في سوريا ما بعد 16 تشرين الثاني/ أوكتوبر 1970 وفي مصر ما بعد 15 أيار/ مايو 1971وفي جزائر ما بعد وفاة هواري بومدين يوم 27 كانون الأول/ ديسمبر 1978هناك نموذج للسلطة مبني على تحالف المؤسسة العسكرية - رجال الأعمال - الاسلام الرسمي. جرت محاولة للاصطدام بهذا النموذج من قبل (الاسلام السياسي الأصولي الإخواني) في سوريا من خلال أحداث حزيران/ يونيو 1979- شباط/ فبراير 1982وفشلت. حصل انفجار اجتماعي جزائري واسع عبر مظاهرات 5 -11 تشرين الأول/ أوكتوبر 1988ضد هذا النموذج، اضطرت بسببه المجموعة الحاكمة الجزائرية إلى فتح نافذة التعددية الحزبية بعد أن كانت متكئة إلى واجهة الحزب الواحد، ثم خوفاً من أن ينطبق عليها قول فريدريك إنجلز: «إن الخسارة هي مصير أية حكومة تسمح لحركة معادية تتطلع إلى إسقاطها بالعمل في إطار القوانين». اضطرّت المؤسسة العسكرية إلى القيام بانقلاب 11 كانون الثاني/ يناير 1992 الذي منع اكتمال المسار الانتخابي البرلماني الذي كانت جولته الأولى تشير إلى فوز «الجبهة الاسلامية للإنقاذ» بأغلبية المقاعد، وهو ما أدخل الجزائر في حرب أهلية استغرقت عشر سنوات ذهب فيها ما يفوق مئة ألف قتيل. في 25 كانون الثاني/ يناير2011 انفجر هذا النموذج للحكم في مصر، وقد كان وصول «الإخوان المسلمين» للسلطة في يوم 30 حزيران/ يونيو 2012 عبر الانتخابات الرئاسية مؤشراً إلى بداية لعملية إطاحة نموذج حكم المؤسسة العسكرية - رجال الأعمال - الاسلام الرسمي، وهو ما سارعت أطرافه، مستغلّة دعم دول الخليج التي خافت من مدّ الأصولية الاسلامية وانعكاساته عليها وبداية تخلي الرئيس الأميركي باراك أوباما عن تحالفه المبني على عجل منذ سقوط حسني مبارك في 11 شباط/ فبراير 2011 مع «الإخوان المسلمين»، إلى تكرار الانقلاب الجزائري للجنرال خالد نزار على الاسلاميين في 11كانون الثاني/ يناير 1992 عبر انقلاب السيسي في 3 تموز/ يوليو 2013. في سوريا 18 آذار/ مارس 2011 انفجر هذا النموذج عبر حراك اجتماعي معارض واسع، ولكن عملية تحول الانفجار السوري إلى أزمة دولية وإقليمية قد ساعدت أطراف نموذج المؤسسة العسكرية - رجال الأعمال - الاسلام الرسمي على عدم السقوط وجعل الحراك الاجتماعي المعارض الذي امتطاه منذ خريف 2011 الاسلام الأصولي ثم الاسلام السلفي الجهادي فاشلاً .

في هذا الصدد ، كانت هناك تقديرات بأن فشل «الربيع العربي»، الذي نتج عن انفجار البنية الاجتماعية لخمس جمهوريات عربية في عام 2011 ولو مع شيء من «الاستثناء التونسي» الذي كان ناجحاً إلى حدّ معين في تحقيق «الانتقال من الديكتاتورية إلى الديموقراطية»، كان يعني عودة إلى الركون العربي الاجتماعي إلى «مملكة الصمت»، وفي فترة 2016 - 2018 كان هناك عودة، في المزاج الاجتماعي العربي العام، إلى مقولات «ليتها لم تكن» و«السكون أفضل من الحركة» و«كنا في أفضل حال...نأكل ونشرب وننام بسلام واطمئنان»، وهو شيء لوحظ في فرنسا ما بعد فشل الثورة الفرنسية 1789-1815وعودة آل بوربون إلى السلطة بعد هزيمة نابليون بونابرت في معركة واترلو أمام جيوش بريطانية - بروسية - نمساوية - روسية متحالفة ضده.
كان الانفجار الاجتماعي السوداني منذ 19ديسمبر 2018 بوجه سلطة الفريق عمر البشير (وهي مبنية على نموذج تحالفي للمؤسسة العسكرية مع الاسلام السياسي منذ يوم 30 حزيران/ يونيو 1989) مؤشراً معاكساً لتلك النزعة السكونية المحافظة التي سادت أغلب العرب في سنوات ثلاث من الزمن، ثم جاء الانفجار الجزائري الاجتماعي في 16شباط/ فبراير 2019 ليكون الأكبر عربياً، إلى درجة أنه كان أقوى بموجاته المليونية من انفجار 25 كانون الثاني/ يناير - 11 شباط فبراير 2011 بوجه حسني مبارك.
يمكن ،هنا، دراسة الحراك الاجتماعي الجزائري الذي أجبر مؤسسة السلطة الجزائرية على الدفع باتجاه استقالة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة من منصبه في 2 نيسان/ إبريل.كان الحراك قد بدأ في 16شباط / فبراير بعد عشرة أيام من الاعلان عن نية بوتفليقة الترشح للعهدة الخامسة. في 11 آذار/ مارس أعلن عدم نيته للترشح بعد أن قدم أوراق ترشحه (أو قُدّمت نيابة عنه) في 2 آذار/ مارس. لاحقاً تم الاعلان عن إلغاء الانتخابات، وأنه ستكون هناك فترة انتقالية وحوار وطني ينتهيان بانتخابات رئاسية في بداية عام 2020 مع بقاء بوتفليقة في الفترة المذكورة بعد انتهاء مدّته الرئاسية في 28 نيسان/ إبريل2019. جرى التراجع عن ذلك بعد تصريح قائد المؤسسة العسكرية الجنرال أحمد قايد صالح في 26 آذار/ مارس بضرورة تفعيل (المادة 102) التي تقول بشغور منصب الرئيس بداعي المرض، وقد لوحظ عدم اجتماع المجلس الدستوري بعد تصريح الجنرال، فيما اجتمع مباشرة وأقرّ بحدوث الشغور في المنصب الرئاسي عقب استقالة بوتفليقة. هنا، يمكن تسجيل أن السلطة بمؤسساتها كافة، المؤسسة العسكرية - الرئاسة - الحزب الحاكم، قد رقصت على إيقاع ضغط الحراك الاجتماعي وليس على إيقاعها الخاص، كما لم تحاول القيام بمقاومة هذا الإيقاع كما جرى في النصف الثاني من عام 1991 بعد اعتقال الصف الأول من قيادات «الجبهة الاسلامية للإنقاذ»، عباسي مدني وعلي بلحاج، في 30 حزيران/ يونيو، قبل أن تقوم بضربه في 11 كانون الثاني/ يناير 1992. حاولت السلطة مخادعة الحراك كما في 11 آذار/ مارس 2019، ولكنها لم تنجح، ثم ظهر التناقض بين المؤسسة العسكرية والرئاسة، وهو ملفت للنظر، في يومي الثلاثاء 26 آذار/ مارس والثلاثاء 2 نيسان/ إبريل، بين الشغور والاستقالة. كان بوتفليقة أول مدني، رغم أن المؤسسة العسكرية هي التي جلبته عام 1999كواجهة رئاسية، يستطيع القيام بتقليم بعض أظافر المؤسسة العسكرية، ولكن يبدو بعد مرضه عام 2013 أنها قد عادت للتحكم، ولكن مع مقاومات من مؤسسة الرئاسة المتحالفة مع رجال الأعمال أو بعضهم ومع حزب جبهة التحرير الذي انفلت من أيدي العسكر عام2019 وفي عهد عبد الحميد المهري أيام ما بعد انقلاب 1992حتى إزاحته من منصبه كأمين عام للحزب عام 1996، وهو، كتناقض أو تباين بين المؤسستين، قد أسهم في تظهيره الحراك الجزائري بوضوح عام 2019. لم تكن المؤسسة العسكرية عام 2019 سوى لاعب من بين مؤسسات السلطة وليس اللاعب الأول والمقرر كما في 1991-1992. هناك مؤشرات على أن حراك ما بعد 16 شباط/ فبراير 2019 قد أسهم في انفراط نموذج حكم المؤسسة العسكرية - رجال الأعمال - الاسلام الرسمي في الجزائر، وفي أن هذا النموذج الذي صمد ضد إسلاميي التسعينيات وهزمهم، لم يعد قائماً بعد حراك اجتماعي قوي أثبت أن سلطة المجتمع في إمكانها تحدّي السلطة الحاكمة في بلد عربي وزعزعتها.
* كاتب سوري