«هم لا ينشدون احترام أحد، وإنّما يبتغون رهبته»،

تعليق مثقّف سعودي على الاعتقالات الأخيرة

قد يكون من اللازم قراءة حدثَين متزامنَين، حصلا خلال هذا الأسبوع، على أنهما مؤشّرٌ على ملامح الحقبة الجديدة في السعوديّة والمنطقة. من جهةٍ، تقدّمت شركة «أرامكو» الحكوميّة بعرضٍ لسندات دينٍ في أسواق المال العالميّة، وهو اختبارٌ لحماسة المستثمرين ومدى استعدادهم للتعامل مع الحكومة السعوديّة. حصلت «أرامكو» على رقمٍ قياسيّ: أكثر من مئة مليار دولار عرضت عليها وهي لم تكن تنوي أن تجمع أكثر من 12 ملياراً. اعتبرت الصحف الاقتصادية (مثل «بلومبرغ») أنّ هذا التهافت على شراء سندات سعودية (هي بمثابة سندات حكومية) يمثّل دليلاً على «إعادة تأهيل» النظام السعودي في نظر الأسواق الماليّة بعد أشهرٍ على اغتيال جمال خاشقجي، وأنّ آثار القضيّة قد بدأت بالزوال.
في الوقت ذاته، كان النظام السعودي يتابع جولات اعتقالاته، التي أصبحت تطال كتّاباً ومثقّفين، أكثرهم لا توجد له مواقف «معارضة» أو نشاط سياسي؛ وبعضهم لا يمكن تصنيفهم على أنّهم «ناشطون» أصلاً، بل هم «مواطنون أفراد» يعيشون في مجالهم الخاص، أو يهتمّون حصراً بالثقافة ولا تجد لهم موقفاً سياسياً في الفضاء العام. بمعنى آخر، هم ببساطة أفرادٌ يشبهوننا (ويشبهون من يحتمل أن يقرأ هذا المقال)؛ يحاولون أن يبنوا حياةً لهم مع أقلّ قدرٍ من المتاعب، وحتى هؤلاء وصلت إليهم يد محمد بن سلمان. عرفت، مثلاً، عن أحد المعتقلين، أنّ «النشاط» الوحيد الذي قام به كان أن يعقد حلقات مع أصدقائه لقراءة الاقتصاد السياسي وسمير أمين، وهو يقبع في السجن منذ أشهر طويلة. أمّا أحد الذين تمّ اعتقالهم مؤخّراً فقد سيق إلى السجن برفقة زوجته، وهي حاملٌ في شهرها الأخير.
المفارقة هي أنّه ليلة الثلاثاء، فيما كانت تجري دورة جديدة من توقيف المثقفين والكتّاب، كان محمد بن سلمان يجري اتصالاً هاتفياً مع دونالد ترامب، بل إنّ ترامب - بحسب البيان الرسمي للبيت الأبيض - شدّد على أهمية «حقوق الإنسان» في حديثه مع الأمير (حتى نفهم بوضوح أنّهم يسخرون منّا). في اليوم نفسه، للمصادفة الدالّة، كان ترامب يستقبل الرئيس المصري - حليفه الآخر في المنطقة - بحفاوة، ويعلّق بأنّ استضافته له هو «شرفٌ عظيم» (الذين راهنوا على أنّ السيسي سيكون «أفضل من الاخوان» تجاه قضايا المنطقة هم تماماً كالذين يراهنون اليوم بأنّ حزباً قوميّاً فاشياً يحكم تركيا سيكون «أفضل لهم» من أردوغان).

الثقافة والاعتقال
المشكلة هي أنّ الدفاع عن معتقلين سعوديين والكلام عن قضيتهم، تحديداً في «الأخبار»، قد يعود عليهم بالضّرر، ولكن هذا لا ينطبق على غيرنا، والأكيد حتى الآن هو أنّ «مجتمع الناشطين العرب» ليس بصدد افتعال صدامٍ مع النظام السعودي حول القضيّة. والتجاهل هنا لا يطال مَن يعمل في الإعلام والمؤسسات سعوديّة التمويل فحسب، بل مَن خارجها أيضاً، ومًن يبحث يوميّاً عن موضوعٍ ينظّر فيه ويحوّله إلى قضية - وبخاصّة إن كانت من القضايا التي تساهم في بناء «سي في» مناسب بالمعنى المهنيّ، وتوصل لحلقات التمويل والوظائف «الجيدة». أنت من جعلت قضيتك في الحياة الدفاع عن الحريات والصحافيين والكتّاب، ثمّ يتم اعتقال سعوديّ هو صديقٌ لك على «فايسبوك» و«تويتر»، لا يمكن أن تنتظر عدالةً في قضاياً مثل هذه، ولو بمعنى التضامن والمواقف الهوائية، بل نحن في عالمٍ لا توجد فيه حتى «سلطات» محايدة، تخبر عن الواقع بأمانة كما يُفترض بالإعلام أو بالمنظّمات الدولية «الحقوقيّة».
بحسب «ذا كاناري» مثلاً (وهي مؤسسة إعلامية بريطانية، تطرح نفسها بديلاً مستقلّاً عن صحافة المؤسسة) فإنّ «منظمة العفو الدولية» لا تزال لا تعترف بتشيلسي مانينغ (التي سرّبت أوراق حرب العراق وأفغانستان إلى «ويكيليكس») كسجينة رأي، بعد أن تمّ اعتقالها مؤخّراً للمرّة الثانية (بعد أن قضت سنوات في السجن). بل كان تعليق أحد مديري المنظّمة «دفاعاً» عن مانينغ هو أنها «لا يجب أن تظلّ في السجن لفترة أطول من اللازم»، (تذكّرنا «ذا كاناري» بأنّ منظّمة العفو تصنّف ليوبولدو لوبيز، السياسي الفنزويلي الذي شارك في انقلابٍ عسكري عام 2002، «سجين رأي»). حين تتأمّل مصادر تمويل هذه المنظّمات، أصلاً، ورواتب مديريها وموظفيها، تفهم لما هي عاجزة - بنيوياً - عن أن تكون مستقلّة ومحايدة، أو أن تُزعج الحكومات الغربية في الأمور التي تهمّ. بالمناسبة، كما علّق سلافوي جيجك مؤخّراً، فإنّ قضايا جوليان أسانج وتشيلسي مانينغ هي، في الحقيقة، القضايا الأهمّ على الإطلاق بمعنى «الدفاع عن الحرية» اليوم - حريتنا نحن وليس حرية غيرنا - وهي مواجهة واضحة في وجه سلطاتٍ تريد تحويل الإنترنت إلى مكانٍ يتم التحكم به، وتقبع فيه باستمرار تحت الرقابة. لا أحد تقريباً يجرؤ على الدفاع علناً عن «ويكيليكس»، وتشيلسي مانينغ في السجن مجدداً.
على الهامش: اكتشفت سريعاً أنّه، في عالم الثقافة والكتابة، فإنّ التحدّي الأساسي هو ليس في أن تصل إلى الفكرة «الصحيحة» أو أن تأخذ «الموقف الصحيح»، الجهاد الأكبر - حقيقةً - هو في التجنّب، أي أن تتّقي الآفات التي قد تقضي عليك ككاتب. هي كثيرةٌ، ولكن واحدة منها تكفي: الارتزاق، الدخول في شبكات المصالح والطموح، أن تصبح عضواً في «شلّة» وأن تصادق المثقّفين، إلخ. هذه الأمور كلّها تكبّلك وتضع حدوداً على عقلك وتمنعك من التفكير بعقلانية ونقديّة. قد تكون هي الطريق إلى الترقّي المادي و«الوظائف الجيّدة» والحياة التي يسعى إليها أي إنسانٍ مثقّف من الطبقة الوسطى، ولكن هنا نجد إحدى مفارقات الدّهر وفخاخه: العناصر التي تُشعرك بالأمان (الوظيفة المستقرّة، جوقة من الأصدقاء تحميك وتروّج لك، القرب من السلطة و- أوّلاً وقبل ذلك كلّه - الزواج) هي ذاتها التي تقودك لأن تفسد، وتخسر استقلالك الفكري، وتعجز عن إنتاج أفكارٍ أصيلة. راقبوا مثلاً كيف اجتذبت منصّات الخليج، خلال العقد الماضي، عدداً هائلاً من الناشطين العرب (أكثرهم كان شباباً مسيّساً، مثقّفاً وجذرياً ولديه موهبة) وحوّلتهم - جماعياً - إلى كتّابٍ مملّين، يصعب أن يخرجوا - بالمعنى السياسي - بفكرةٍ حقيقيّة أو بشيءٍ جديد.

سيف السلطان
أهميّة الاعتقالات الأخيرة في السعودية لا تكمن في هويّة المستهدفين، بل في الرسالة التي تبثّها في المجتمع. تخيّلوا، بعد أن بطش النظام بالمعارضين، ثم المعترضين، ثم المنتقدين، أصبح يطال الناس على النيّة والشكّ وما يُقال في المجالس الخاصّة. أن يجري اعتقالك لا لأنّك كتبت أمراً مخالفاً، بل لمجرّد أنّك لم تثبت الولاء وتفكّر و«تبدو مستقلّاً». بمعنى آخر، ما يفعله بن سلمان اليوم هو أنّه يزيل «الهامش الليبرالي» الذي كان يسمح بالإبقاء على مسافةٍ بين النّظام وبين «المواطن الفرد المستقلّ»، وهو ما كان موجوداً تقليدياً في المملكة. أي أنّ الفرد يقدر أن يظلّ «مستقلّاً» ولا يضطرّ إلى محاباة النّظام أو تقديم فروض الطّاعة، طالما أنّه لا يعارض ولا يتدخّل في المجال السياسي؛ و«الاستقلال النسبي» هنا لا يعيقه عن الاستفادة من مزايا المواطنة والانتماء، وقد يكون موظفاً في الدولة أو خبيراً أو طبيباً من غير أن يتملّق ويتسلّق. محمد بن سلمان يعلن أنّ هذا العهد انتهى، وأنّ المواطنة قد أصبحت «امتيازاً» مشروطاً، وشرطه سياسي. الغريب هو أنّ هذا القمع القاسي، والإجراءات الـ«ستالينية»، يرتكبها نظامٌ لا يواجه تحدّياً داخلياً أو معارضةً مؤثّرة، ولكنه قد يزجّك في السجن لسنواتٍ لأنّه لا يستريح لك.
من الممكن لك أن تتخيّل مقدار الخوف والرهبة الذي تبثّه هذه الإجراءات بين السعوديين والمثقفين، وكلّ من نشر مقالاً في الماضي، ولكنّك لن تقرأ عنه لأنّ القمع الأفعل هو ذاك الذي يجري في صمت. لا أحد يعلم من سيكون الضحية المرّة القادمة، قد يعتقل النظام غداً من ينادي بمقاطعة إسرائيل، أو من يدافع عن أي مقاومة عربية، أو من يقرأ الأمور «الخطأ». صاغ باحثان في العلوم السياسية تصنيفاً لنمطٍ خاصٍّ من القمع، أسمياه نمط «الأنظمة السلطانية». ميزة الأنظمة السلطانية (على طريقة نظام عيدي أمين في أوغندا) أنّ القمع فيها ليس موجّهاً ضدّ فئات محدّدة أو أفعال محظورة، بل هو «عشوائي» تقريباً وغير قابل للتنبؤ؛ لا يمكن أن تعرف من سيغضب عليه الرئيس غداً ويزجّه في السّجن. هذه الحالة من انعدام الوضوح، بحسب الباحثين ستيبان ولينز، تولّد صنفاً فريداً من الخوف والانصياع: لأنّك معرّضٌ باستمرارٍ لغضب السلطان، ولا يكفي أن تنزوي في حياتك لكي تأمن، فأنت تجد نفسك مجبراً على الدوام على «فعل شيء ما» لإثبات ولائك، ولأنّك لا تعرف ما الذي قد يُغضب السلطان، فأنت لا تجرؤ على أي فكرةٍ أو نشاطٍ يوحي باستقلالية ما عن النظام. كتب ستيبان ولينز عن النظم السلطانية باعتبارها نخباً قبليّة أو «قبل حداثية»، ولكنها حصلت على جهاز دولةٍ وقمعٍ بالمواصفات الحديثة سمح بخلق حالةٍ «غير عقلانية» من البطش. ولكن الباحثَين لا يشرحان ما الذي يحصل حين يكون السلطان وكيلاً إقليمياً لأكبر قوّةٍ في العالم.

تحدّي «جيوستراتيجي»
المشكلة الأكبر هي أنّ السجّان السعودي لا يعتقل مواطنيه فحسب، وبطش السلطان يصيبنا جميعاً. لديّ نظرية أنّ الموقف تجاه النظام السعودي هو من المحدّدات الأساسية لهويتك السياسية في بلادنا. سأشرح: لو كنت إنساناً عربياً عاقلاً ونظرت من حولك، فأنت ستجد نظاماً ملكياً يهيمن على ثرواتٍ لا تصدّق، وهو في الوقت نفسه جزءٌ من منظومة الهيمنة الأميركية. أيّ إنسانٍ سيفهم بأنّه، في وجود خصمٍ رجعيّ بهذه القدرات وهذه الحماية على حدودك مباشرة، فأنت لا يمكن أن تعيش بشكلٍ طبيعيّ أو أن ينشأ ويستمرّ أيّ مشروعٍ يعارض الهيمنة السعودية والأميركية والإسرائيلية. هذا سؤال «استراتيجي» لا بدّ من الإجابة عليه، وقد خرج إجمالاً موقفان حول المسألة في دول المنطقة.
الموقف الأوّل هو لمن يمكن أن نسمّيهم «الراديكاليين»، الذين استنتجوا أنّ هذا الواقع يفرض أن لا بديل - عاجلاً أم آجلاً - عن إسقاط النظام السعودي أو الحدّ من أثره؛ فلا معنى لأن تحاول البناء أو المقاومة وأنت تعرّض نفسك لاختراق من يفوقك مالاً ونفوذاً وقدرات. المعسكر الثاني، قد نطلق عليهم اسم «الواقعيين»، خرجوا بالخلاصة المعاكسة، وهي أنّ النظام السعودي (مثل أميركا) لا قدرة لأحد على مواجهته، وأنّه من الواقعي أن تقبل بوجوده وتتعايش معه ضمن أي صيغةٍ وبأيّ ثمن، وأن تجد لنفسك مكاناً في المنظومة وتجرّب أن تستفيد من المال النفطي الوفير (وهذا بالطبع، عرضٌ مغرٍ للنخب التجارية ونخب الأنظمة، وهو بالطبع خيارٌ يرونه أكثر سلامة بكثير من سياق المواجهة والحصار و«الاكتفاء الذاتي»). أقول بأنّ الإجابة على هذا السؤال «مفصليّة» لأنّها، «السؤال الذي يحسم أسئلة كثيرة أخرى»، فينسحب قرارك هنا على موقفك من أميركا ومن فلسطين ومن الأساسيات - فلا معنى لأن تقول (جدياً) بتحرير فلسطين كهدفٍ وأنت شريك الأميركيين، أو أن تحلم بالاستقلال الوطني وتوزيعٍ عادلٍ للثروة وأنت تعتمد في قوتك على آل سعود. كلّ إجابةٍ هنا تأخذك في طريق، ولكن المستحيل هو أن تتوهّم أن في وسعك الوقوف في المنتصف في مسألةٍ كهذه، وأن تحوز – بشكلٍ ما – على الهدفين معاً.
هذا الانقسام يمرّ عبر مختلف الفئات السياسيّة، يساريين وقوميين وإسلاميين، وتجد الخيارين حاضرين في كلّ نخبة نظامٍ مرّ على المشرق. منذ عام 1967 على الأقلّ، كان تيار «الواقعيين» هو الغالب في اللعبة السياسية، وبهذا دخلت بلادنا في «العصر السعودي» المديد. وأصوات «التعايش» مع النظام السعودي و«الواقعية» تصدح على الدوام بقوّةٍ، في سورية والعراق وغيرهما، وترتفع بلا خجل حتى في عزّ حالة الحرب، أو حين يصل عدد المفخخات التي أرسلت إلى عاصمتك إلى الآلاف. هذه الأصوات تدعونا اليوم لأن لا نتعلّم من الماضي، وأن نتأقلم جميعاً مع الحياة في سجن محمد بن سلمان. جوهر المسألة هنا هو أنّ بعض الخيارات التي تربّينا على «استحالتها»، أو التي تبدو صادمة أو «راديكالية» للوهلة الأولى تكون حقيقةً، إن احتسبنا الأمور بالعقل وبالمنطق البارد، هي الخيار المنطقي والخيار الوحيد.