تتقدم المفاوضات الإسرائيلية - الفلسطينية في إطار خطة كيري، في ظل انهيار شبه كامل للوضع العربي لا تخفيه تحذيرات خجولة من بعض القوى السياسية المعترضة، فلسطينياً وعربياً. وما لم تحصل مفاجآت ـ تظل ممكنة، وربما متوقعة، في رمال المنطقة المتحركة ـ فإن تصفية القضية الفلسطينية، واقعياً، ستكون أبرز «إنجازات» ما يسمى الربيعَ العربي. ولن يعود مهماً ساعتذاك تقاذف التهم عن المسؤولية بين خطاب فلسطيني «رسمي» يبرر قبوله بتشرذم العرب وضعفهم وخطاب «رسمي» عربي يتلطى خلف الموافقة الفلسطينية.


سيسرّ الليبراليون العرب لأنهم، بذلك، يتحقق حلمهم بسحب «شماعة» القضية من أنظمة «الممانعة»: سيتاح لعزمي بشارة اختبار خيارات أخرى، أكثر ديموقراطية وإنسانية، تتيح استعادة فلسطين خلال القرن المقبل وسيهدأ بال فواز طرابلسي لأنه سيجري، أخيراً، تجنيس الفلسطينيين وتوطينهم، من أجل فلسطين. «الثورجيون»، من جهتهم، لن يكونوا أقل سروراً، فهم واظبوا خلال العقدين الماضيين على توجيه النقد الليبرالي لقوى المقاومة أكثر من اهتمامهم في بناء القوة اللازمة لتحرير فلسطين. لكن الجوهري الذي سيحصل، أننا سنشهد على الأرجح انتهاء حقبة «فلسطينية»، بانتظار قيامة جديدة. سيفتح ذلك الباب أمام إعادة تصويب سياسات قادت إلى حروب ونضالات ومعارك خيضت خلال ما يزيد على نصف قرن من حياة العرب، وأوصلتنا إلى ما نحن فيه. دعاة «القرار الفلسطيني المستقل» يعرفون أن هذا الشعار لم يرفع في وجه أنظمة الخليج الرجعية التي كانت تموّل منظمة التحرير الفلسطينية. فهذه الأنظمة لم تكن يوماً معنية بالقضية الفلسطينية، بل كانت شعاراً في وجه دول الطوق إجمالاً، وخصوصاً في وجه سوريا، وأحياناً مصر. نجحت المنظمة والعديد من حلفائها اليساريين في خلق انطباع بأن الأنظمة العربية، المعنية بالصراع، غير جادة مثل الفصائل والتنظيمات الشعبية المقاتلة. جرى اعتبار الفصائل منزّهة وذات قيمة أخلاقية أعلى من الأنظمة. فالأولى هي، بالتعريف، أكثر ثورية رغم قيادتها اليمينية والثانية هي، بالتعريف، أكثر استسلاماً رغم استعداداتها الجدية ومواقفها الثابتة. لكن رجعية أنظمة الخليج لم تحل دون إدامة علاقات سليمة معها على عكس ما حصل مع أنظمة المشرق، في العراق وسوريا، التي أسهمت في فرض القضية فلسطينية كقضية مركزية للعرب وبنت جيوشها ومجتمعاتها على أساس العقيدة القومية. وستترك هذه السياسات أبرز الأثر في لبنان، حيث سيرث اليسار الثقافة الفتحاوية المعادية أبداً لسوريا وتنهض قوى جديدة تدرك، من خلال فهمها للشروط الجيوسياسية، أن لا مقاومة جدية ممكنة في لبنان، من دون سوريا، الدولة المحاذية وخط الدعم والإمداد. بقيت «سطوة» القضية الفلسطينية عالية حتى بعد احتلال بلد عربي ثانٍ هو لبنان، وستستمر فلسطين «قضية مركزية» رغم احتلال بلد عربي ثالث هو العراق، الأكبر مساحة والأكثر سكاناً وعراقة في التاريخ. ويجري اليوم إنهاك سوريا وتدميرها، من خلال حرب إمبريالية بلا جيوش نظامية، ولا يخجل يساري فلسطيني من الصراخ: «إسقاط النظام السوري من أجل تحرير فلسطين»! وهل تعرضت هذه البلدان المشرقية للاحتلال والغزو والتدمير لولا دورها العضوي في النضال الوطني والقومي الموجه ضد العدو الإسرائيلي خصوصاً؟
عاب النضال الفلسطيني أن التضحيات العظيمة للشعب والبطولات الاستثنائية للمقاتيلن كانت، على الدوام، أعلى سوية من القيادة السياسية ذات الخيارات المربكة. ولعل أكثر العناصر إرباكاً في السياسات التي اعتمدت، هو التناقض الجلي بين شعارين وفّرا دائماً إمكانية للقفز بين الحبال: القرار المستقل من جهة وقضية العرب المركزية من جهة أخرى. ذلك أنه كان من غير المنطقي تصور أن تتبع دول مركزية ومعنية بالصراع، سياسات تقرها، في نهاية المطاف، فصائل. فالتحرير ليس مجرد رطانة يسراوية تحت قيادة يمينية تجيد إطلاق الصواريخ خارج أي سياق نضالي تراكمي. ولعلنا لا نغالي إن قلنا إن استراتيجية القرار المستقل، بأخطر قضية عربية، التي غطاها يسار لبناني وفلسطيني، هي التي سمحت بأوسلو وفتحت الطريق واسعاً أمام خطة جون كيري. بقياس مآلات الأمور، صار ضرورياً اليوم، بالنسبة إلى اليسار الوطني التحرري، الاعتراف بمركزية دور الدول في إدارة الصراع مع العدو الإسرائيلي، وخصوصاً بعد أن أثبتت استراتيجية المقاومة عند حزب الله، في هذا المجال، أنّها الأصوب بين نظيراتها. لا تعني تصفية القضية الفلسطينية انتهاء الصراع مع العدو الصهيوني. فالشعب الفلسطيني سيعيد إنتاج قواه الوطنية والثورية ويستعيد قضيته. لكن الجديد المهم هو أن القضية المركزية ستتكشف باعتبارها صراعاً مع العدو الإسرائيلي وليست فلسطين، في تصحيح تاريخي للانحراف السابق. هكذا تفقد فلسطين وظيفة الشماعة على زعم «المحافظين الجدد» من العرب، ولا يعود القرار الفلسطيني «مقدساً» بذاته، فتنفتح إمكانية إدارة الصراع، بكفاءة أعلى، وهو التحدي الذي سيواجه الدول والشعوب العربية. بالنسبة إلى دول المشرق وشعوبه، لا يتعلق الأمر «بثقافة الموت» كما يزعم «محبو الحياة»، ولو تحت الاحتلال. فالصراع مع العدو ليس ايديولوجياً، بل ضرورة بقاء واستمرار وتقدم. بقية الدول العربية، بما فيها مصر، لا تتهددها نفس الأخطار ولا تواجه نفس التحديات الملموسة. فالمجال السياسي المشرقي، بتنوعه الديني والإثني وثرواته الطبيعية وقدراته الاقتصادية وقوته العسكرية الظاهرة والكامنة، هو في دائرة الاستهداف الاستراتيجي للكيان الغاصب والتوسعي الذي يحتل أراضي سورية ولبنانية وأردنية، لا فقط فلسطينية. وأسباب ذلك كثيرة تبدأ من التنوُّع المشرقي، الذي يشكل نقيضاً للصفاء اليهودي لدولة الاحتلال (وليس أحادية الوهابية) ولا تنتهي بالأفق الأكثر واقعية لإقامة متحد مشرقي قوي وغني بالموارد والعقول، قادر على تجاوز «النموذج الإسرائيلي»، بالمعنيين، التاريخي والواقعي.
في لبنان، مثلاً، لا جدال في أن المقاومة شرط لإنتاج النفط والغاز والسيطرة الوطنية عليهما. ولا يعني ذلك حزباً أو تنظيماً بعينه، بل خياراً مكوناً للهوية الوطنية اللبنانية المطلوب إعادة تعريفها. فتجربة جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية، الناجحة والمنتصرة في مجال نضالها المباشر، أخفقت في إعادة بناء المجال السياسي اللبناني: ربطت بشكل سليم بين التحرير والتغيير، لكن الرؤية التي حكمت ذلك، قادت إلى إقصائها عن الساحة. قوة حضور الثقافة الفتحاوية التي أضرّت بالنضال الوطني القومي، وخصوصاً وقاحة الابتزاز بالأولوية الفلسطينية، كانت عاملاً طارداً لكتل جماهيرية محتملة، في ظروف لبنان الثمانينيات. كذلك وقعت مقاومة حزب الله، في ضرورة الارتباط مع فلسطين، من زاوية القدس الإسلامية. وهو ما شكّل عنصر شحن وتعبئة ضروري، رغم كونه واجباً دينياً وشرعياً وأخلاقياً وإنسانياً، كما بقيت تردد قيادة حزب الله. ترابط النضالين، اللبناني والفلسطيني، في المعركة ضد المحتل، كان تعبيراً عن ضرورة موضوعية لا يلام أحد على الالتزام بها. لكن ما يجب استنتاجه منها، في ضوء التطورات الأخيرة، هو أن اللبنانيين لا يريدون، بأي شكل من الأشكال، التضحية بهم وبممتلكاتهم ودولتهم من أجل فلسطين. كذلك فإن الشيعة، في العراق على الأقل، لا يريدون الاستماتة، كما يأمل قائد المقاومة السيد حسن نصر الله، من أجل استرجاع القدس. لكن اللبنانيين والسوريين والعراقيين يتفهمون الحاجة لبناء القوة ومواجهة العدو الصهيوني، من أجل استقرار أوطانهم وازدهارها وتقدم دولهم ومن أجل ضمان حياة أفضل لأولادهم.
معنى الانتهاء من الحقبة الفلسطينية، التي شرذمت العرب، هو بناء «وطنيات» عربية معادية لإسرائيل، بذاتها ومن أجل مصالحها العيانية المباشرة، ومنها وطنية فلسطينية لم يعد مفهوماً ضمورها رغم كل المخاطر الداهمة على القضية الفلسطينية. ولعلّ التحدي الأول المطلوب مواجهته فلسطينياً، هو الانخراط في الحرب ضد الإرهاب التكفيري الذي يدمر بلداننا ويفتك بأهلنا ويضعف قوتنا، وهو ما يتطلب، بدوره، أكل «إله التمر» الفلسطيني. فالدم الفلسطيني ليس أغلى من غيره.
* قيادي يساري ـ لبنان