إن التعقيد الحاصل في المشهد السياسي الدولي هو انعكاس للأزمات المتلاحقة التي تعصف في غير اتجاه، وتطال بمفاعيلها العديد من القضايا والبلدان؛ فأزمة الرأسمالية العالمية تزداد حدّةً، ويترجم ذلك في كثرة المشاكل السياسية والاقتصادية التي تعصف في قلب العالم الغربي نفسه، بدءاً بالولايات المتحدة الأميركية وأوروبا، لتصل بعدها إلى آسيا وأفريقيا والشرق الأوسط، وأميركا اللاتينية... المأزومة أكثرية دولها، بسبب سياسات التبعية التي ينتهجها معظم نظمها الحاكمة، مضافة إليها كثرة الحروب المتواصلة فيها والتدخل الغربي في شؤونها، واستلاب قرارها السياسي والاقتصادي من قبل منظومة جائرة ومستبدة حاكمة في العالم ومتحكمة فيه، مدعومة من رأسمال متوحش ومستنفر دوماً ضد مصالح الشعوب.

إن التفرّد الأميركي في إدارة العالم، منذ التسعينيات حتى يومنا هذا، قد أعطى أُكله اليوم، وها هي «البلطجة» المتمادية «لإمبراطورية الشرّ»، قد وصلت إلى حائط «الصدّ»، الذي يجب أن يرتفع أكثر كي يصبح رادعاً؛ فمشاريعها الاستعمارية، التي عبّرت عنها بكثرة الحروب التي خاضتها، قد انعكست عليها مآزقَ وبكلفة عالية: التخبّط في أفغانستان، والارتجال في الشرق الأوسط، والانفعال والكيدية في أميركا اللاتينية، إضافة إلى معاركها المفتوحة في جنوب شرق آسيا حيث جبهات الاقتصاد مشتعلة، وما محاولاتها لتكرار سياسات الانقلابات والعزل ونزع الشرعية عن الأنظمة المواجهة لها إلّا أبلغ دليل على استمرارها في عدوانيتها المتمادية تلك.
أمّا الهيمنة الاقتصادية على العالم، التي بدأتها «بدَوْلرة» النقد العالمي من دون حماية أو تغطية، ثم استتبعتها بمصادرة قرار كل المؤسسات النقدية الدولية ووضعتها في خدمة سياساتها، فتراها اليوم تعيش أزمات متتالية تعاني منها كبريات مؤسساتها وشركاتها العابرة للقارات. وأمام النمو المطّرد لاقتصادات صاعدة أو ناشئة، لم يبق بين يديها إلّا سلاح العقوبات كوسيلة وحيدة متبقية للحدّ من الإخفاقات، لأن الحلول العسكرية التي انتهجتها كانت كلفتها باهظة. وإذا أضفنا العامل الداخلي، فسنجد أن النتائج المحقَّقة من ذلك المسار، بشقّيه الاقتصادي والعسكري، قد أفرز صعوداً متنامياً لليمين المتطرّف، أو لنماذج، حكم أو حكّام، مرتبطة برؤوس أموال ومصالح قوى حاكمة ومن خارج النادي التقليدي، نماذج غالباً ما تقدّم حساباتها الخاصة كأولوية، لا سيما الانتخابية منها، التي كثيراً ما تتحكم في قرارات وخلفيات مواقف هذا النمط الجديد من القادة في معظم «الديمقراطيات الغربية»، وليس دونالد ترامب أو إيمانويل ماكرون أو تيريزا ماي إلّا نماذج شديدة الدقة والوضوح كعوارض لاعتلال تلك الأنظمة وقواها وشخصياتها.
ما نشهده اليوم ونعيشه هو إرهاصات الانتقال من عالم برأس واحد إلى آخر متعدّد الرؤوس، وما المكابرة الأميركية وغطرستها إلّا تعبير عنه ورفض له. هذا الرفض ناتج ليس عن أسباب موضوعية متعلقة بموازين قوى دولية فقط، بل أيضاً عن عدم قبول، إذ لم يستطع ذلك العقل، المتعالي والمتحكّم منذ ما بعد الانهيارات في تسعينيات القرن الماضي، أن يصدّق أن ثمة شركاء آخرين سيقاسمونه الساحة الدولية وعليه أن يقبل بهم. لقد دفع، خلال عشرات السنين من العربدة المتواصلة، أموالاً طائلة على درب التآمر والحروب والعدوان، وإن كان جلّها ليس من جيبه، في سبيل التفرّد في إدارة العالم وقيادته، حيث كان يأمل ديمومة لا تنتهي، وليس لسنوات قليلة فقط.

هذا الإجرام الأميركي الفالت يجب أن يتوقف، وأن تصبح كل المصالح الأميركية في العالم أهدافاً مشروعة


لم يستطع ذلك العقل، الذي رفض حتى أقرب حلفائه أن يقاسموه الحكم، لا بل أقنعهم بالدور الثانوي وفي خدمته ــ كمثال أوروبا ــ أن يتحمّل اليوم وجود قوى صاعدة وبقوة، وقوى ناشئة تخطّ طريقها بثبات نحو التربع في مصاف المتقدمين بين أقرانهم؛ لم يستسغ روسيا، الوريثة الوحيدة للخصم القديم، الاتحاد السوفياتي، أن تشكّل معه ثنائية عالمية، كما كانت إبان الحرب الباردة، لا بل يهددها ويحاصرها، وما الوجود العسكري المستجد لحلف الناتو على حدود روسيا مع أوروبا أو في البحر الأسود إلّا الشكل العملي لتلك التهديدات، ما يؤشر إلى احتمال نشوب حروب بالوكالة أو بالمباشر، بالإضافة إلى انطلاق سباق تسلح جديد مع ما يحمله من مخاطر على السلم الدولي وتهديد له. لم يقبل الصين، والصراع معها على الأسواق والعملة ومناطق النفوذ في الشرق الأقصى وجنوب شرق آسيا، وكذلك الهند ودول «البريكس» أو منظمة «شنغهاي»... لم يستطع هضم كل تلك التحولات العاصفة والواضحة النتائج، التي طرأت على المسرح الدولي. لم يعتد منذ تسعينيات القرن الماضي، ولو على فيتو واحد في مجلس الأمن ضد قراراته أو توجهاته، وها هو اليوم يواجه «بفيتوات مزدوجة»، لم يعتد مشاركة أحد في أي مكان أو قضية، فتراه اليوم يقف، وأحياناً مذلولاً، لكسب ودّ إيران أو تركيا، أو كوريا الشمالية أو غيرها، بالسرّ والعلن.
هذه عيّنات من الواقع الدولي الحالي، والغربي تحديداً المتأزم والمأزوم بتأزم نظمه التقليدية، والذي يشهد مخاضين متوازيين بمسارين مختلفين: داخلي في بلدانه، حيث يتبدى ذلك في صعود قوى من غير تلك التقليدية التي تحكّمت منذ مدة طويلة في الحياة السياسية في تلك البلدان، وخارجي، يُعبّر عنه بتعدد القوى التي تطمح إلى المشاركة في إدارة العالم، وتعمل على ذلك، وهي تمتلك «عدة العمل» المطلوبة، من قوة اقتصادية أو عسكرية مؤثرة، ومن علاقات دولية فاعلة. من هنا نفهم هذا التمادي المفرط بانتهاج التطرف في المواقف إزاء الداخل والخارج والتشدد فيه: فالتضييق على الحريات العامة، والقمع والمنع وانتهاج سياسات التقشف والتخلي عن المكتسبات الشعبية، وتوسيع هامش الفروق الاجتماعية بين المواطنين، وصولاً إلى مرحلة الفرز العرقي...، كخيار داخلي، والحروب المتنقلة، مضاف إليها الحصار والتجويع، واستغلال كل القيم الإنسانية وحق الشعوب بالحرية والتنمية، وصولاً إلى ضربها عرض حائط بالمصالح الضيقة لهذا النظام أو ذاك المشروع أو تلك الدولة، غير آبهين بمصالح الشعوب...، كخيار ابتدائي خارجي.
لقد أصبح هذا المسار نهجاً ثابتاً ومعمّماً في كل الاتجاهات، وما كثرة الحروب المتنقلة مع حاملات الطائرات، والفقر والتصحّر والحرمان والجهل والفوضى الموجودة في غير مكان إلّا إرهاصات بداية التداعي لذلك النظام الذي تحكّم في العالم طوال تلك المدة. وعليه ستكون كل الساحات المعنية، التي هي خطوط تماس واشتباك بين مكونات ناتجة عن ذلك الواقع أو معبّرة عنه، معنية بالتعبير عن ماهية ذلك الاشتباك وحدوده ومكوناته ومندرجاته، واستكمالاً نتائجه، وهي المرتبطة، من جهة، بطبيعة الصراع والقوى المشاركة فيه، ومن جهة أخرى بالنتائج المتأتية منه. هنا يتبدّى السؤال التالي ضرورياً: هل ثمة قوى شعبية، سياسية واجتماعية، قادرة على المواجهة؟ قوى تكون من الموقع النقيض تماماً للسائد، في طبيعة المواجهة وفي أساليبها، وليس من المتضررين فقط، لأنه في مثل هذه الحالة تسقط مبدئية المواجهة وتتحول إلى صراع مصالح بين متضررين، مختلفين في الشكل لكنهم متفقون في الجوهر (كمثل الموقف الأوروبي من احتلال العراق عام 2003).
هو سؤال ابتدائي، والجواب البديهي عنه يجب أن يكون: بأن الشعوب التي تعاني كل تلك الإفرازات المتناقضة للنظام العالمي الحاكم، الذي استبد وهيمن وقتل وجوّع، هي كفيلة بالمواجهة، لأن مصالحها مرتبطة بنتائج تلك المواجهات ومندرجاتها. لم تعد الرؤية العامة مشوشة، فمن بنى إمبراطوريته على قوت البشر وسلب خيراتهم، لن يستطيع أن يغطي ارتكاباته تلك، بادعائه الدفاع عن حقوق الإنسان مثلاً؛ فتلك الحقوق تُنتهك من قبل نظامه منذ أن وُجد ومن النظم التابعة له، والتي صنعها ورعاها، وما تماديه في سلب حقوق فقراء العالم إلّا نقطة البداية لهدم كل منظومة كذبه ودجله.

المواجهة من فلسطين
وبالارتكاز على ما تقدّم، تصبح معالم المواجهة واضحة لا لبس فيها؛ فكل هذه المؤشرات تدل على العدوانية المتمادية اليوم من رأس الإرهاب العالمي، التي تُنذر باندلاع حروب وتوترات ومشاكل تهدد السلم العالمي، والتي ينبغي أن تكون موضع إدانة ورفض كليّ من كل القوى المعنية بكسر الهيمنة الإمبريالية ــ الأميركية على العالم، كما تستدعي الرد عليها وفي كل الساحات. التغطرس الأميركي الفالت يجب أن يتوقف، لا بل يجب أن يتم لجمه ليقف عند حده.
إن هذا الأمر يستوجب المبادرة إلى إطلاق أوسع مواجهة ضد تلك العدوانية وبمختلف السبل والوسائل؛ مواجهة تبدأ من «قلب» القضايا وأساسها، من فلسطين، حيث بانت وبشكل واضح وجهة النسخة الجديدة من المشروع الإمبريالي ــ الأميركي وطبيعتها الهادفة إلى إعادة تكوين المنطقة وفق موازين قوى مختلفة: فمن مؤتمر وارسو وأهدافه التطبيعية مع العدو الصهيوني إلى صفقة القرن وتصفيتها للقضية الفلسطينية، وصولاً إلى إعادة تدوير الإرهابيين في سوريا والعراق وتحويلهم إلى مناطق أخرى أو تبديل أسمائهم لاستخدامهم في مناطق جديدة، إلى الاحتفاظ بهم للمساومة والابتزاز، واستكمالاً تقسيم سوريا وفدرلة العراق واستمرار الحرب على اليمن ومحاصرة إيران، لتتجه غرباً صوب فقر أفريقيا وثرواتها المنهوبة لتصل إلى كراكاس وهافانا وماناغوا والتهديدات الصريحة والعلنية، ومن أعلى هرم الإمبريالية العالمية والناطق باسمها ترامب، وتصريحاته حول إنهاء الاشتراكية في تلك البلدان، ونزع الشرعية عن النظم السياسية المنتخبة، وأيضاً إلى تشجيع الحروب الأهلية ودعمها والتدخل العسكري في شؤونها. يكمل القوس باتجاه فيتنام وكمبوديا وأفغانستان ليقفل عائداً إلى نقطة انطلاقه، مروراً بإيران والعراق وسوريا ولبنان، «مُخصَّباً» بنضالات من وعوا أهمية تلك القضايا مبكراً وحملوا لواءها. هي مواجهة مستحقة ومطلوبة واضحة القوى والأهداف: معركة للتحرر الوطني وللتحرير ولرفض التبعية وكسر الهيمنة والحفاظ على الثروات والتنمية والحرية والعدالة الاجتماعية ومحاربة الفقر... هي في مقاومة العدوان، في وجه الإمبريالية والصهيونية والأنظمة التابعة لها. فكسر الأساس هو الهدف وكسر الأدوات ضرورة لتحقيقه.
تقول الأساطير القديمة إن «ثمة حيواناً كان يعيش في المستنقعات يُسمى «الهيدرا»، وكان لديه جسم ثعبان والعديد من الرؤوس، وأيضاً القدرة على التجدد، إذ إنه ــ طبقاً للأسطورة نفسها ــ ينمو له رأس جديد في كل مرة يُقطع له فيها رأس، وهنا كان منبع خطره...»؛ اليوم، أميركا هي الخطر الذي يهدد البشرية، الرأسمالية هي عدوة الشعوب، المشروع الإمبريالي ــ الأميركي هو الذي تجب مواجهته، الحلفاء هم كل من يقف في الموقع النقيض من حيث الجوهر والطبيعة والموقع النضالي المنحاز إلى من يُسلَبون ويُقتلَون من دون وجه حق سوى الطمع والنهب، ومن كل القوى المعنية بكسر الهيمنة الإمبريالية ــ الأميركية على العالم. واقع يستدعي الرد عليه، وفي كل الساحات، فهذا الإجرام الأميركي الفالت يجب أن يتوقف، وأن تصبح كل المصالح الأميركية في العالم أهدافاً مشروعة. من هنا، وعلى هذا الأساس، على كل القوى المعنية، وفي طليعتها قوى اليسار العالمي والعربي واللبناني، المبادرة إلى إطلاق أوسع مواجهة ضد تلك العدوانية وبمختلف السبل والوسائل، لأنه آن أوان قطع رؤوس «الهيدرا» التي تعبث قتلاً وتدميراً في أربع جهات الأرض.
* عضو المكتب السياسي ومسؤول العلاقات السياسة في الحزب الشيوعي اللبناني