الكتاب الذي بين أيدينا «انهض واقتل أولاً: التاريخ السرّي للاغتيالات الاستهدافيّة الإسرائيليّة» لرونِن برغمان


Rise and Kill First by Ronen Bergman, Penguin Random House -2018 يكشف بعض أساليب عمل الـ«موساد» في بلادنا، ولهذا فإن أجهزة مكافحة التجسّس والاختراق في حركات المقاومة — الحاليّة والمستقبليّة — يجب أن تدرس هذا الكتاب بدقّة متناهية لما يحتويه من معلومات لم يتقصّد المؤلّف كشفَها في بعض الأحيان. يكتب برغمان مثلاً أن عملاء الـ«موساد» يتخفّون غالباً بشخصيّة صحافي أو مصوّر أو كاتب سيناريو يعمل على إعداد فيلم، وأن هذه الهويّات المزيّفة تسري لأنها لا تتطلّب شروحات كثيرة (ص. ١٠١). وقد فكّرت في هذا قبل أيّام عندما رأيت صورةً لمؤتمر صحافي لغسان كنفاني من عام ١٩٧٠، وكان مُحاطاً بجيش من المراسلين والمصوّرين (معظمهم بدوا غربيّين وغربيّات). نذكرُ كيف كانت المنظّمات الفلسطينيّة (بما فيها «الجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين» التي كان من المُفترض أن تكون أكثر حذراً) تفتحُ ذراعيْها ومكاتبَها أمام كل غربي وغربيّة يأتي إلى بيروت بحجّة كتابة مقالات صحافيّة أو كتاب عن الثورة الفلسطينيّة. لم يكن هناك من تدقيق أو تمحيص في خلفيّة أيٍّ من هؤلاء، وكان الافتراض دوماً أنهم أصدقاء حقيقيّين للثورة. ومَن مِنّا قابل أو عرفَ صحافيّة أو صحافي قدموا إلى بيروت بعد اغتيال الحريري بحجّة كتابة موضوع عن الحريري، ولم يكتبْ هؤلاء على مرّ السنوات كلمة واحدة في المجلّة التي كانوا قد قالوا لنا إنها أرسلتهم إلى لبنان في مهمّة صحافيّة؟
ويظهر من الوثائق الإسرائيليّة السريّة الاهتمام الإسرائيلي المُبكِّر بحركة «فتح» وقيادتها، ما يعكس الصورة التي تركتها الدعاية الإسرائيليّة عن عدم فعاليّة العمليّات الفدائيّة لفصائل المقاومة في أواخر الستينيّات وأوائل السبعينيّات. وينقلُ في استشهاد بياسر عرفات جملةً يظهر منها أن المخابرات الإسرائيليّة فبركتها ونقلها هو بلا كيف (يقول فيها عرفات «حتى نرمي كل اليهود في البحر» (ص. ١١٠) وهذه العبارة نسبتها حكومة العدوّ إلى أحمد الشقيري من قبل — وهو لم يقلْها ونفاها أكثر من مرّة — ثم نسبتها إلى غيره لأنها تجد أنها سهلة التأثير في الإعلام والرأي العام الغربي في عصر ما بعد المحرقة اليهوديّة). وترد في الكتاب معلومةٌ مهمّة عن حصول مدير الموساد قبل حرب ١٩٦٧ على الضوء الأخضر من روبرت ماكنمارا لشنّ الحرب (ص. ١١٣).
ويتجلّى غياب الحسّ النقدي للمؤلّف في تغطيته للرواية الإسرائيليّة عن «أيلول الأسود». فهو لا ينفي مسؤوليّة أبو حسن سلامة عن عمليّة ميونيخ (بالرغم من عدم وجود أي صلة له بها، لا بل إن الكاتب يضيف أن سلامة كان على صلة بمنظّمات يساريّة غربيّة، ولإضفاء المزيد من المهارة على عمل الـ«موساد» في استهدافه). ويضيف المؤلّف أنه لم يكن لسلامة صورٌ (ص. ١٧٨)، مع أن صورَه كانت تملأ الصحف اللبنانيّة، لا بل هو يتحدّث عن مقتل وائل زعيتر، الكاتب الفلسطيني الذي لم يكن له صلة بالعمل العسكري بتاتاً: هو من ناحية يقول إن مسؤولاً في الـ«موساد» اعترف بأن «خطأً بالغاً» ارتُكبَ في اغتيال زعيتر، ويضيف المؤلّف مُشكّكاً في براءته أن الفلسطينيّين نفوا ضلوعه في ميونيخ، لكن «مزاعم مماثلة قد قيلت عن كل هدف» لاغتيال الـ«موساد» (ص. ١٦٠) في تلك الفترة. لكن هذا غير صحيح: لم ينفِ أحد في المقاومة أن كمال عدوان كان ضالعاً في عمل المقاومة، أو أن محمد بودية (مسؤول في منظمة وديع حداد، واغتيل في باريس عام ١٩٧٣) لم يكن مسؤولاً في المقاومة. تشكيك المؤلّف يهدف إلى تسويغ قتل المدنيّين. ويستبطن المؤلّف دعاية العدوّ عندما يجعل هدف كل عمليّات المقاومة هو قتل اليهود — كيهود. وهو ينقل دعاية مصادره في الـ«موساد»، ويقول إن وديع حدّاد — الزاهد وديع حدّاد، الذي ترك الدنيا ومتاعها من أجل التفرّغ لتحرير فلسطين — كان يعيش حياة ثراء في لبنان وفي فلسطين (ص. ٢١١).
وفي عمليّات العدوّ الإرهابيّة في قلب لبنان قبل الحرب، يرد ذكر عميل إسرائيلي لبناني يصفه الكتاب بـ«واحد من أكثر عملاء "أمان" قيمةً في تاريخ العملاء اللبنانيّين»، وأنه «من عائلة مسيحيّة ثريّة وذات علاقات واسعة». وتطوّع هذا الرجل بتقديم معلومات (مجاناً) إلى العدوّ منذ الأربعينيّات من خلال الحمام الزاجل يومها، إلى أن جهّز سيارته بكاميرا تصوير كان يرسلها إلى العدوّ (بلغ عدد الصور التي أرسلها مئة ألف صورة، ص.١٦٢). وكان يزور فلسطين المحتلّة (قبل اندلاع الحرب) عبر البحر. هذا اللبناني هو الذي أمدّ العدوّ بمواقع سكن قادة المقاومة في شارع فردان، ما أدّى إلى عمليّة الإرهاب التي استهدفتهم في نيسان ١٩٧٣.
مَن يكون هذا الشخص يا ترى؟ هل هو الصناعي والناشر اللبناني الذي استضاف يخته لقاءات في خليج جونية بين قادة العدوّ وقادة الجبهة اللبنانيّة؟ وهو نفسه الذي كان سليمان فرنجيّة يريد أن يوزّره، لكن المخابرات المصريّة حذّرته بسبب علاقاته بالعدوّ. لكن سهولة عمليّة الاغتيال في ١٠ نيسان في شارع فردان بالنسبة إلى العدوّ، تحيّر: كيف يمكن أن تستسهل المقاومة أمنَها لهذه الدرجة، وأن تخرق أبسط معايير السريّة والأمن؟ هذا لا يعفي الدولة اللبنانيّة التي كانت آنذاك متواطئة في بعض قادتها وأجهزتها مع العدوّ. ولم تحصل أي محاسبة في صفوف المقاومة عن حالة التسيّب الأمنيّة التي أدّت إلى نجاح العدوّ في الاختراق، والذي وجد جنوده حرّاس المقاومة نائمين في سيّاراتهم.

يتجلّى غياب الحسّ النقدي للمؤلّف في تغطيته للرواية الإسرائيليّة عن «أيلول الأسود»


أما عمليّات العدوّ في أوروبا، فهي اعتمدت على دور مخبر في منظمة وديع حداد («العمليّات الخارجيّة»). لكن عدد أعضاء منظمة «العمليّات الخارجيّة» في أوروبا في عام ١٩٧٣ كان صغيراً جداً، وعدد الذين كانوا يعلمون بعمليّات قبل حصولها أقل. وهذا العميل الإسرائيلي الذي يرد في الوثائق أعلمَ العدوّ بالتخطيط لعمليّة ضد طائرة «العال» في روما في عام ١٩٧٣. لقد حامت الشكوك كثيراً على مرّ العقود حول دور اللبناني، ميشال مكربل، الذي أرداه «كارلوس» قتيلاً في عام ١٩٧٥ بعد عودة الأوّل من بيروت. لكن وثيقة لـ«ويكيليكس» تروي ما حدث لمكربل في بيروت؛ إذ إنّ سلطات الأمن اللبنانيّة اعتقلته وتعرّض لتعذيب بحضور مسؤول أمني أميركي (المسلسل الألماني - الفرنسي، «كارلوس»، اختار أن يغيّر هويّة المسؤول الأمني الأميركي إلى فرنسي، لسبب مشبوه ما). لكن السلطات اللبنانيّة تركته يعود إلى فرنسا، ما أثار شبهات رفاقه يومها، بعد أن أعلمت السلطات في باريس عنه، وهو الذي قادها إلى مكان كارلوس، الذي فرَّ بعد أن أطلق الرصاص على شرطيّيْن فرنسيّيْن وعلى مكربل. لكن هناك مَن يذكّر بأنّ مكربل أتى إلى وديع حدّاد بتزكية من الحزب القومي، وليس في تاريخ أعضاء الحزب خيانات وعمالة. كذلك فإن وثيقة «ويكيليكس» لا توحي أن مكربل كان يعمل للعدوّ، لكن يجوز أن العدوّ الذي يحمي عملاءه لم يمكن قد أعلم الحكومة الأميركيّة بالأمر. ومما يزيد من الشكوك حول مكربل، ما يرد في الكتاب من أن العميل هذا هو الذي أعلم العدوّ بخطط عمليّات للمسؤول الأوروبي في جهاز «العمليّات الخارجيّة»، الفذ، الجزائري محمد بودية. وهناك رفاق قالوا إنه لم يكن غير مكربل يعلم بخطط بودية، التي علمَ بها الـ«موساد» وسارع إلى قتله قبل القيام بها. وكارلوس كان ولا يزال على قناعة بأن مكربل هو العميل يومها. وحول اغتيال باسل الكبيسي، يعترف المؤلّف (نقلاً عن مصادره) أنه كان «ناشطاً على مستوى منخفض» (ص. ١٧٥)، لكنهم قتلوه.

التفجيرات و«جبهة تحرير لبنان من الغرباء»
والكتاب يتطرّق إلى جرائم عديدة للعدوّ في لبنان، خصوصاً من ناحية إطلاق عمليّات تفجير إرهابي في كل لبنان تحت اسم مستعار: «جبهة تحرير لبنان من الغرباء». ومصطلح «الغرباء» أطلقه الانعزاليّون في لبنان عشيّة الحرب الأهليّة، وهو كان على الأرجح من اجتراح إسرائيل. وضلوع لبنانيّين في عمليّات الإرهاب الإسرائيلي يجب أن يقضي مرّة، وإلى الأبد، على فكرة وطنيّة طائفة ما وخيانيّة طائفة أخرى. ليس من طائفة وطنيّة وأخرى عميلة: كل الطوائف عرضة لنفس التقلبّات والفساد والانجرار إلى الخيانة، والطائفيّة بحدّ ذاتها هي منفذ لأعداء لبنان والعرب. ونكاد ننسى اليوم أن حالة عداء مرضيّة ضد الفلسطينيّين سادت في أوساط شيعة لبنان في أواخر السبعينيّات والثمانينيّات. كيف ننسى تظاهرات في صور في منتصف الثمانينيّات هتف فيها الناس «الفلسطيني عدوّ الله». ولا ينفع في التسويغ التذكير الممجوج بفساد فصائل المقاومة وتجاوزاتها، لأن زعران لبنان شكّلوا مدرسة في التجاوزات والفساد. وزاد في حالة العداء ضد الفلسطينيّين التحذيرات المشبوهة التي كان رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى في حينه الشيخ محمد مهدي شمس الدين يطلقها من دون توقّف ضد التوطين، متلاقياً آنذاك مع الانعزال اللبناني (مثل شمس الدين وخليفته الشيخ عبد الأمير قبلان مع صائب سلام الجانب الإسلامي من تحالف مع حزب الكتائب بعد اجتياح ١٩٨٢). ويذكر الكتاب تاجراً شيعياً «من عائلة مرموقة» (ص. ٢١٩) جنّده جهاز «أمان» بسبب كراهيته للفلسطينيّين، ولتسهيل تهريبه للمخدّرات (ويرد ذكر هذا الرجل في وثائقي «نتفلكس» عن الـ«موساد»).
الخطة الجهنميّة في إطلاق الإرهاب العشوائي في كل لبنان و«قتل الجميع»، حسب قول رئيس الأركان الإسرائيلي رافائيل إيتان (ص. ٢٣٤)، هدفَ حسب الخطة إلى «زرع الفوضى في أوساط الفلسطينيّين والسوريّين في لبنان، ومن دون ترك بصمات إسرائيليّة» (ص. ٢٣٥). ولهذا الهدف جنّدَ العدوّ لبنانيّين، مسيحيّين وشيعة، كانوا يسرّبون السيّارات والدرّاجات الناريّة والحمير محمّلين بالمتفجّرات، ثم يرسلونها كي تنفجر ضد أهداف متنوّعة. وبحلول صيف ١٩٨١، توالت تفجيرات السيّارات المُفخّخة في بيروت الغربيّة ومدن أخرى في لبنان. وفي تفجير واحد (باسم «جبهة تحرير لبنان من الغرباء») قُتل ٨٣ وجُرح ٣٠٠. وأذكر عندما كانت تحدث هذه التفجيرات كيف أن صوت إسرائيل في لبنان، أي إذاعة «صوت لبنان» الكتائبيّة، كانت تسارع إلى التشديد على أن هذه التفجيرات من صنع «جبهة تحرير لبنان من الغرباء». وكان ياسر عرفات سبّاقاً عندما نسبها مبكراً إلى العدوّ، كذلك فإن مراسلة «كريستشن ساينس مونتر»، في لبنان آنذاك، هيلينا كوبان (وهي لا تزال مناصرة للحقوق الفلسطينيّة بعد تقاعدها) ربطتها بإسرائيل (راجع تقريرها في ٢٦ حزيران، ١٩٨٠). وانفجرت سيّارة في نفس العام في صيدا، وأودت بحياة ٢٣ شخصاً. وفي شهر كانون الأول/ ديسمبر، وقعَ ثمانية عشر تفجيراً في سيّارات أو درّاجات ناريّة أو درّاجات هوائيّة أو حمير» (ص. ٢٤٢). لو أن الحكومة اللبنانيّة تستخدم هذا السجلّ المبني على وثائق إسرائيليّة لتقدّمت بشكوى رسميّة أمام المحكمة الجنائيّة الدوليّة بناءً على جرائم حرب إسرائيل في لبنان. لكن لبنان يريد دوماً الاحتفاظ بعلاقات ممتازة مع أميركا — عذراً، أعني «المجتمع الدولي»، وهو الاسم الحركي لأميركا في لبنان — من أجل استمرار تزويد لبنان بطائرات رشّ المبيدات وصواريخ بمدى ٣ و ٤ أميال. وكانت المتفجرات الاسرائيليّة تُجمع في أكياس مسحوق غسيل «أريل»، كي لا تلفت الانتباه، وكان ينقلها العملاء اللبنانيّون (المسيحيون والشيعة) إلى مواقع التفجير.
وبالإضافة إلى القتل والترويع والإرهاب الذي استخدمه العدوّ منذ الثلاثينيّات، كان لشارون هدف آخر من تفجيرات «جبهة تحرير لبنان من الغرباء». كان يريد أن يستفزّ عرفات كي يخرق وقف النار ويقصف إسرائيل من أجل إطلاق عمليّة غزو لبنان التي كان شارون مستعداً له — بذرائع ومن دون ذرائع (كل من يسوق حجّة «يجب عدم تقديم الذرائع لإسرائيل» هو ليس فقط جاهل بتاريخ الصراع مع هذا العدو، لكنه مُشارك، وعن قصد، في المخطّط الاسرائيلي الذي يريد القضاء على كل حركات الرفض والمقاومة العربية ضد احتلال إسرائيل وعدوانها). واستهدفت التفجيرات الجيش السوري في لبنان، كذلك كان هناك إعلان مسؤوليّة عن عمليّات ضد قوات الاحتلال الإسرائيلي، وهدفت إسرائيل من وراء ذلك إلى تمويه خلفيّة عمل «الجبهة» وطبيعته (ص.٢٤٢). وتعترف المصادر الإسرائيليّة في الكتاب بأن عمليّات تفجير السيّارات التي قامت بها إسرائيل كانت المدرسة التي تعلّم منها كل من استخدمها فيما بعد، مثل حزب الله في عمليّاته ضد أهداف إسرائيليّة وأميركيّة في لبنان.

كتاب مؤلم جداً لأنه يذكّر بأن العدوّ يعترف ببعض جرائمه الفظيعة في لبنان، فيما هناك فريق سياسي عريض ينفيها


وتفجيرات «جبهة تحرير لبنان من الغرباء» كانت تمهّد من أجل خلق بيئة منهكة تستفيد منها إسرائيل في غزوها في عام ١٩٨٢. والعام الذي سبق عام الاجتياح، حفل بحروب بين عصابات وتفجيرات كثيرة، نعلم اليوم أن العدوّ كان المسؤول عن الكثير منها. وفي ٥ شباط من عام ١٩٨٢، انفجرت سيّارة أمام «مركز الأبحاث الفلسطيني» (الخالي تماماً من أي وجود عسكري) فقتل العدوّ فيه ١٨ مدنيّاً ومدنيّة وجرح ١١٨ مدنيّاً ومدنيّة، باعتراف جريدة «نيويورك تايمز». ومراسل «نيويورك تايمز» في بيروت آنذاك توماس فريدمان، الذي كتب التقرير عن هذا الانفجار، نسب التفجير إلى «منظمّة سريّة» مجهولة اسمها «جبهة تحرير لبنان من الغرباء». وعند نشر مقتطف من كتاب برغمان في «مجلّة نيويورك تايمز»، بدأ الأكاديمي الشاب، ريمي برولين، بجعل هذه القضيّة قضيّته. ولقد نشرَ برولين ثلاث مقالات عن «جبهة تحرير لبنان من الغرباء»، وهو يرسل بصورة منتظمة على «تويتر» رسائل إلى توماس فريدمان وإلى غيره عن ردّ فعلهم حول افتضاح تورّط إسرائيل في الإرهاب الفظيع في لبنان. وحتى الساعة، لم يجب أيٌّ من الذين أرسل إليهم استفساراته (طالباً اعتذارهم عن التضليل) عليه. وأخبرني برولين أنه سمع باسم هذه المنظمّة للمرّة الأولى في عام ٢٠٠٤ عندما كان يعدّ أطروحته في السوربون عن تاريخ الخطاب الأميركي عن الإرهاب. ووقع بالصدفة على مقالة لي أوبراين (أكاديميّة يساريّة عرفتُها في واشنطن) في مجلّة «ميريب» في أكتوبر ١٩٨٣ بعنوان «حملة من الإرهاب: السيّارات المُفخّخة في لبنان»، وفيها لمّحت أوبراين إلى مسؤوليّة العدوّ عن أعمال الجبهة المزعومة. وإذا كانت هذه الفضائح قد شغلت أكاديميّاً غربيّاً، فلماذا لا يكون الموضوع على كل شفة ولسان في بلادنا؟
الموضوع ليس بريئاً البتّة. أقول أكثر من ذلك: هناك ضلوع إسرائيلي غير خفي في الخطاب الدعائي لـ ١٤ آذار منذ ولادتها حتى الساعة. لا شكّ في أن النظام السوري ارتكب فظائعَ في لبنان، لكن سياق خطاب ١٤ آذار (وعقيدته التي لم تكن أميركا ولا إسرائيل بعيدتيْن عنها) هدفت في الآن نفسه إلى تخليص لبنان من نفوذ النظام السوري بعد أن تناقض دوره مع أميركا والسعودية اللتيْن كانتا ترعاه، وهدفت أيضاً إلى تبرئة إسرائيل من جرائمها. وليس هناك في لبنان اليوم من يتحدث عن جرائم إسرائيل وعن اغتيالاتها. يجب أن نجري جردة بجرائم النظام السوري في لبنان، لكن يجب أيضاً أن نجري جردة بجرائم إسرائيل التي فاقت كل الجرائم الأخرى في العدد وفي النوعيّة الجرميّة. وإذا كان المؤلّف يقول بثقة إن إسرائيل اغتالت أكثر من أي دولة غربيّة منذ الحرب العالميّة الثانية، فهل يصعب القول إن إسرائيل اغتالت في لبنان، منذ الخمسينيّات، أكثر من أي دولة ومن أي فريق لبناني؟ لكن تعداد الجرائم والاغتيالات يغفل ويطمسُ دائماً دور إسرائيل لأن جزءاً من عمل ١٤ الخبيث — وهو لم يتوقّف لساعة — هو محو الذاكرة الجماعية للشعب اللبناني وتحميل طرف واحد (النظام السوري) كل ما ارتُكب من جرائم في لبنان (لتبرئة الانعزاليّين وراعيتهم إسرائيل). وتتبيّن الخلفيّة الإسرائيليّة لـ١٤ آذار عندما تجد أن «القوات اللبنانيّة»، ربيبة إسرائيل، حرفيّاً وليس مجازيّاً، تدين الخطف من قبل النظام السوري في لبنان وتطالب بعودة المحتجزين منها. صحيح، أن النظام السوري خطف وقتل الكثير من اللبنانيّين، لكن هناك طرفٌ واحد في لبنان خطف وقتل واحتجز أكثر من النظام السوري، هو «القوّات اللبنانيّة» وراعيتها في تل أبيب.
ويتكرّر في الرواية الاستخباريّة الإسرائيليّة ما نعرفه عن اجتياح ١٩٨٢ وعن دور الحقراء من أذيال إسرائيل. العدوّ لم يخفِ يوماً أن أحد أهداف الاجتياح كان تنصيب الميليشياوي، بشير (ومدير ماخور في بيروت الشرقيّة) رئيساً، فيما لا يزال هناك في لبنان من يقسم أغلظ الأيمان أن عمليّة تنصيب بشير كانت ديمقراطيّة، وأن رشوة المرّ لـ«التأثير» في النوّاب ورئيسهم كانت بريئة وتدخل في خانة الكرم العربي التقليدي. ويرد في وثائق الكتاب أن بشير هذا كان يلحّ على جيش العدوّ بأن يقتحم بيروت الغربيّة (ص. ٢٥٢) (كيف يظنّ عملاء الاحتلال الخارجي أن قادة الاحتلال يأخذون برأيهم؟ من أين تأتي هذه المغالطة؟). وكان بشير يشكو مِن أن قصف المدفعيّة على بيروت الغربيّة لا يكفي أبداً، وأن الناس «تعوّدت عليه» وأنه يجب تكثيف القصف الجوّي على الآمنين هناك. هذا له طابع بريدي، وهناك ساحة باسمه في بيروت. كان بشير الجميّل يطالب بمزيد من القصف، فيما كان رونالد ريغان (وهو صهيوني يميني) يقول في مكالمة هاتفيّة مع ميناحيم بيغن: «إنكم ترتكبون هولوكست في بيروت». وفي مجازر صبرا وشاتيلا، يتكرّر ورود اسم مجرمي الحرب، إيلي حبيقة ومارون مشعلاني (ص. ٢٦٣). ويضيف الكتاب أن حتى بيانات وإعلانات وأكاذيب القوّات اللبنانيّة وحزب الكتائب عن مجازر صبرا وشاتيلا كانت بتنسيق إعلامي مع إسرائيل. وعندما اعترض حزب العمل على مجازر صبرا وشاتيلا، ذكّرهم الليكود بمجازر الكتائب وحلفائهم في تل الزعتر وجسر الباشا، وكيف كان زعران الميليشيات الانعزاليّة يقطعون آذان ضحاياهم ويشكُلونها على أحزمتهم، وكيف بقروا بطون الحوامل بالسكاكين. لا بل إن شارون هدّدهم، بأنه لو أن حزب العمل استمرّ في الحديث عن مجازر صبرا وشاتيلا، فإن الليكود سيسرّب إلى الصحافة تفاصيل مجازر الكتائب والأحرار في مجزرة تل الزعتر (ص. ٢٦٥). عندها سكت ساسة حزب العمل.
هذا كتاب مؤلم جداً لأنه يذكّر بأن العدوّ يعترف ببعض جرائمه الفظيعة في لبنان، فيما هناك فريق سياسي عريض ينفي جرائم إسرائيل في لبنان ويطالب جهاراً بتعريض أمن لبنان أمام إسرائيل عبر نزع سلاح المقاومة وترك مهمّة الدفاع عن لبنان لأمثال ميشال سليمان وجان قهوجي. لكن التاريخ لن يعود إلى الوراء، وبطولات تمّوز ٢٠٠٦ لن تُمحى مهما جهدَ أعداء المقاومة في لبنان لمحوها من ذاكرتنا ومن ذاكرة العدوّ.
* كاتب عربي (حسابه على «تويتر» [email protected])

الحلقة السابقة
«انهض واقتل أوّلاً»: تاريخ من الإرهاب الإسرائيلي ضد العرب (1)