أجرى موقع صحيفة «عراق أويل ريبورت» Iraq Oil Report، وهو موقع دولي باللغة الإنكليزية متخصص بشؤون النفط العراقي، مقابلة مع رئيس مجلس الوزراء العراقي السابق حيدر العبادي، حاوره فيها بن فان هيفيلين وسامية كُلاب، في 19 آذار الماضي. وبمقدار ما أثار العبادي من معلومات مهمّة ظلّت طوال فترة رئاسته طيّ الكتمان، كُشف عن معلومات أخرى عن قرارات خلفه عادل عبد المهدي في عدد من الملفات المهمة والحساسة. هذه قراءة تحليلية في بعض ما أدلى به العبادي.

في رده على سؤال عن المشاريع والصفقات التي أوشكت حكومته على إبرامها مع شركات نفطية أجنبية عديدة، ثم ألغتها حكومة عبد المهدي، يقول العبادي إن «هناك الكثير على المحك، خاصة إذا كنت تتحدث عن شركة "إكسون موبيل". لقد بدأوا بمشروع استثماري مقترح تبلغ قيمته نحو 110 مليارات دولار، ويمتد على ما أعتقد، على خمسة عشر عاماً. لقد كان ذلك مشروعاً ضخماً بالنسبة إلينا، وكان على الإدارة أن تستمر في المفاوضات، حتى انخفضت إلى 50 مليار دولار، أو 60 مليار دولار. كنا، في العام الماضي، في نهاية إضفاء الطابع الرسمي على الاتفاقات المبرمة مع "إكسون موبيل"، مع "شيفرون"، مع شركات النفط العالمية الكبيرة الأخرى. الشيء المؤسف، أن الحكومة الجديدة وضعت حداً لكل ما كان يحدث من قبل».
يلمّح العبادي إلى أول قرار اتخذته حكومة خلفه عبد المهدي فور منحها ثقة مجلس النواب حتى قبل أن يكتمل تشكيلها، وهو القرار القاضي بإلغاء عدد من قرارات حكومته، لكونها، كما عللوا، كانت حكومة تصريف أعمال. غير أن هذا السبب غير مقنع - كما يرى العبادي وهو محقّ هنا - لأن بعض تلك القرارات التي ألغيت لم تتخذ في فترة تصريف الأعمال، بل قبل ذلك بعدة أشهر، بل إن أحدها اتخذ قبل ثلاثة أعوام. فهل كان إلغاء تلك المشاريع يتعلق بهذا السبب تحديداً، أم أنه يتعلق بالتنافس بين تلك الشركات نفسها، على المشاريع وعائداتها، أم أن الحكومة الجديدة بقيادة عبد المهدي قامت بانقلاب إداري جذري وغيرت الاتجاه تماماً وأصبحت تريد، هي نفسها، أن تبدأ من الصفر مع تلك الشركات وغيرها؟
الخبراء المطلعون على هذا الملف يؤكدون أن العبادي كان يصرّ على التعاقد مع «إكسون موبيل» الأميركية، رغم التجربة المرّة معها في مشروع ضخ المياه إلى حقول الآبار النفطية، وبعد مضي سنوات من تسويف هذه الشركة التي كانت رأس الرمح في «عقود المشاركة» السيئة التي عقدتها معها رئاسة الإقليم في عهد مسعود البارزاني، الذي كان يتحدّى بها الحكومة الاتحادية، حتى إنه صرح ذات مرة بأن التعاقد مع «إكسون موبيل» «يعادل وجود عشرة فرق عسكرية أميركية» لحمايته. أما العبادي، فقد بادر إلى التعامل مع الشركة الأميركية وبهذا الحجم الضخم، مسوِّقاً الوهم القائل إن «إكسون موبيل» ستكون عاملاً في تنفيذ أي مشروع استراتيجي عملاق يخدم الصناعة النفطية العراقية، وهذا محض وهم.
ولعلّ الفارق الكبير بين المبلغ الأول للصفقة، البالغ مئة وعشرة مليارات، والمبلغ الثاني الذي خُفض بعد المفاوضات إلى النصف تقريباً، يكشف لنا عن الطابع المريب وغير المعقول للأرقام والأرباح التي تطالب بها الشركات الأجنبية والمتعددة الجنسية من ثروات العراق، رغم أن المتخصصين يؤكدون أن «هذه التخفيضات إنما أجريت بسبب تخفيض الأحجام والكميات المتعاقَد عليها وما تشتمل عليه من فقرات/ رسالة شخصية من خبير نفطي». بمعنى أن محاولة هذا المسؤول أو ذاك التباهي بخفض المبالغ بهذه الطريقة تؤكد - من حيث الجوهر - هذا الطابع التفريطي ولا تنفيه.
ثمة مثال قد يُسهِّل الإجابة عن السؤال المتعلق بماهية السبب الحقيقي وراء تراجع حكومة عبد المهدي عن مشاريع حكومة العبادي الوشيكة الإبرام، الذي نعتقد أنه يقع في إطار الانسياق الكامل لعبد المهدي وراء الرغبات والأوامر الأميركية: ففي ما يخصّ عقود إعادة تأهيل الكهرباء في العراق، التي التهمت باعتراف هيئة النزاهة العراقية بين 29 مليار دولار و41 مليار دولار خلال سنوات ما بعد الاحتلال، فهذه الصفقة التي تنافست عليها شركتا «سيمنز» الألمانية و «جنرال موترز» الأميركية حاولت حكومة العبادي في أيامها الأخيرة تقسيم الغنيمة بين العملاقين الألماني والأميركي. وحين تولّت حكومة عبد المهدي مقاليد الحكم أعلن فشل الصفقة، وظهر واضحاً أن الحكومة الجديدة تجاوبت مع أوامر الرئيس الأميركي دونالد ترامب، كما يُفهم من كلام الرئيس التنفيذي لشركة «سيمنز»، جو كيزر، الذي صرّح بتاريخ 9 تشرين الثاني/ نوفمبر بأن ترامب «أدى دوراً في محاولة عرقلة اتفاق الشركة الألمانية مع الحكومة العراقية والدفع في اتجاه منح الصفقة بالكامل لشركة جنرال إلكتريك الأميركية».
ويزيد العبادي من وزن تشكيكاته بمقاصد قرار عبد المهدي إلغاء قراراته لمصلحة الإدارة الأميركية بالقول إنَّ القرار الذي أُلغي لا يعود لفترة حكومة تصريف الأعمال، بل هو قرار دقيق اتُّخذ قبل ثلاث سنوات، ثم يضيف: «إن الأشخاص الذين يشغلون مناصب المسؤولية الآن، لا يملكون حرية التصرّف، ويضيف بالحرف الواحد: «ليس لديهم حقاً إجابات، إنْ كان هذا المشروع سيمضي قدماً أو لا... لذلك، أعتقد أننا وصلنا إلى هذه الحلقة المغلقة».
يغادر العبادي لغته الدبلوماسية الغامضة ليكون أكثر وضوحاً حين يقول في إجابة عن سؤال آخر: «أعتقد أن البعض ينظّرون إليها ــ إلى تلك المشاريع ــ سياسياً. فهل يريدون أن تنشط الشركات الأميركية في بلدنا؟ هذا سؤال كبير».

حكومات ما بعد الاحتلال
بمراجعة سريعة لأداء حكومات ما بعد الاحتلال كلّها، ومنها حكومة العبادي، سنتوصل إلى قناعة مفادها، أن الفارق بين علاقة عبد المهدي بالإدارة الأميركية وبين علاقة سلفه العبادي ليس كبيراً جداً؛ أو لنقل إنه ليس فارقاً جوهرياً نوعياً بين توجهين: الأول، وطني استقلالي، والآخر تابع، بل هو خلاف في التفاصيل وعليها. فعبد المهدي يريد ــ كما تشير قراراته ــ أن يكون الارتباط بواشنطن فقط، مع عدم إغضاب طهران وأصدقائها العراقيين الذين أوصلوه إلى كرسي الرئاسة، فيما حاول العبادي أن ينوّع الارتباطات مع عواصم أوروبية أخرى، ولكنه فقد منصبه بسبب تصريحه المتعجل الذي فُهِمَ كتأييد للعقوبات الأميركية ضد إيران، فانقلب عليه أصدقاء إيران وحرموه عهدة ثانية، فإيران لا تتسامح مع هذا النوع من «الزلّات اللسانية» إذا كان يلحق الضرر بمصالحها كدولة، رغم أنها تعلم أن علاقة عبد المهدي بخصمها الأميركي لا تقل انقياداً وتبعية عن علاقة العبادي، إن لم تكن أعمق وأعرق!

يتبنّى العبادي الأساس القانوني والسياسي لقيام شركة نفط مستقلة عن «السياسة»، ولكنه يتحفظ من المواد التي جعلت عائدات النفط تذهب إلى إدارة الشركة، لا إلى الدولة


إن تكتيك تنويع العلاقات والارتباطات ليس جديداً في أسلوب العبادي، وسبق له أن تفاخر به حين تحدث عن ملف وجود القوات والقواعد الأجنبية في العراق. فقال بعد أسابيع قليلة على تنحيته عن منصبه، إنه ليس مسؤولاً عن الإتيان بالقوات الأميركية بعد سيطرة مسلحي داعش على الموصل، بل هو الرئيس الذي سبقه، زميله وزعيم حزبه نوري المالكي. أما هو - كما قال ووثق قوله بكتب رسمية - فلم يقم إلا بتنويع جنسيات تلك القوات للحفاظ على «مرونة وحرية» القرار السياسي العراقي. إن كلام العبادي هذا - حتى إذا صحَّ واقعاً - فلا يمكن النظر إليه بجدية، فقوات جميع الجنسيات الأخرى ظلت هامشية ورمزية قياساً إلى حجم القوات والقواعد الأميركية وتسليحها، ثم إنه لم يبادر إلى إنهاء، أو التلميح لإنهاء هذا الوجود بعد إعلانه الانتصار على داعش رسمياً!
أما بخصوص قانون «شركة النفط الوطنية» الذي أقرّه مجلس النواب المنتهي العهدة وأقرّته الرئاسة بطريقة مريبة، فالعبادي يحاول أن يعطي الانطباع بأن حكومته كانت ضد هذا القانون، ولكنه يرى فيه حلاً من حيث المبدأ لمشكلة عدم تشريع «قانون النفط والغاز» المختَلَف عليه بين أركان النظام من ممثلي المكونات، ولكي لا تكون قيادة القطاع النفطي بيد «وزير سياسي». بمعنى أن العبادي يتبنّى الأساس القانوني والسياسي لقيام شركة نفط مستقلة عن «السياسة»، ولكنه يتحفظ عن المواد التي جعلت عائدات النفط تذهب إلى إدارة الشركة، لا إلى الدولة/ الحكومة ثم يضيف أن اعتراضات حكومته تحت نظر القضاء، وهذا ليس صحيحاً:
فأولاً، لم تنظر المحكمة الاتحادية في اعتراضات قدمتها حكومته، بل نظرت في دعوى طعن في عدد من مواد القانون المهمة التي قدمها خبراء عراقيون وطنيون من خارج النظام (وهما خبيران يساريان من خارج العملية السياسية الأميركية يسندهما عشرات الخبراء العراقيين الوطنيين)، وقد حكمت المحكمة لمصلحة الطاعنَين ونقضت المواد المطعون فيها واعتبرتها غير دستورية. وهكذا، عُطِّل هذا القانون الذي شكّل خطراً ماحقاً على الثروات العراقية النفطية، وكسب الوطنيون هذه الجولة. وثانياً، فالوزير الذي كلّفه العبادي برئاسة الشركة - مع أن الإعلام قال إن هذا الوزير عيَّن نفسَهُ بنفسِهِ - واحد من مهندسي قانون الشركة، ومن المتحمسين له، وهو شخص ذو نزعة فردية وذو طموحات شخصية معروفة، وقد عبّر عنها بقراراته المرتجَلة التي تراجع عن بعضها، ومنها قراره بفك ارتباط ثلاث شركات نفطية مهمة تابعة للدولة وإلحاقها «بشركته»!
من الآراء اللافتة التي عبّر عنها العبادي في هذه المقابلة، رأيه في ضرورة «زيادة الإنتاج النفطي إلى أقصى حدّ، لأن الاحتفاظ بالنفط لفترة طويلة، يعني فقدان الفرصة إلى الأبد في استثماره». إن رأي العبادي هذا غير علمي وغير واقعي تماماً، فالدول الغربية تعمل منذ عدة عقود على استبدال النفط بمصادر طاقة أخرى، وهي لم تحرز فيه نجاحات كبيرة وحاسمة سوى بعض الإنجازات في مجال الطاقة المتجددة «الخضراء»، وسيبقى النفط والغاز، لزمن قد يطول، مصدراً رئيساً للطاقة والمواد البتروكيمياوية الكثيرة والثمينة المستخرجة منه. ثم إن العبادي في دعوته هذه لا يأخذ بالحسبان حساسية السوق النفطي واحتمال انهياره بسبب زيادة إنتاج هائلة ستؤدي إلى سقوط سعر البرميل النفطي وتضاؤل مخيف في الواردات مهما تضاعف حجم الإنتاج.
يذكر العبادي في هذه المقابلة أنه كان قد أجرى مفاوضات «لإقامة مصافٍ للنفط مع شركة "شِل" في مرحلة ما، وناقشنا ما إذا كان بإمكانهم ذلك. كانوا يعملون في مشاريع نفطية، وكانوا يريدون شركات بتروكيماويات، لكن رئيس شركة "شِل" قال: "إنها ليست مربحة"، الأمر الذي أثار دهشتي».
يمكن أن تزول دهشة العبادي لو أنه استمع بنقدية وشك إلى ما يقوله رؤساء الشركات الأجنبية الأميركية وغير الأميركية، ولو أنه اطلع على تجارب دول أخرى حُرمت بل ومنعت منعاً من أن تكون فيها صناعة نفطية ومصاف كبرى تابعة لها كفنزويلا التي تعاني اليوم من هذا الوضع الذي وجدت فيه. فبناء المصانع والمصافي النفطية غير مسموح به أميركياً كما يتضح. ولهذا - أيضاً - لم تتقدم الحكومة العراقية كثيراً، ويبدو أنها عُرقلت عن قصد، في إنجاز مشروعها لإعادة تأهيل المصافي القديمة أو تلك التي استعيدت من سيطرة مسلحي تنظيم داعش التكفيري، ومن بينها ثاني أكبر مصفاة في الشرق الأوسط «مصفاة بيجي»، التي سرقت لاحقاً حتى الأجزاء التي ظلت سليمة بعد حرب القضاء على داعش، وباعتها جهات نافذة في الحكم، كما قيل في الإعلام العراقي، وسكتت عنه حكومة عبد المهدي ولم تكلف نفسها عناء تشكيل لجنة تحقيق من تلك اللجان «الورقية» الكثيرة!
مضاف إلى ما تقدم، أن أنشاء المصافي أو مصانع البتروكيمياويات كمشاريع استثمارية، أمر لا جدوى فيه من الناحية الاقتصادية، أي من حيث مستوى استرداد رأس المال أو المخاطر الاقتصادية والتنفيذية. ويعتقد بعض الخبراء في هذا الشأن، ومن الناحية الاقتصادية الصرفة تحديداً، «بوجوب عدم متابعة وهم التعاقد مع المستثمرين، وإنما التركيز على الاستثمار الحكومي الموسّع في هذه المجالات».

العلاقة مع الإقليم الكردي
يؤكد العبادي أن العلاقات بين الدولة العراقية الاتحادية وإدارة الإقليم الكردي متذبذبة، ويوضح أن «ليس بسبب سياسة النفط، ولكن بسبب العلاقات الشخصية والسياسية. يمكن أن تصبح جيدة جداً أو تصبح سيئة للغاية». وأن هناك مشكلة أساسية واحدة، وإذا لم تُحَلّ، فلا توجد طريقة للوصول إلى اتفاق على أي شيء: الشفافية. «من المسؤول عن هذا النفط وأين يذهب؟ إنها ليست مسألة نسبة مئوية 17 في المئة، 14 في المئة أو 12 في المئة، أياً كانت. إنه من يستفيد من هذا النفط؟».
إنَّ استخفاف العبادي بموضوع النسبة المئوية التي تحصل عليها إدارة الإقليم، وتركيزه على هوية المستفيدين منها، على أهمية معرفة مصير تلك الأموال، وهذه مسألة إدارية وقضائية بحتة تتعلق بمكافحة الفساد، يعكس نظرة قادة الحكم العراقي الحالي إلى القوانين والدستور والثوابت التي شرّعوها هم أنفسهم: فلا شيء مقدّساً أو قانونياً عندهم، فالارتجال هو سيد الموقف!
يمكن أن يُفهم من كلام العبادي أن المهم ليس تقرير حصة الإقليم على أساس نسبة سكانه الحقيقية بهدف تحقيق المساواة بين العراقيين كما ينص الدستور النافذ، بل المهم هو التصرف بتلك الأموال وأين تذهب، وهذا أمر مهم فعلاً، ولكنه شأن حكومي وإداري يتولّاه القضاء في حالة وجود فساد فيه، لكن لا يجوز الخلط بين الأمرين، مثلما لا يجوز التساهل والاستخفاف بنسب المحافظات والإقليم وجعلها أشبه بجوائز ترضية لتمشية صفقات سياسية. لقد قدم العبادي نسبة معقولة للإقليم، وخفض النسبة التقليدية التي قررتها حكومات ما بعد الاحتلال، بمبادرة من حكومة إياد علاوي، من 17بالمئة إلى 13بالمئة تقريباً، ولكن عبد المهدي وحلفاءه عادوا فزادوا النسبة إلى أكثر من 20 بالمئة من الموازنة العراقية، وألغوا الشرط الذي يوجب على الإقليم تقديم نسبة محددة من إنتاجه النفطي إلى الدولة الاتحادية! وكل هذا حصل - كما قال صراحة القيادي في التيار الصدري حاكم الزاملي - لمصلحة قيادة البارزاني بدفع من إيران وبتنفيذ من حلفائها في بغداد، بدعوى محاولة «سحب البارزاني من المحور الغربي الأميركي إلى المحور الشرقي»!
بعد أيام على نشر هذه مقابلة مع (Iraq Oil Report) عاد العبادي وانتقد في لقاء تلفزيوني ما تقوم به إدارة الإقليم من تصرفات مالية، وقال إنها زادت رواتب الموظفين بنسبة 50 بالمئة عما كانت عليه في عهده، دون أية زيادة في كميات النفط المرسلة من قبل الإقليم إلى الدولة. وقد ردّ عليه مسؤول كردي، هو هوشيار زيباري، مذكراً إياه بأنه «فقد منصبه نتيجة سياساته المناهضة للكرد، وهو يتحدث اليوم بالضد من سياسات عبد المهدي التي تلبي مطالبنا المشروعة». بعدها جاء تدخل مكتب مسعود البارزاني ليتخلى عن أية لغة دبلوماسية في الخطاب السياسي، فوصف العبادي بـ «الجاحد للبيشمركة وشعب كردستان الذين لولاهم لما استطاع شخص مثله أن يرى الموصل بعينيه ثم يسرق النصر على داعش في الموصل ويتباهى به». وقد مرّت هذه التصريحات المتشنّجة بسلام وهدوء على الساسة في التحالفين الشيعيين من حلفاء وخصوم العبادي!
وعموماً، فكلام العبادي هذا، رغم صحته النسبية، لن يحدث أثراً في المشهد السياسي الراهن ما دام قد اتفق التحالفان الشيعيان «الإصلاح» و«البناء» المتنافسان على كسب الصوت الكردي على دعم حكومة عبد المهدي الذي أغدق الكثير على إدارة الإقليم.

بين إيران والولايات المتحدة
أخيرا، وبخصوص موقف العراق من المواجهة بين إيران والولايات المتحدة، يلخص العبادي الموقف العراقي المطلوب من الحكومة الجديدة التزامه بالكلمات الآتية: «آمل ألّا تدخل - الحكومة الجديدة - في فخ «إيران مقابل الولايات المتحدة». يجب أن تكون لدينا مصالحنا الخاصة. لا نريد إيذاء إيران، ولا نريد أن نكون ضد الولايات المتحدة». وفي الحقيقة، فهذا ليس رأي العبادي فقط، بل هو رأي جميع رؤساء الحكومات العراقية لسنوات ما بعد الاحتلال. إنهم يتصرفون على أساس أن الموقف الصحيح يجب أن يقوم على إرضاء الطرفين الأميركي والإيراني لضمان مصالح العراق! وهذا خطأ فادح وتكتيك انتهازي لا يضمن مصالح العراق، بل يخدم مصلحة الطرفين الآخرين، ويدفع العراق ثمنه من نفط البصرة ومن أمنه واستقلاله.
إن الموقف الوطني الاستقلالي الأقرب إلى الموضوعية هو الذي يقوم على التمييز النوعي بين الاحتلال المباشر وغير المباشر الأميركي والتدخلات والهيمنة الإيرانية التي تضر أشد الضرر بالتضامن الحقيقي بين العراق وإيران في مواجهة الولايات المتحدة ودولة العدو الصهيوني. موقف يعتمد استراتيجية واضحة تدافع عن مصالح العراق وتواجه الاحتلال الأميركي وتتعامل بحسم مع رفضه سحب قواته وقواعده العسكرية من العراق، وأيضاً، في الوقت نفسه، ترفض الهيمنة الإيرانية المتفاقمة في السياسية والأمن والاقتصاد والثقافة رفضاً حقيقياً لاستعادة القرار الوطني العراقي المستقل!
إنَّ وجود عراق مستقل وديموقراطي مالك لقراره السيادي سيكون عامل قوة لإيران المناهضة للغرب والدولة الصهيونية. أما العراق الضعيف الذي تحكمه أحزاب طائفية وقومية فاسدة تحميها إيران والولايات المتحدة، فهو قد يكون مفيداً لإيران في فترة معينة، ولكنه سيكون على الدوام عامل ضعف وتهديد لها على المستوى الاستراتيجي.
*كاتب عراقي