لماذا لم يُصفِّ اعبابو الملك؟! ذلك هو اللغز الأكبر في انقلاب الصخيرات! لقد حاصر اعبابو المكان الذي يختبئ فيه الحسن بفصيل من الجنود، لكنه لم يُقدم على الإجهاز عليه، أو أسره على الأقل؟! ثم غادر الكولونيل المتمرّد القصر الملكي مع أكثرية جنوده، قبل أن يقبض على الحسن، وأوفقير، والدليمي؟! ألم يكن أحرى به أن يعتقل هؤلاء، ويحتفظ بهم ليكونوا في متناول يده، أو يتخذهم رهائن، كما صنع مع جنرالات الجيش الأربعة الذين أخذهم معه إلى الرباط؟! هل تردّد اعبابو في اللحظة الحاسمة، وعظُم عليه قتل الملك؟! لا، ليس اعبابو من يتردد. هذا رجلٌ مضى في مغامرته الدموية حتى النهاية، من دون أن يطرف له جفن. ومتى كان اعبابو يعبأ بالحسن حتى يعظُم قتلُه، في عينه؟! كلا، ليس اعبابو من يترفّق بالحسن. ومتى عرف اعبابو الإشفاق والترفق؟! هذا رجلٌ لم يرحم من هم أقل شأناً وخطراً من الملك، فصفّاهم في الصخيرات، بدم بارد. هل خطِل اعبابو، في المعمعة، فارتبك، فتاهت حساباته، وطاش تدبيره؟! هل أساء التقدير، وتهاون في أمر خطير يتعلق بمصير الملك؟! هذا أيضاً شيءٌ مستبعد. رجلٌ تخرّج من مدرسة القيادة العامة العسكرية بباريس، وتخصّص في التخطيط، وإدارة المناورات الحربية، ليس غِرّاً. لا يسهو اعبابو في عملية انقلاب عن هدفٍ كالملك. يدري الرجل جيداً أهمية القضاء على الملك. لو تمّ له ذلك، فسيخلق فراغاً لا يستطيع أحد أن يملأه، في نظام المخزن كله. فلماذا إذاً ترك اعبابو الحسن، ولم يمسّه بسوء، رغم وقوعه فريسة سهلة بين يديه؟! الجواب هو أنّ اعبابو قدّر بأنّ الملك الحبيس صار بالفعل رهينة بائسة، وأنّه لم يعد له حول ولا قوة. فلِمَ يتعجل في قتله؟ لقد أراد اعبابو الاحتفاظ بالملك ورقةً في يده، يستعملها أنّى أراد، أو يحرقها إن شاء. وإنّ أمراء الأسرة العلوية الآخرين - كبارهم وصغارهم- أصبحوا، هم كذلك، في قبضته. وليس بينهم من يمثّل خطراً عليه. وحسب اعبابو أن المخزن، بكل أركانه، قد وقع في مصيدة قصر الصخيرات. فليدع الجميع داخل المصيدة، وليمضِ هو ليكمل مهمّته. إنّ الخطوة الثانية، بعد تحييد الخصم، وتجريده من عناصر مقاومته، هي السيطرة على مراكز السلطة في البلاد: القيادة العامة للقوات المسلحة التي تدير وحدات الجيش في الأقاليم، ووزارة الداخلية التي تمسك بأجهزة الأمن العام، وهيئة البريد والبرق والهاتف التي تتحكم بشبكات الاتصالات، والإذاعة والتلفزة التي تؤثر في صناعة الرأي العام... إنّ اعبابو إذا أحكم سيطرته على هذه المواقع، أمسك بعصب الحكم، وزمامه. وتلك مهمة لا تحتاج إلى أكثر من سويعات حتى تكتمل. وما دام القصر قد دان له، وكلّ من فيه صاروا أسرى، فإن مهمّته في الرباط ميسورة ممهّدة. فإذا بسط اعبابو قبضته على مراكز الدولة، رجع بعدئذ إلى الصخيرات، ليرى رأيه في من يعيش، ومن يموت. وأمّا إذا اعترض طريقه أمر لم يكن في حسبانه. فإنّ وجود الملك رهينة بيده، يمكن أن يحلّ العقد، ويذلّل الصعوبات. وكذلك أمر اعبابو شقيقه محمد بأن يحرس قصر الصخيرات، ويمسك كل من في داخله: الملك وأسرته، وأعضاء الحكومة، وقادة الجيش وأجهزة الأمن، وزعماء الأحزاب السياسية، والسفراء والقناصل... فإذا لم يرجع إليه، بعد الساعة الثامنة مساء، فعلى الأخ أن يجهز على كل الأسرى (1).


حيلة القرآن
رمق الحسن الجنود الذين كلِّفوا باحتجازه، والتحفظ عليه. إنهم فتية تطل الحيرة من عيونهم. راقب الملك يد أحدهم، وهي تحمل السلاح، لكنها ترتعش. ليس الأسير أشدَّ وجَلاً من آسره! دوّت رشقتا رصاص في مكان غير بعيد، فاستنفر الجنود، وتلفتوا بحثاً عن مصدر الطلقات. انكشف ارتباكهم للملك. ليسوا سوى عصابة من التلاميذ الصغار في مدرسة اهرمومو العسكرية، لا يدرون ماذا يَصنعون، أو ماذا يُصنع بهم. قال لهم الملك بصوت خفيض، ووَدود: «انتوما أولادي». نظروا إليه وجلين متهيّبين. لا أحدَ منهم رأى الملك، قبل هذه الساعة، رأيَ العين. لم يعرفوه إلّا صورة ضخمة في برواز، تطلّ عليهم شامخةً، سامية، مرتفعة. وها هو الآن قبالتهم، وبين أيديهم. من كان يتصوّر أن يحدث كل ذلك؟! جعل الملك يهدّئ من روع الجنود، ويطمئنهم. قال لهم: «ما تخافوش. ما تخلعوش. غير تهدّنوا (اهدأوا)». ران عليهم الصمت، ثم تكلّم أحدهم مخاطباً الملك: «سيدي، قال لينا الكولونيل اعبابو بلّي انت فْ خطر، وخاصنا نحميوك». التقط الحسن الدلالة التي لمعت في كلمات الجندي، فقال: «مزيان. حنا دابا لاباس (نحن الآن بخير). أنا على خير، ما حدّي (ما دمت) معاكم. وأنتوما على خير، ما حدكم معايا». أطرق الجنود بصرهم، وأرخوا أعينهم، وأمسكوا عن الكلام. لم يشاورهم رؤساؤهم في هذه المُلِمّة، ولم يرشدهم أحد إلى كيفية التصرف في مثل هذه البلوى. لقد أُمِروا، فائتمروا. قال الحسن لهم: «يا الله نقراو سورة الفاتحة. هي أم القرآن، وهي كا تشافي من الهم والضيق والأحزان». بادر الملك، فرفع يديه إلى صدره، وجعل يتلو الفاتحة، وتبعه الجنود فقرأوا كما قرأ. قال لهم: «ادعيوا ربّي معايَ: اللهم اجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وجلاء أحزاننا، وذهاب همومنا وغمومنا». أمّن الجنود على دعائه.

قدّم اعبابو للمطرب المصري ورقة عليها البيان رقم واحد قرأ عبد الحليم الكلمات، وظهر على وجهه الجزع

رمقهم الحسن بعينين فاحصتين تسبران أغوارهم، وقال لهم: «أنا الملك ديالكم، وأنتوما العسكر ديالي، فما تخافوش». أومأوا برؤوسهم موافقين. وبادر أحدهم بأداء التحية العسكرية للملك، فتبعه الآخرون، وصنعوا مثله. مدّ إليهم الحسن يده ليبوسُوها، فتلقّفوها مقبّلين. تنفس الحسن الصعداء. إنه الآن من يسيطر على هؤلاء الجنود. هل عاد حظه يبتسم من جديد، بعد ساعات النحس والشؤم؟! لقد أعانته هيبته، بلا شك، وأسعفته حنكته، وأنجدته آيات قليلة من القرآن، لكنّ الطريق إلى النجاة ما زال بعيداً. قال الحسن لجنوده: «واش بانولكم les camarades ديالكم؟ (ماذا عن زملائكم؟) باقين مخلصين لله والملك والوطن؟». قال رقيب للملك: «سيدنا، كاينين des officiers ضدك، وباغيين ليك الشر. (بعض الضباط ضدك، ويريدون لك الشر). لكن أغلبية les sous officiers ديال المدرسة راهم مخلصين ليك، أ سيدنا». سأله الملك: «واش تقدر تعرف (هل تستطيع أن تميّز) المخلصين من الخونة؟!». أجاب الرقيب: «نعم، سيدي». أمره الحسن أن يذهب إلى من يثق فيهم من أصحابه، ويعلمهم بأن الملك بخير. وأن يراقب ردة فعلهم. فإن اطمأنّ لهم، فليجئ ببعضهم إليه. كانت تلك مخاطرةً، وقد جازف بها الحسن، فإمّا أن تصيب أو تخيب. جلب الرقيب معه بعض الجنود الآخرين، بعد دقائق، ليقابلوا «سيدنا». شيئاً فشيئاً، تكاثر العساكر حول الملك، وأخذوا يهتفون بحماسة: «عاش الملك، عاش الملك». استعاد الحسن رباطة جأشه، واستجمع سلطانه عليهم. مدّ إليهم يده، فقبّلوها، وبعضهم انحنى إلى ساقه. خطب الملك فيهم، وقد عاد إليه ثباته: «ما لكم؟! واش مشى ليكم العقل؟! (هل فقدتم عقولكم؟!) واش حماقيتوا كاملين؟! (هل غدوتم كلكم مجانين؟!) أنتوما أولادي. أنتوما ضباط الجيش الملكي. أنتوما أولادي». زاد الهتاف: «عاش الملك، عاش الملك». تذكر الحسن حيلة القرآن، فأحب أن يعيد نفس اللعبة الرابحة. قال لهم: «يا الله نقراو الفاتحة جميع». جعل الجنود يقرأون. قال لهم الحسن: «تبعوني. تبعوا الملك ديالكم». قادهم إلى المكان الذي قبع فيه أوفقير، وبقية الوزراء. كان المشهد عجيباً. هذا الملك الذي مضى به جلّادوه إلى الإعدام، عاد ووراءه الجلادون يهتفون له! قال الملك لوزير داخليته بالفرنسية: «جنرال أوفقير. قم! إنني أخوّل لك استعمال جميع سلطاتي المدنية والعسكرية. تولّ إنهاء هذه القضية».

«أقبل اعبابو علينا»
أخذ عبد الحليم حافظ يتمايل طرباً، وهو يسجّل أغنية في استديو في الإذاعة المغربية. كان مطلع تلك الأغنية التي يحضّرها الفنان المصري لحفلة المساء في قصر الصخيرات، كالتالي: «أقبل الحَسن علينا/ ومن الحُسن ارتوينا». فجأة أقبل اعبابو، ودمدم الرصاص في أرجاء المكان. لم ينتبه عبد الحليم لما يجري، فقد كان يضع السماعات على أذنيه. وظلّ الرجل يغني، غير آبه بما يجري من حوله. غير أنه سرعان ما فزع عندما رأى جنوداً يقتحمون الأستديو الصغير، ويشهرون أسلحتهم في وجهه. تقدّم نحوه اعبابو، وقال له: «ماشي انت أذاك المغني المصري المبنّت (المخنّث) اللي كا يجي كل عام، باش يغني للملك؟!». لم يفهم عبد الحليم الشتيمة في كلمات الضابط المغربي، فأجابه مرتبكاً، وهو يظن أنه يزكّي نفسه: «أيوه يا فندم. أنا عبد الحليم حافظ. والملك الحسن صديقي». نظر إليه اعبابو شزراً، وقال له متهكّماً: «مزيان. كا نعلمك آ السي عبد الحليم باللي صاحبك الملك مات. وانت اللي غادي تعلم الشعب بهاذ الخبر. غادي تقرأ البيان من الإذاعة، كا يعلن انتهاء الملكية، وقيام الجمهورية المغربية». قدّم اعبابو للمطرب المصري ورقة كتب عليها البيان رقم واحد. قرأ عبد الحليم الكلمات، وظهر على وجهه النحيل الجزع، فأخذ يتوسل لاعبابو قائلاً: «يا فندم، أنا راجل ما ليش في السياسة. أنا فنان. أغني، وبس. ثم أنا مش مغربي من الأساس. أنا فنان مصري. فما فيش داعي تدخلوا مصر في مواضيع داخلية تخص المغرب». ظهر الحنق على اعبابو. كان سلاحه مشهراً، وإصبعه متأهّب للضغط على الزناد. اصفرّ وجه عبد الحليم حافظ، وبدا كأنه سينتحب. جعل يتضرع، ويسترحم اعبابو قائلا: «أنا راجل مريض يا فندم. والله العظيم أنا مريض، ولازم آخذ دوايا. لو ما أخذتش الدواء ممكن أموت. فربنا يخليك، يا فندم، سيبني أروح». (2) لم يستجب اعبابو، وبدا أن الموقف بينه وبين عبد الحليم يتأزّم، وينذر بكارثة. أنقذ رجل ضرير كان موجوداً داخل الأستديو المطرب المصري الشهير. كان ذلك هو الملحن المغربي عبد السلام عامر. تطوع الرجل لإلقاء البيان. حفظ الكلمات، وسجّلها بصوته استعداداً لإذاعتها.
أمر اعبابو الفنيين في الإذاعة ببث موسيقى عسكرية لتكون تمهيداً مناسباً للبيان الهام الذي سيعلن قيام الثورة. حار موظفو الإذاعة في أمرهم. كانوا متعودين، في برنامج «ما يطلبه المستمعون»، على تلبية طلبات موسيقية متنوعة يرغب بها الجمهور. لكن أحداً، في المغرب، لم يطلب منهم، من قبل، بثّ المارشات العسكرية! ولم يكن على المذيعين المساكين إلّا أن يلبّوا رغبات الكولونيل المتجهم الوجه. سألوه عن اسم القطعة الموسيقية التي يودّ إذاعتها. فكّر اعبابو، وتذكر معزوفة «la galette» الفرنسية. طلب منهم بثها، فكان له ما أراد. على غير انتظار، وصل أخوه محمد إلى مقر الإذاعة، وهو مذعور. سأله الكولونيل اعبابو غاضباً: «علاش جيت لهنا؟! ما قلت لكش تبقى فالقصر حتى نرجع؟». أجاب محمد على أخيه باللغة الفرنسية، وقد ظهرت في عينيه الحسرة: «ظهر الملك. واستولى على ضباط الصف. لقد اتبعوه، وصاروا يهتفون له. لم يعد يستمع لي أي واحد منهم. هربتُ بجلدي. لو بقيت في الصخيرات لقتلوني. والأسوأ، أنهم يتهيؤون للقدوم إلى الرباط، للقضاء علينا». أطرق اعبابو قليلاً، ثم انطلق نحو سيارته العسكرية، وهو يقول بالفرنسية: «عليّ أن أعود بسرعة الآن إلى مقر القيادة العامة، لأعالج الموقف من هناك».

«بلدُنا محسود!»
بعد أن استتبّت الأوضاع، في قصر الصخيرات، غادره الملك بصحبة أفراد عائلته. فكّر في مكان آمن يمضي فيه ليلته. واستقر رأيه أن يتخذ من قصر أخته للا فاطمة الزهراء مقرّاً. وهكذا انتقلت الأسرة العلوية بكافة أفرادها إلى هناك. وفيما أخذ الحسن يصدر أوامره لجنرالاته: أوفقير، وحفيظ العلوي، وإدريس بن عمر، بغية القضاء على آخر جيوب الانقلابيين، كان شقيقه عبد الله يتعذب من الألم الذي تسببت فيه أربع رصاصات اخترقت يده اليمنى وساقه. اقترب طبيب فرنسي من الملك قائلا له: «إنّ أخاك يحتاج إلى مضادات حيوية، وإلا فإنّ يده ستتعفن بالغنغرينا». أهمل الملك سماع تحذير الحكيم، فأعاد الأخير عليه طلبه. عبس الحسن، واستدار إلى الرجل غاضباً، وقال له: «اسمع أيها الطبيب، إنني الآن مشغول بما هو أهم من الغنغرينا. هناك عرش عليّ أن أستردّه». لم يكتف الملك بالكلام، فنادى جندياً يحرس المكان، وأمره بأن ينزع حربة مثبتة في بندقيته، ويعطيها له. امتثل الجندي لما أمره الملك به. فأخذ الحسن الحربة، ورمى بها نحو الطبيب، قائلاً له: «بما أنك تريد أن تخبرني عن مشكلة الغنغرينا، فلديّ حل لها. خذ هذه المُدية، وابتر بها يد الأمير» (3). حزّت تلك الكلمات في نفس الأمير عبد الله. كانت علاقته بشقيقه يشوبها جفاء قديم. وكان يعرف في أخيه غلاظة الطبع، وفظاظة الكلام، لكنه لا يصدّق أن تصل استهانته به إلى ذلك الحدّ. قال عبد الله لأخيه، وهو حزين: «هل تذكر، أيام كنّا في مدغشقر؟ أو تذكر يوم هاجمك التمساح؟ كان يجب أن أتركك حينها لتتدبّر أمرك معه!». وجم الحسن، وقد تذكّر موقفاً لأخيه أظهر فيه شهامة وشجاعة.

تولى الجنرالان أوفقير وإدريس بن عمر العلمي الإشراف على تنفيذ الإعدام


جاء البشير، في تلك الليلة الليلاء: «لقد قتِل اعبابو، في مقر القيادة العامة للقوات المسلحة. مات الخائن في تبادل لإطلاق النار بينه وبين الجنرال البوهالي. وتشتت جنوده، وانهزموا، يا سيدنا». زفر الحسن. لقد عاد الآن ملكاً. وإنه اليوم ملكٌ أكثر من البارحة! وغداً سيرى المجرمون عاقبة عصيانهم، وتمرّدهم. في اليوم الموالي، 11 تموز/ يوليو 1971، خطب الحسن في شعبه العزيز قائلاً: «إن بلدنا محسود. وإن الغبطة التي نعيش فيها لا يريدها لنا كثير من الناس. وهكذا سمعتم أن بعض الإذاعات، وعلى رأسها إذاعة ليبيا، بمجرد ما سمعت خبر العملية، صارت تصرح وتقول إنها بجانب الثوار، وأن جيشها بجانب المشعوذين. وهكذا ترى، شعبي العزيز، حينما أقول لك: كن يقظاً، كن على بيّنة من أمرك، حتى لا يعبث بك العابثون، لم أكن من الذين يزيدون أو يطنبون في الكلام. ولقد كنتَ اليوم، يا شعبي العزيز، ستُمسي يتيماً، ولكنّ الله سلّم». في ذلك اليوم تقاطرت برقيات التهنئة بسلامة جلالة الملك، نصره الله. وجاء الملك حسين من الأردن إلى المغرب، ليقف بجانب «ابن عمه»، في هذه المحنة. كانت علاقة الحسن والحسين عجيبة، فبقدر ما أظهر الحسين تواضعاً مع الحسن، أبدى الآخر تعالياً. وبقدر ما أبدى الحسين إكباراً للحسن، نظر إليه الآخر باستصغار. وكان يحلو للحسين أن يقول للحسن: «يا ابن العم»، وكان يحلو للحسن أن ينادي الآخر: «يا حسين». وكثيراً ما اعتبر الحسن الأردن مملكة مزعومة، وسخر من حاكمها الفقير المسكين.. وكثيراً ما رأى الحسين المغرب مملكة فخمة، وودّ لو كان مليكها.
في صباح اليوم الثالث بعد أحداث الصخيرات، اقتيد عشرة من كبار الضباط في القوات المسلحة الملكية، إلى ساحة إعدام، بالقرب من منطقة الهرهورة، على شاطئ المحيط الأطلسي. جاء الملك الحسن الثاني بنفسه مرتدياً جلبابه المغربي، وكان بجانبه «ابن عمه» حسين، عاهل الأردن، بلباسه العسكري. وقفا معاً فوق ربوة يتابعان عملية إعدام الخونة. حضر طاقم من الإذاعة والتلفزة المغربية خصيصاً لتصوير مشهد الإعدامات، وعرضها على الشعب. وكان هناك، في الميدان، كثير من الوزراء، وحشد من الضباط من مختلف الرتب العسكرية. تولى الجنرالان أوفقير وإدريس بن عمر العلمي الإشراف على تنفيذ الإعدام. نصِبت عشرة أعمدة خشبية ووقف قبالتها اثنا عشر جندياً يمثّلون الوحدات البرية والجوية والبحرية في القوات المسلحة الملكية. أخذ الجنرال حمو أمحزون يهتف بحياة الملك. ولكن من دون جدوى، فلقد اعتبره الحسن خائناً، في اللحظة التي مضى فيها مع اعبابو. ولم تشفع لحمو أمحزون قرابته من زوجة الملك، ولا إخلاصه وتفانيه في خدمة المخزن، ولا شهادة الشهود بأنه لم يكن إلا رهينة في يد اعبابو. سيق الضباط العشرة إلى الموت، وربطت أيديهم من الخلف في الأعمدة المنصوبة. كانوا يرتدون ملابسهم العسكرية، وعليها شارات رتبهم، وسريعاً ما انتزعت الشارات منهم، الواحد تلو الآخر. أخذ بعض الوزراء يبصقون على الضباط المقيّدين. لم يتورع الوزير الأول أحمد العراقي عن ركل الكولونيل شلواطي المكبّل، وصفعه. تقدم الجنرال أوفقير، وأعطى أوامره إلى فرقة الإعدام لكي تستعد. صاح فيه الجنرال بوغرين، قائلاً بالفرنسية: «احذر يا أوفقير. سيقتلك مثلما قتلنا. فلا تتركه...». لم يجب أوفقير على كلام صديقه الحميم في كلية أزرو. والتفت إلى جنود فرقة الإعدام الإثني عشر، وصاح فيهم، بالفرنسية: «انتبهوا! انتبهوا!». صوّب الجنود بنادقهم إلى صدور ضحاياهم. وهتف أوفقير: «نار.. نار».
* كاتب عربي

الهوامش:
(1) أورد محمد الرايس، في الصفحة 46، من مذكراته «من الصخيرات إلى تازمامارت: تذكرة ذهاب وإياب إلى الجحيم»، حواراً جرى، أمامه، بين الشقيقين اعبابو. كان الكولونيل امحمد يرى أنّ من الأفضل له أن يسير إلى الرباط، ولا يُبقي خلف ظهره أحداً في الصخيرات. وقال لشقيقه إنه يريد أن يطلق سراح السفراء الأجانب، ثم يعدم كل الأسرى المغاربة الموجودين في القصر. فإذا سار إلى الرباط، لم يجد فيها من يقاومه، بعد أن قضى على رؤوس المخزن جميعهم. بيد أنّ محمداً رفض تلك المجزرة التي ينوي أخوه تنفيذها. وبعد جدال، اتفق الاثنان أن يمضي امحمد إلى الرباط، ليكمل مهمة السيطرة على مؤسسات الدولة. في حين يبقى محمد في الصخيرات حارساً للرهائن إلى حين أوبة أخيه.
(2) كان عبد الحليم حافظ رجلاً مريضاً بالفعل. عانى من التليّف الكبدي. واحتاج دائماً إلى تناول أدوية منتظمة، وإلا فإن حالته تسوء. وحينما احتجز الانقلابيون عبد الحليم في مقر الإذاعة المغربية، أبقوه لساعات رافعاً يديه، حتى نال منه التعب والإرهاق. كان عبد الحليم واحداً من عشرات المطربين والعازفين والممثلين والراقصين الذين دعاهم الحسن لإحياء حفلة عيد ميلاده. وجعل الفنانون المصريون المجتمعون في فندق «هيلتون»، يلحون على السفير المصري في المغرب حسن فهمي عبد المجيد لكي يتدخل لإنقاذ عبد الحليم. واقترحت الممثلة المصرية شادية أن تذهب بنفسها إلى الإذاعة لتبحث عن زميلها المفقود. وتطوّع الملحن محمد الموجي للخروج من الفندق، في ذلك الظرف العصيب، وعدم الرجوع إلّا بصحبة رفيق دربه. وحده محمد عبد الوهاب من أبدى قلّة وفاء، وعدم اكتراث بمصير عبد الحليم حافظ. انتحى «موسيقار الأجيال» جانباً قصيّاً وبعبداً عن زملائه الحيارى. وأخرج سجادة، وانهمك في صلاة بلا نهاية. وكانت تلك طريقته الذكية للابتعاد عن الإحراج.
(3) Moulay Hicham el Alaoui, Journal d›un prince banni: Demain, le Maroc (Editions Grasset 2014) p:48

* الحلقة السابقة:
انقلاب الصخيرات [2]: الكابورال يَطَأ الجنرال!