انقلاب الخارطة

لو تناسينا للحظات المعاني السياسية والتجارية والاستراتيجية للمواجهة التي تسخن باضطراد بين اميركا والصين، فإنّ هناك جانباً «ثقافياً»، غير محسوسٍ، للصعود الصيني ستكون له آثارٌ بالغة الاثارة ولا يمكن التنبؤ بها على مستوى الايديولوجيا والثقافات الشعبية وفكرتنا عن صورة العالم وخريطته. في مقدمة كتابه عن «طرق الحرير»، يروي المؤرّخ «غير التقليدي» فرانكوبان بيتر كيف عكست الخرائط، عبر الحقب، معادلات القوة والثقافة ومن يحتلّ مركز التاريخ. منذ أكثر من قرنين، مع عهد الثورة الصناعية والهيمنة الاوروبية، أصبحت الخرائط ترسم بمسقط هندسي يكون مركزه في»الشمال الغربي» من الكوكب (فتصبح اوروبا، أو الأطلسي، أو اميركا الشمالية مركز الخريطة، وتبدو غرينلاند فيها اكبر من افريقيا)؛ ولكن بيتر وجد خرائط من الماضي تختلف عنها كلّ الاختلاف. اطّلع المؤرّخ على خرائط اوروبية من القرون الوسطى يكون مركزها مدينة القدس، فيما كان الجغرافيون العرب يرسمون خرائطهم بـ«المقلوب» ويضعون منطقة بحر قزوين (الجسر الحضاري الذي يربط شرق اسيا بالمتوسط واوروبا) في منتصف الدنيا. بل إنّ بيتر قد وجد خريطةً قديمة جعلت نقطة المركز فيها مدينة اسمها «بالاساغون»، يكتب المؤرّخ أنّه «لم يسمع عنها من قبل، ولن تجدها في خرائط، ولم نكن حتّى متيقّنين من موقعها الى زمنٍ قريب وهي مع ذلك كانت تُعتبر، في يومٍ ما، قلب العالم».
أناقش هنا تأثيراً مشابهاً قد يحدثه الصعود الصّيني على فكرة «الاستثناء الغربي» و«المرجعية الغربية». كما قال سلافوي جيجك في محاضرة أخيرة له في جامعة نيويورك، فإنّ نموذج الصّين يمثّل تحدّياً حقيقياً على المستوى الايديولوجي. لديك ما يسمّيه «انتصارا هائلا» على المستوى الاقتصادي، عبر خلق كمية من الثروة لا يمكن تصديقها خلال عقودٍ قليلة والاقتراب من هدف «اللحاق» بالغرب على المستوى التكنولوجي والعسكري. وفي الوقت ذاته، فإنّ هذا «الانتصار» قد تم تحقيقه على يد حزبٍ شيوعي. قد يقال إنّ النمو الصيني حصل بشروطٍ سوقية «رأسمالية»، وليس عبر الاشتراكية، يقول جيجك، ولكن لا يجب أن ننسى أنّ هذه العملية بأسرها كانت تحت التحكّم السياسي اللصيق للحزب الشيوعي، ولولا هذه المنظومة، يضيف جيجك، ولو أن الصين «تلبرت» سياسياً في السبعينيات، لما كان النظام البديل - بحسب الفيلسوف السلوفيني - قد قاد مثل هذا الانجاز. حين تصبح الصّين «منافساً» (بناها التحتية هي الأفضل في العالم، ومدنها هي الأحدث، واقتصادها يناطح أي قوة غربية) فإنّ النتيجة الأولى لهذا التحوّل ستكون في تحطيم فكرة «الاستثنائية الغربية» واحتكار الغرب للحداثة، وكامل البضاعة الايديولوجية التي رافقت هذا الايمان لما يقارب القرنين من تاريخنا. حتّى اليوم، ظلّ «الغرب» هو المرجعية الوحيدة للقوّة والنجاح والتقنية في العالم الحديث. قلّة من خارج هذه المنظومة تمكّنت من اللحاق بـ«العالم الصناعي»: تجربة اليابان تُدرس منذ زمنٍ على انّها «استثناء» تاريخي لبلدٍ فريد؛ فيما حجم كوريا وتايوان كان أصغر من أن تتحولا الى «نموذج» يمكن تعميمه في الجنوب (ولأنّ نجاحهما قد حصل تحت الوصاية الأميركية، فإنّ تجربة البلدين قد تمّ استثمارها للحثّ على المزيد من الالتصاق بالنظام الغربي).
«الاستثنائية الغربية»، كما سنشرح بعد قليل، كانت السلاح الايديولوجي الأقوى في القرن العشرين. ضع جانباً النظريات الاكاديمية ونقاشات المثقفين، على المستوى الانساني العام لا شيء يبهر أكثر من القوّة، ولا شيء يدفع الى الدونية والتقليد مثل النّجاح. كان يكفي أن تري اوروبا ثروتها وسطوتها و«استثنائيتها» حتى تولّد لدى عموم النّاس تأثيراً أعمق وأبلغ من الكتب والحجّة والعبارات. هم وحدهم من نجح، وهم وحدهم في قمّة العالم، والنّاس من عادتها أن تماري بين القوّة والحقيقة. لا بدّ، اذاً، أنّ نظامهم أفضل، وثقافتهم أصلح، وعاداتهم أحسن، وحضارتهم أرقى، وعلينا أن نتمثّل بهم. هكذا ردّدت أجيالٌ من الحداثيين العرب؛ فيما زعم خصومهم العكس تماماً: أن نجاح الغرب هو نتاج سطوٍ وعنف، وعاداته فاسدة، وديمقراطيته مزيفة، وروحه ميتة ومجتمعه بائس، وعلينا أن نعاكسه وأن لا نأخذ عنه. في الحالتين، رغم التناقض، فإنّ السرديتين عكستا السياق التاريخي الذي خرجا منه، وهو المركزية الاوروبية وتربّع اوروبا والغرب، من دون منازع، «في مركز الخريطة». «ترييف الغرب» وتحويله الى مجرّد «إقليم آخر» (استيحاءً من العنوان الشهير لكتاب ديبِش شاكرابارتي «ترييف اوروبا») لن يحصل عبر حركةٍ فكريّة، أو بفضل نظرية بعد كولونيالية في الجامعات (هذه الأمور تأتي لاحقاً)، بل حين تميل الموازين الباردة للقوة والاقتصاد والتقنية، ولا يعود «الاستثناء الغربي» ماثلاً. استطراد هنا، وعلى ذكر «العنوان الشهير» لشاكرابارتي: على حدّ قول المؤرّخ الاميركي جون فولّ، فإنّ إحدى المهارات الأكاديمية الضرورية في عالم الانسانيات اليوم هو أن تصغ لكتابك عنواناً يشرح، في ذاته ولوحده، مجمل الفرضية التي تودّ ايصالها من خلال العمل. عنوانٌ بارعٌ من هذا النّوع كفيلٌ، وحده تقريباً، بأن يضمن انتشار كتابك وشعبيته، وذلك لسببٍ بسيط، هو أنّه يسمح للنّاس باقتباس عملك واطروحتك من غير أن يقرأوا الكتاب. و«المعلّم الأكبر» في هذا الفنّ والنموذج الأرفع له هو، بالطّبع ومن دون شكّ، بينيديكت أندرسون وكتابه عن القوميات - «جماعات متخيّلة» (من منكم قد قرأ، أو سمع عن، أيّ شيءٍ آخر كتبه أندرسون؟). وأنا نفسي، بهذا المعنى، لم أكن سوى واحد من آلاف الطلّاب الأغرار في جيلي، الذين كانوا يرمون باسم أندرسون عند كلّ فرصة، ويقتبسونه بالطول وبالعرض - في أي نقاشٍ أو استعراضٍ أو تنظيرة - قبل أن يقرأوا منه حرفاً واحداً.

مرحلة انتقالية
تنظر أكثرية المواطنين في الغرب الى موضوع الصين، ببساطة، من زاوية المصلحة القومية والتزاحم على النفوذ، ولكن المثقفين يحاولون اخراج «التحدي الصيني» عبر تنظيرات مختلفة. البعض يتكلّم عن تهديد «النموذج» الصيني لفكرة الديمقراطية الليبرالية (الانجاز الاقتصادي لنظام سلطوي ونهاية الربط بين النجاح وبين الديمقراطية، الخ). «ايكونوميست» هذا الأسبوع، في تحقيقٍ طويل، تتحدّث عن القفزة العلمية في الصين وعن احتمال تكرار ما فعلته اميركا في أواسط القرن العشرين، حين اندفعت خلال سنوات الى قمة البحث العلمي في العالم (وتتساءل المجلّة: هل يمكن إثبات أن التفوق العلمي ممكنٌ في نظامٍ يمنع «حرية الفكر»؟). في الحقيقة، فإن بعض هذه الأسئلة ليس حقيقياً أو نزيهاً: نحن نعرف منذ زمنٍ، على عكس ما يلمّح جيجك، بأنّه لم تثبت علاقة سببية (أو حتى علاقة تلازم احصائية) بين الديمقراطية وبين النمو الاقتصادي، والكثير من الدول (ومن بينها كوريا وتايوان) حققت قفزتها في ظلّ أنظمة سلطوية. سؤال «ذا ايكونوميست» هو الآخر سؤالٌ ضحل، فالاتحاد السوفياتي (بموارد أقلّ من الغرب بكثير) استطاع خلق نهضة علمية عبر التخطيط ورعاية الدّولة، واميركا هي التي استلهمت من النظام السوفياتي في تصميم الدعم الحكومي للأبحاث، وليس العكس. أمّا من يقلق على «الديمقراطية» و«المثل الغربيّة» فهو لا يفهم، على ما يبدو، بأنّ هذه الأمور تسير في الاتجاه المعاكس: مفهومنا عن الديمقراطية والنظام الشرعي و«المثل العليا» والحياة الجيّدة تقرّره القوة والنظام المهيمن والثقافة السائدة في العالم. ما نشهده هنا، قبل أيّ شيء، هو ليس تحوّلاً في المبادئ والايديولوجيا أو هزيمةً للمثل العليا وسيادة الشعب (كأننا كنا نعيش في عالمٍ أفلاطوني في ظلّ هيمنة الغرب)، بل في «خارطة القوة»، أو بداية تحوّلٍ حتى، ستتبعه ارتداداتٌ لا تحصى في الايديولوجيا والثقافة.
المسألة تمسّ بعمق نظرة الغربي الى نفسه، خاصّة بعد أن صدّق (مثلنا) السرديّة عن استثنائيته وتفوّقه واستحقاقه لتسيّد العالم، وارتاح اليها واطمأنّ لها. ولكنّها تمسّ ايضاً، وبالدرجة نفسها، نظرتنا نحن الى ذواتنا والى العالم الذي نعيش فيه. تخيّلوا حجّة الغرباوي العربي، في أي موضوع، من دون نموذجٍ غربيٍّ يشير اليه باستمرار، متفوّق وثريّ و«حضاري» بشكلٍ لا مراء فيه. المسألة هنا لا تتوقّف على نقاشات المثقفين والايديولوجيا، بل عنّ حالة وجودية كاملة تعتمدها الشعوب الضعيفة أمام المنتصر: من أسلوب الحياة الذي نسعى اليه الى اللغات التي نتعلمها ومقاصد الهجرة، وصولاً الى حالة ذلك المفتي المصري منذ أكثر من قرن، الذي ضرب الأرض بعمامته ساخطاً، وهو يرى الناس من حوله (وبخاصة في الطبقات العليا) تستغني عن اللباس التقليدي وتشتري الأقمشة الانكليزية والبنطال، حتى أصبح مظهره غريباً بينها.
مع تصاعد العداء الغربي للصين سنجد، بالطبع، أصواتاً في الثقافة العربية تعكس هذه العدائية وتترجمها، والصّين - من الناحية الأخرى - لم تستثمر بعد كالغربيين في استمالة قطاعٍ من المثقفين اليها. مع ذلك، نجد أصواتاً عربيّة كثيرة، ولأسباب مختلفة، تشجّع وتبني الآمال على صعود الصّين. هناك قسمٌ يعلّل بأنّ إضعاف الأحادية القطبية لن يكون الا في صالحنا (ولو بمعنى أنّ امبرياليتين أفضل من امبريالية واحدة)، البعض الآخر يعتبر أنّ الصّين، في النهاية، ستكون حليفاً طبيعياً لنا في دول الجنوب، وجزءٌ يذهب أبعد الى القول بأن الصّين لا تزال قوّة اشتراكيّة يحكمها حزبٌ شيوعيّ، وأنّ نهج الرئيس الحالي يمثّل عودة الى الماركسيّة ومبادئ ماو. فيما قسمٌ أخير ينطلق ببساطة من فكرة أنّ كلّ ما يؤذي اميركا هو جيّد، خاصّة إن جاء من قوّة آسيوية، لا تحمل عداءً خاصّاً تجاهنا أو تملك علاقة روحية مع اسرائيل. أنا شخصيّاً أعلّق الحكم وأنتظر، وأميل الى تفسير عقيدة تشي جينبنغ لا عبر أصولية ماركسية مفترضة لديه، بل عبر نظرية الباحث الصيني جوون تشو عن «التيار الشعبوي» داخل النظام. أيّ أن الأجنحة في النظام الصيني لم تكن منقسمة الى «رأسماليين» و«اشتراكيين جذريين» فحسب، بل بينهما تيّار قوي يسمّيه تشو «الشعبوي»؛ لا يعادي الرأسمالية من حيث المبدأ ولكنه يعادي «تطرفاتها»، ويريد حماية الناس من أشكالها المنفلتة وابقائها تحت «رقابة» الدولة وتحكمها، حتى تخدم أهداف النظام والأمّة. وهذا التيار - بحسب تشو - شكّل كتلة قوية ومقرّرة في الصراع السياسي الداخلي منذ الستينيات، وأعتقد أن سلوك جينبينغ فيه الكثير من صفات هذه الفئة (وحين يتبيّن خطأي، وتعلن الصّين عن جبهة عالمية ضد الهيمنة، مثلاً، وتخرج من هيئة مشروعٍ قومي متمحورٍ حول نفسه - وحين يحصل ذلك، سنعرفه منهم وبوضوح - سأكون في الصفوف الأولى رافعاً صورةً لماو).

خاتمة
خيار اللغة الأجنبية قد يشكّل مثالاً مناسباً عن ما نقصده. لقد بدأت، من ناحيتي، بتعلّم اللغة الصينيّة. فلنكن صادقين، نحن في لبنان تعلّمنا الفرنسية والانكليزية لأسباب استعماريّة ونفعيّة، وليس لكي نقرأ موليير ونستمتع بشعر بودلير، بل لأنّ اتقان اللغة كان شرطاً أساسياً للنجاح والارتقاء المادّي (في التراث الصيني ايضاً، بالضرورة، شعر عذب وكتّاب عظام، ولكننا لا نعرفهم). الاخلاص بعناد للغة «السيّد الأوّل» هو ضربٌ من التفاهة، وقعنا ضحيته حين ظللنا، حتى أواسط التسعينيات، نجبر على تعلّم الفرنسية باعتبارها «لغة العالم الخارجي». ظلّ في لبنان من يؤمن بتفوّق فرنسا، ويقنعنا بضرورة الحفاظ على الفرانكوفونية وصيانتها كأنها تراث، حتّى بعد أن تخلّى الفرنسيّون أنفسهم عن هذه الأوهام. لم يكن تعلّم الفرنسية بالنسبة الى أغلبنا (أي من لا يملك امتيازاً طبقيّاً ليكبر وهو يرطن في المنزل باللغات الأجنبية) متعةً أو ترفاً، بل كانت فرضاً اجبارياً مكروهاً، وأسوأ ما في طفولتنا (وأنا ولدت في جنوب لبنان عام 1980). ثمّ كبرنا لنكتشف أننا افنينا شبابنا ونحن نصارع القواعد المجنونة للغةٍ لن تنفعك الّا في فرنسا (وهي بلدٌ يشهد منذ زمنٍ طويل، وعلى مختلف المستويات، انحداراً تاريخياً)، وغرب افريقيا، وأحياء معدودة في بيروت.
التحوّلات التاريخية تأخذ وقتاً لكي تترجم في عادات الناس اليومية ونظرتهم الى الأشياء، ولكن الواضح هو أنّ أبناءنا سيكبرون في عالمٍ مختلفٍ (بمعنى اليقينيات والبديهيات) عن ذلك الذي عرفناه. المواجهة بين الصين واميركا ستأخذ حياةً خاصّة بها، وتقرّر (بحسب سلوك الاميركيين وخيارات الصينيين) مصير المرحلة التاريخية القادمة. سيكون عالماً مختلفاً تزول فيه الكثير من المسلّمات وتخرج منه، بالضرورة، احتمالاتٌ جديدة - في النظرة الى الاقتصاد، والديمقراطية والسياسة، وبنية العالم وتراتبيته (وهذا، في ذاته، يستثير رعب العديد من النّخب). هنا، ايضاً، فرصةٌ لنا لكي نجد لأنفسنا مكاناً صحيحاً في العالم الجديد الذي يتشكّل، حتّى لا نكون - بمعنى «الدور التاريخي» - في مقام «المستنقع» الذي تغرق فيه الامبراطورية، والجدار الذي يكسر عسكرها بجسده، بلا مقابل، حتّى يقوم آخرون بـ«اللحاق» والتقدّم والحلول مكان الأقوياء.