يستطيع شخص معايش وصديق مثلي (كما كثيرون) للراحل المناضل الكبير، جورج بطل، أن يعرب عن ارتياحه لأن ما صدر له عن «دار المدى» تحت صيغة «مذكرات»، وبعنوان «جورج البطل: أنا الشيوعي الوحيد» (تحت إشراف الصديق فواز طرابلسي)، قد جاء على هذا النحو وليس على أيِّ نحوٍ آخر. ذلك أن الكتاب قد أتى، تماماً، على صورة صاحبه كما كانها وليس كما تتبدل، تقريباً، في كل ما صدر من مذكرات. في التقليد أن تأتي المذكرات شديدة الرتابة و»الانضباط». يصح ذلك، أكثر ما يصح، على معظم المذكرات التي كتبها قادة شيوعيون. أما إذا كان الكاتب مسؤولاً في السلطة، فإننا نقع، غالباً، على سفر مثقل بالتضخيم والتفخيم لا يستحق ما بُذل من أجله من مال ودعاية...

مذكرات «البطل» ذكريات بعيدة عن أي نوع من أنواع التوثيق والمنهجة. هي ما جادت به ذاكرة متوقدة عُرِف بها صاحبها: ذاكرة مذهلة، غذاها اطلاعه ومتابعاته وحشريته من جهة، وشغفه الكبير وتجربته الغنية والطويلة، من جهة ثانية. هي، إذن، ليست «تأريخاً» للحزب الشيوعي كما وصفها الزميل الكاتب أسعد أبو خليل. لكنها، رغم عدم اعتمادها على السرد الموثَّق، تستطيع أن تشكّل جزءاً من تاريخ مدقّق للحزب المذكور، متكامل، وموضوعي (أي بعيد عن تأثير وضغوط «القيادة» في هذه المرحلة أو تلك!).
قلت إن «الذكريات» تشبه صاحبها، بل تكاد تشبهه تماماً فيما عُرف عنه وله من عفوية وصراحة واندفاع وانفعال ومباشرة (سمّاه الأستاذ كريم مروه، عن حق، «أمير الصراحة»). أما ما وصفه به الدكتور أسعد أبو خليل («الأخبار» في 26 كانون الثاني الماضي) فهو، من قبيل الجهل بشخصية الرجل والتقليل من الجانب الإنساني في سلوك البشر والمناضلين (الذي اعتادت كتب السيرة إخفاءه) والذي كشفه البطل في منتهى الشفافية والطرافة، قد أصدر حكماً متعسِّفاً ومتسرِّعاً بهذه العبارات: «عنصري وذكوري وطبقي وطائفي»... و(«عا شوي») إمبريالي!! مهلاً: إن معظم ذكريات البطل تروي مشاركته في عملية تغيير مؤثرة داخل الحزب الشيوعي اللبناني: عبر مخاض شمل الجوانب الفكرية والسياسية والتنظيمية، والعلاقات الداخلية، وخصوصاً مع التوأم الشيوعي السوري والانفصال عنه، والخارجية مع المركز السوفياتي والمعاناة المتصلة به... انبثقت عن ذلك المخاض وثيقة متكاملة من وثائق المؤتمر الثاني عام 1968 بعنوان «خمسة وعشرون عاماً من نضال الحزب الشيوعي اللبناني». وهي وثيقة نقدية مهمة وانعطافية، كما قرارات ونتائج ذلك المؤتمر التاريخي الذي أحلَّ الحزب الشيوعي في موقع مرموق في النضال الوطني التحرري في لبنان والعالم العربي طيلة أكثر من ثلاثة عقود من الزمن. لا ينطبق على كل ذلك، طبعاً، قول الزميل أبو خليل «أن ما يرد في الكتاب يسجل إدانة قاطعة لمرحلة هامة وطويلة في تاريخ الحزب الشيوعي...» ( هذا في الواقع كان تقييماً مكرًرأً ومستغرباً لأبو خليل وليس لصاحب الكتاب). إن إنجازات الحزب منذ عام 1968، ومنها المساهمة الرائدة في تأسيس المقاومة المنتصرة ضد العدو الصهيوني، وقبل ذلك إطلاق حيوية لافتة في كل حقول النشاط السياسي والثقافي والطلابي والنقابي والتحالفي... إنما تعود إلى ذلك المؤتمر الذي أقرّ برنامجاً وأرسى حداً أدنى من الشرعية الحزبية القائمة على حدّ مقبول من التوجهات والممارسات والعلاقات الديموقراطية... خلافاً لما كان الأمر عليه طيلة حقبة مظلمة من البكداشية الستالينية التي من «إنجازاتها» تكريس نظام التوريث العائلي «الثوري» التي أُخضع لها، ولا يزال، جزء من الشيوعيين السوريين وفق نموذج سلالة «كيم» في كوريا «الديموقراطية»!
طرافة البطل ووضوحه وحسن طويّته جزء أساسي من شخصيته. كان، بالفعل، ذا حس نقدي لا يقلل من «أضراره» بين «ضحاياه» إلا ما يُعرف به الرجل من سلامة القصد عموماً. وهو، بالاستناد إلى حسه النقدي هذا، قد عبَّر، بالفعل، في مناسبات لا تحصى، عن استيائه مما يجري في الاتحاد السوفياتي ومنظومته. ومن الإنصاف القول إنه بعد التحرر من الهيمنة البكداشية، تُرجمت الانتقادات للتجربة والسياسات السوفياتية، في موسكو وسواها، بسعي حقيقي في هيئات الحزب الشيوعي وسياساته وعلاقاته لجهة التأكيد على فرادة كل بلد في ظروفه وشروط النضال فيه. وكان الشهيد فرج الله الحلو قد بكَّر في ملاحظة صعوبات تجربة البناء الاشتراكي وسلبياتها. كتب عام 1937 بعد زيارة لموسكو، وبعد أن أشار إلى الإنجازات «إن الماركسيين... يعترفون بحقيقة الأوضاع التاريخية كما هي. وعندما يتكلمون عن الاتحاد السوفياتي بمثل هذه النغمة المرحة، يجب ألاَّ يظن القارئ أن كل شبر من الأرض قد تحوَّل هناك إلى جنة تجري من تحتها الأنهار»! وكان فرج قد أكَّد مراراً أن الحزب الشيوعي «لا ينسخ نموذج أو تجربة أحد»، لكنه يستفيد من كل التجارب لتحقيق هدفه الثوري الكبير.
جال البطل وصال في كل الحقول والميادين: من نقل السلاح ونصب الكمائن (أحياناً) والتعرّض للسجن، إلى منابر وميادين العمل السياسي والثقافي والجبهوي والديبلوماسي. وفي كل ذلك كان فعَّالاً وجريئاً. وهو، في كل الظروف، كان مضحياً ومتخلياً حتى عن إنشاء عائلة خاصة به. لكن حريته التي كان يتباهى بالحفاظ عليها وبممارستها قد راوحت، غالباً، في كنف الشهيد القائد جورج حاوي (شأن المجموعة كلها). هو، عموماً، لم يحرك ساكناً حين تراجع جورج حاوي عن مشروع تجديد الحزب بعد انهيار الاتحاد السوفياتي. خضع حاوي لضغوط مجموعات شهرت سيف العصبية في وجه التجديد. والعصبية، دائماً، سلاح يستخدم، مصلحياً، العقائد الدينية وغير الدينية، من أجل فرض نمط علاقة يقوم على الخضوع والالتحاق بدل الواعي القائم على النقد والمساءلة ومواكبة المستجدات والتطورات...
لا يمكن الموافقة على كل الأحكام والتقييمات التي وردت في النص: سواءً كانت إيجابية أم سلبية، مدحاً أو ذماً. لكنه في كل ذلك حافظ على طرافته وصراحته وعفويته...هو كان مُقِلّاً في الكتابة رغم أنه كان يحسنها صياغةً ونحواً وسبكاً وعمقاً... ولو أنه ظل على سجيته في تأجيل إخراج ذكرياته حتى يتمكن هو، شخصياً، من كتابتها، لما تمكن من ذلك بسبب تقدّمه في السن وتدهور وضعه الصحي. معرفتي الوثيقة بالبطل في مراحل طويلة، بما فيها الأخيرة، تسمح بالقول إنه إنما كان يقارن نفسه بالآخرين الذين جايلوه ورافقوه: معظم هؤلاء ترك الحزب إلى مشروع آخر أو خيار آخر. بهذا المعنى وصف نفسه بالشيوعي «الوحيد». يمكن القول أيضاً إن جورج قد مارس نوعاً من «المحافظة» في سنواته الأخيرة. لم يكن يميل إلى عقد المؤتمرات بل إلى تأجيلها بانتظار «غودو» ما: ربما بسبب أنه بات غير مقتنع أساساً بجدوى الصيغة القديمة وبقدرة من تبقى في الحزب على اجتراح تغيير ثوري يحتاج إليه الحزب: تغيير يكون بحجم إعادة تأسيس جديدة باتت ضرورية ومصيرية بقدر ما هي صعبة من ضمن المناخ الذي ساد دزينة السنوات الأخيرة قبل وفاة جورج، حيث استُعيدت فيها توجهات بكداشية تُعول على العصبية أساساً وتتّسم بالمراوحة والجمود وحتى بالتخلف.
جورج البطل معلم مشرق في تاريخ الحزب الشيوعي. وهو تاريخ فيه الكثير من الأخطاء والعثرات كما فيه الكثير الكثير من الريادة والإنجازات.
* كاتب وسياسي لبناني