتعاقبة، التي توارثت استمراريتها بفعل الولاءات والاستزلام. عكار منكوبة ليس بالفقر أو الظلم أو الحرمان فهي اعتادته، وأصبح مطبوعاً بوجدانها وعقلها، ومع ذلك، لم تراهن على سلطة سياسية أو منظومة حاكمة بأن تنصفها لترفع بعضاً من ظلم تاريخي وقع عليها. قدرها أن تؤاخي الصعوبات وتحاول تخطيها بقدراتها الذاتية وقدرات أبنائها، وأنت كنت في طليعتهم المناضلة.
لقد انقلبت المعايير معك يا دكتور غسان، فأنت الطبيب، ومن أوائل أطباء المنطقة؛ فعيادتك لم تكن ذلك المكتب المتواضع، والذي لم يكن يتسع لكل زائريه، يضيق بالمرضى والرفاق والأصدقاء، فتكاد لا تعرف مريضاً من زائر، ولا تدري مع من يتكلم «الحكيم»، أهو مريض أو رفيق أو شخصية عكارية جاءت لتناقش قضية سياسية أو مسألة اجتماعية؛ فالمشترك كان دوماً صوتك الذي لا تقف في وجهه أبواب مغلقة أو حتى أدوات قمع، وقد تعرّضت للكثير منها في مسيرتك النضالية. عيادتك الحقيقية كانت كل منازل عكار، فكنت الطبيب الجوال، تذهب إلى المحتاج أينما كان، وفي أحيان كثيرة مشياً على الأقدام، حاملاً السمّاعة وآلة الضغط وكيساً من الأدوية، كنت تتابع كل الأمراض، وفي طليعتها أمراض الفقر والحرمان المتمكنة من كل مفاصل الحياة ويومياتها، شاحذاً الهمم لرفعها عن كاهل فقراء عكار ولبنان.
لم ننس يا رفيق غسان عندما قرر الحزب ترشيحك للانتخابات النيابية الأولى بعد انتهاء الحرب الأهلية. لم يأخذ قرار الترشيح وقتاً أو نقاشاً في الهيئات الحزبية المعنية، لكن كان النقاش الأكبر معك، وأنت الذي كنت تناقش تفاصيل التفاصيل. لا أموال ولا إمكانيات مادية، والتي كانت عدة عمل ومفتاح معارك كل من أراد الترشح: فالنيابة هي للمتمولين أو للمتسولين على أبواب أصحاب الأمر في الداخل والخارج. أنت وحزبك لم تكونا من هؤلاء. رأسمالك كان صيتك وصدقك وموقفك وحزبك ورفاقك ومحبيك: لم ننس ذلك المواطن الفقير الذي جاءك إلى العيادة يحمل كيساً صغيراً ملفوفاً، وأعطاك إياه لتجد فيه أموالاً، وقال لك، ودموعه في عينيه، «آن أوان ردّ الجميل». نعرف كيف كان شعورك ورد فعلك. هذه كانت معركتك/ معركتنا، وعلى هذا النمط كانت عكار، تقاطرت إلى الصناديق وصوتت لك ولحزبك وتبرعت بالأموال، ومنحتك ثقتها؛ فقرارها كما أصواتها كانت إليك، فزت بمحبتهم قبل أصواتهم، وأعطتك الرقم المتقدم على الجميع، وإن كان لسلطات الأمر الواقع رأي آخر.
هذا أنت وهكذا كنت، وعليه زادت الضغوط، وتفتحت الأعين، كما يقولون، فالخطر في عكار، برأي أصحاب الأمر من المتسلطين، ليس معدلات الفقر المرتفعة وليست الصحة أو التعليم أو الطرقات أو الكهرباء... إنما ذلك «الخرق السياسي» الذي تحقق من خارج السياق المرسوم من قبل من بيدهم الأمر. وعليه كانت معركة 1994، معركة الانتخابات الفرعية. كانت «موقعة» بكل معنى الكلمة، لم يبق حزب أو نائب أو مرشح أو متنفذ إلّا واصطف وراء القرار «الواجب تنفيذه» لأصحاب الحل والربط. لم يبق لنا إلّا نحن وبعض الأصدقاء، وهنا كان التحدي الأكبر: لقد خضنا المواجهة وأنت عنوانها، وصوتك لم يهدأ أو يستكين، وهو يزور الشمال قرية قرية متحدياً، ورفاقك ومحبوك يصلون الليل بالنهار، لقد كانت يا رفيقي معركة «الكرامة»، كرامة إقران القول بالفعل والتعبير عنه حتى ولو كان السجن هو الخيار «الابتدائي» الذي بدأه أصحاب السلطة يومذاك.
لم تكن الطبيب أو المناضل أو المرشح أو الشخصية المحببة والمتواضعة فقط، بل كنت كل ذلك، وكنت أيضاً المشاكس والمجاهر بموقفك: صلب لا تهادن أو تساوم أو تجامل. عرفتك ساحات الوطن متقدماً الصفوف مدافعاً عن حقوق العمال والفلاحين والفقراء مطالباً بالخبز والعلم والحرية. عرفتك ساحة المواجهة في الصفوف الأولى، فكانت المقاومة في وجه الاحتلال خيارك الوحيد مدركاً ضرورة ربط التحرير بالتغيير كمسار واحد، لا يتجزأ. وها هو الوطن اليوم يمر في أزمة معقدة لن تنفع معها الحلول التجميلية؛ فأصحاب النظام والمنتفعون منه يجهدون للإجهاز على ما تبقى من حقوق الطبقات الفقيرة التي لطالما انحزت إليها، بالقول والفعل والممارسة؛ فمن انتفاضة الخبز التي قادها المناضل فريد الأشقر إلى منع الاقتتال الطائفي في عكار، إلى المؤتمر الشعبي العكاري... إلى مركز الشفاء الطبي الذي أسّسته ومجموعة من الأطباء كي تقدموا العلاج المجاني للمواطنين الذين كانوا يموتون على الطرقات طلباً للاستشفاء، إلى النجدة الشعبية اللبنانية، والتي أسست فرعها في عكار، وقدت مسيرتها الوطنية، إلى المشروع – الحلم الذي أطلقته ورفاقك ببناء مستشفى عام تابع للنجدة في عكار، والذي وُضع على طريق التنفيذ... محطات لامعة ومشرّفة لحياة مناضل شيوعي حتى العظم، ولطبيب استحق عن جدارة لقب طبيب الفقراء.
لقد عدّلت في المعايير ووضعتها في مكان سيصعب الوصول إليه عند الكثيرين؛ مثالك، من دون أدنى شك، سيكون مفخرة لعائلتك ورفاقك وحزبك ووطنك، لكنه في الوقت نفسه سيشكل إحراجاً لكثيرين، إذا أرادوا التماثل أو وقعوا في فخ المقارنة.
* عضو مكتب سياسي، مسؤول العلاقات السياسية في الحزب الشيوعي اللبناني