في عصر التنافس الدولي المتسارع، يعتقد أكثر المتفائلين بأنّ زمن الريادة الأميركية على الساحة الدوليّة قد بدأ بالانحسار، وإن نظرياً. هذا الجدَل بدأ يتعزّز في أوساط الباحثين والأكاديميين وصنّاع السياسة في أميركا منذ صار دونالد ترامب رئيساً: ما هي الاستراتيجية الكبرى (المُثلى) التي يجب اعتمادها؟

النقاش حول دور أميركا في العالم، وفق ما يقول «مركز الأمن الأميركي الجديد» CNAS، هو الأكبر منذ عقود. هناك عشرات التقارير التي تشكّك في جدوى الاستراتيجية الأميركية (إنْ وجدت)، حتى إنّ بعضها يذهب أبعد من ذلك، بسؤال: «هل فقدت أميركا القدرة على اعتماد أيّ استراتيجية على الإطلاق؟»، ومردّ ذلك إلى الانقسام الداخلي والاستقطاب السياسي الذي تبع انتخابات 2016. سؤال آخر في الإطار عينه يطرحه أستاذ السياسة الدولية في جامعة «تافتس»، دانيال دريزنر، في مقال لدورية «فورين أفيرز» ضمن سلسلة «البحث عن استراتيجية» (غلاف العدد الأخير). «لماذا لن تستعيد السياسة الخارجية الأميركية عافيتها أبداً؟»؛ يجيب الكاتب بأنّ مكمن الخلل في «سياسة أميركا الخارجية لا يتعلّق بأنّ القوة والنفوذ الأميركيَّين آخذان في التآكل والتراجع، بل في أنّ أسس وأصول الحكم في الولايات المتحدة قد انهارت تماماً».


طبعاً هو يرى أنّ إلصاق التهمة بترامب سيكون أمراً «مغرياً»، لكنّه يؤكّد أنّ ذلك «التآكل سبقه بفترة طويلة»، بعدما باتت دعائم المؤسّسات الأميركية التي ترتكز على النظام الدولي الليبرالي «في خطر شديد». وربّما حان الوقت للتفكير في ما قد يحدث بعد انهيار هذا النظام.
تقرير CNAS بعنوان «أصوات جديدة في الاستراتيجية الكبرى»، الذي نُشِر أخيراً وشارك في إعداده «جيل جديد» من الخبراء والاستراتيجيين والأكاديميين وصناع السياسة، يرى أن الانتخابات الرئاسية لعام 2016 سلّطت الضوء على انقسامات عميقة في الرأي العام الأميركي حول نطاق مصالح البلاد، وطبيعة التهديدات القائمة، والأعباء المالية والعسكريّة التي ينبغي على الولايات المتحدة تحمّلها، وإلى أيّ مدى يجب أن تحفّز القيم والمصالح العمل الوطني، إلى جانب طرق تحقيق الأهداف الوطنية. ويشكّك في الافتراضات والقرارات التي وجّهت السياسة الخارجية لأميركا في فترة ما بعد الحرب الباردة، لتقييم كيفية إعادة تشكيل الاستراتيجية الأميركية الكبرى، وفقاً للتغيرات الجارية في العالم.

الريادة الأميركية
من بين المقالات المنشورة في تقرير CNAS، يمكن التوقّف عند ما كتبته الباحثة في معهد «كاتو»، إيمّا أشفورد، بعنوان «السلطة والبراغماتية: تقويم السياسية الخارجية الأميركية للقرن الحادي والعشرين». تناقش الباحثة أسباب فشل الاستراتيجية الكبرى لأميركا، وخطر «الريادة» في عالم متغيّر، لا تزال واشنطن تطبّق فيه استراتيجيات الحرب الباردة وما ارتبط بها من مفاهيم.
في أواخر أربعينيّات القرن الماضي، وصف الدبلوماسي والمؤرّخ الأميركي، جورج كينان، الذي صاغ مبادئ سياسة «الاحتواء» وعُرف لاحقاً بـ«مهندس» الحرب الباردة، الاستراتيجية الكبرى لأميركا بأنّها «توحيد عالمنا معاً» مع «زيادة التوترات التخريبية» في عالم العدو. على أن ذلك لم يتغيّر كثيراً، إلا أنّ فكرة الدولة التي «لا يمكن الاستغناء عنها» (أميركا) التي كان صنّاع السياسة الأميركيون أكثر ميلاً إلى تبنّيها، قبل ربع قرن، تبدّلت إلى حدٍّ كبير جرّاء الإخفاقات الكثيرة في السياسة الخارجية. وفي حين تبدو الإخفاقات الأخرى في الاستراتيجية الكبرى أقلّ وضوحاً، لكنّها، طبعاً، ليست أقلّ ضرراً.
بعبارة أوضح، ربّما لا تكون الاستراتيجية الأميركية منذ نهاية الحرب الباردة ـــ سواء كان اسمها الريادة أم الليبرالية الأمميّة ـــ قد فشلت بشكل مطلق، لكنّها لم تنجح. وعليه، لا يمكن، مثلاً، القول إنّ ما حلّ بالعراق وليبيا «شذرات مؤسفة»، بل النتيجة المنطقيّة للأحادية القطبية وميل الليبرالية الأمميّة إلى حلّ مشاكل العالم، عبر اعتماد سياسات من بينها R2P أو «مسؤولية الحماية»، ودائماً على قاعدة أنّ «ما هو جيّد لأميركا، سيكون جيداً للعالم». تقترح أشفورد، في هذا السياق، اعتماد شكل مخفّف من أشكال الليبرالية الأمميّة: أي عدم التدخل في شؤون الدول الأخرى، والانسحاب من الحرب على الإرهاب. وهي، في الوقت ذاته، تشير إلى أن السياسة الدوليّة تمرّ بمرحلة تحوّل عميق ـــ من أحادية قطبيّة إلى تعددّية إقليمية أو حتى عالمية ـــ حيث لم تعد استراتيجية الريادة قابلة للتطبيق.
هذا التحوّل العميق، يقابله «جمودٌ» يمكن القول إنّه أصبح قوّة الدفع الأهمّ في السياسة الخارجية لأميركا. هذا «الجمود» يحصر البلد في تحالفات والتزامات أمنية مع شركاء غير أهلٍ للثقة، وفي صراعات عسكرية تفتقد الحكمة الاستراتيجية، وسياسات مصمّمة لعصر القطب الواحد، وفق الباحثة. أمّا التحدّي الحقيقي لوضع أيّ استراتيجية كبرى جديدة، فيتمثّل في اعتماد استراتيجية مختلفة: التوقّف موقّتاً وإعادة النظر في التزامات السياسة الخارجية.

كيف ستبدو استراتيجية التراجع؟
الأساس في أيّ استراتيجية جديدة هو سعي واشنطن للحفاظ على تحالفات مفيدة، والخروج من/ أو تقليص حجم الشراكات المكلفة التي عفا عليها الزمن، والحفاظ على قدرة عسكرية قوية توازياً مع تقليص الالتزامات العسكرية، عبر الاعتماد على أدوات أخرى من مجموعة أدوات السياسة الخارجية. وبدلاً من الصيغ الحالية للمنافسة أو المواجهة، ستركّز الاستراتيجية على تعزيز الأمن الأميركي وإدارة الانتقال إلى عالم مستقرّ متعدّد الأقطاب من دون إثارة حربٍ ـــ باردة أو ساخنة/ مباشرة ـــ مع الصين.
شبكة حلفاء أميركا وشركائها باتت مكلفة إلى جانب أنّها تحتضر


يجادل مؤيّدو الريادة بأنّ الاستراتيجية الكبرى لأميركا لم تتغيّر إلا قليلاً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. يسمح هذا الإطار بتصوير الريادة كاستراتيجية مستقرّة تسعى إلى تحقيق رفاهية عالميّة وليس وطنية، ربطاً بمفهوم «النظام الدولي الليبرالي»، أي الفكرة القائلة بأن النظام الذي قادته الولايات المتحدة أثناء الحرب الباردة وبعدها، كان ليبرالياً ومتعدّد الأطراف، وقائماً على القواعد. كلا المفهومين مضلّل، وفق الباحثة التي تشير إلى أن فكرة «النظام الدولي الليبرالي» ليست تاريخية. وبقدر ما توجد ميزات ليبرالية لهذا النظام، فهو يعتبر نتاج القوّة الأميركية. وجدير ذكر أن هذه الميزات كانت في الغالب نتيجةً لخيارات غير ليبرالية من جانب الولايات المتحدة أو حلفائها: دعم الحلفاء الاستبداديين، وإثارة الانقلابات في الدول المتحالفة مع الاتحاد السوفياتي، ودعم المتمردين من أفغانستان إلى نيكاراغوا. يعني ذلك أن الاستراتيجية المتمثّلة في بناء هياكل قوية للتحالفات العسكرية ـــ خصوصاً في أوروبا وآسيا ـــ كانت منطقية في زمن مواجهة الاتحاد السوفياتي (المنُافِس)، ولكن لم يعد لها أيّ معنى اليوم.
والأهم من ذلك، أن الريادة باتت، في الوقت الراهن، بلا قيود تفرضها متطلبات النظام الدولي الثنائي القطب. بالنسبة إلى صنّاع السياسة الأميركيين، فقد سمح ذلك بتوسيع لائحة أهداف واشنطن. وبالتالي، فإنّ استراتيجية أميركا الكبرى أصبحت اليوم أكثر طموحاً وحزماً ممّا كانت عليه في السابق.
وفقاً لمعايير المدافعين عنها، فإنّ الاستراتيجية الكبرى الحالية لأميركا كانت فاشلة، إذ يقول ستيفن والت إنّ «الحالة العامة للعالم ومكانة أميركا فيه، قد انحدرتا بشكل مطّرد بين عامي 1993 و2016... عادت المنافسة بين القوى العظمى، وانتشرت أسلحة الدمار الشامل، وبات الإرهابيون وغيرهم من المتطرّفين قوة فاعلة في أماكن كثيرة، وصار الشرق الأوسط أكثر اضطراباً».

لفهم إخفاقات الاستراتيجية الأميركية الكبرى، تحدّد أشفورد ثلاث مشاكل معاصرة للتوقّف عندها:

1- فخّ التدخل:
يعتبر التدخل العسكري إحدى سمات الريادة الأميركية؛ قد يجادل البعض بأنّ كارثة حرب العراق تعدّ انحرافاً موقتاً في نمط سلوك السياسة الخارجية الخيري. ومع ذلك، فإن مؤيّدي الريادة غالباً ما يكونون مصابين بالفصام حول هذه القضية. يقول هال براندز، مثلاً، إنّ تصدير الديموقراطية يعتبر مشروعاً ليبرالياً أساسياً، وإنّ قواعد عدم الاعتداء والسيادة لهما أهمية قصوى في النظام الذي تقوده الولايات المتحدة.

2- الغطرسة:
لطالما اتّسمت استراتيجية الليبرالية الأممية بشيء من الغطرسة: فكرة أنّه يمكن أميركا حلّ معظم المشاكل العالمية وتحقيق أي هدف تضعه لنفسها. تتمسّك نخب السياسة الخارجية، غالباً، بالفكرة غير الدقيقة القائلة بأنّ «المصداقية» الأميركية باتت على المحكّ. هذا النهج في السياسة الخارجية ظهر في منتصف التسعينيات، حين كانت القوة العسكرية والاقتصادية والناعمة لا نظير لها على الإطلاق. ومع دخول الولايات المتحدة في فترة من التراجع النسبي، ستصبح هذه السياسة أكثر إشكالية.
ولا تقتصر هذه الغطرسة على القوة العسكرية. فقد أتاح تطوير العقوبات المالية المعّقدة للمشرّعين أداة ضغط حساسة (استخدام مركزية أميركا في النظام المالي لحرمان البلدان أو الجماعات من الموارد الرئيسية، أو طلباً لتنازلات سياسية تحقق المصلحة الأميركية). بدلاً من ذلك، اتّبع صنّاع السياسة عقوبات لا نهاية لها، في محاولة لإحداث تغييرات كبيرة في السياسة، مع فهم قليل للتكلفة أو التأثير. ففي حالات مثل روسيا وسوريا والسودان، لم تحقّق العقوبات أهدافها القصوى.

3- عالمٌ متغيّر، استراتيجية ثابتة
ربّما تتمثّل المشكلة الأكبر في أن الريادة لم تعد ملائمة لمواجهة تحديات المستقبل، إذ إن ميزان القوى العالمي تغيّر، في ظلّ صعود دول أخرى ودخول الولايات المتحدة فترة من التراجع النسبي. يبقى أن السيناريو الأكثر ترجيحاً هو النهوض الصيني الذي لا يرقى إلى نظام ثنائي القطب على غرار الحرب الباردة. بدلاً من ذلك، سيكون القرن الحادي والعشرين متعدّد الأقطاب.
ومع ذلك، فإن الخلاصة بسيطة: إن هياكل التحالفات والقوة التي بنتها الولايات المتحدة خلال الحرب الباردة أو في عالمٍ أحادي القطب، لم تعد مناسبة للتنافس في عالم اليوم.
شبكة حلفاء أميركا وشركائها باتت مكلفة إلى جانب أنّها تحتضر. قد يكون لحلف «الناتو» ثقلٌ تاريخي وعاطفي على جانبي الأطلسي، لكن التوسّع والتركيز المتزايد على الحرب الاستكشافية، أضعفا قدرته على العمل كمنظّمة دفاع جماعية متماسكة، وأضعفا من طبيعته الغربية الديموقراطية. استراتيجياً، أصبح «الناتو» مشكلة. أميركا تقول إن مصلحتها تقتضي الدفاع عن المراكز الصناعية في أوروبا الغربية. ولكن لا توجد تهديدات حقيقية لأوروبا الغربية: روسيا أضعف من أن تتحدّى دول أوروبا الغربية الغنية، والصين بعيدة جداً، والمشاكل الداخلية باتت أكثر إلحاحاً بالنسبة إلى معظم دول أوروبا الغربية.
في الشرق الأوسط، تخدم العلاقة الأميركية الطويلة الأمد مع السعودية مصالح الأخيرة بشكل كبير. أمّا خدمة الأمن الأميركي، فتجري من خلال توازن نسبي للقوّة في الخليج، حيث لا يسيطر السعوديون ولا الإيرانيون. لكن الشراكة مع السعودية تمنع ذلك، كما أنّها تمنع دول المنطقة من التغلب على خلافاتها السياسية، بحجة تشديد الأمن. أضف إلى ذلك أن واشنطن شجعت السياسة الخارجية السعودية المتهورة التي ساعدت على زعزعة استقرار المنطقة. تقول أشفورد إنه «لا يمكن تبرير شراكتنا المستمرة مع السعودية بأيّ معيار منطقي».
حتى إدارة ترامب ـــ رغم كل حديثها عن تغيير السياسة الخارجية للولايات المتحدة ـــ قامت في الواقع بتوسيع مهام أميركا في أنحاء العالم. أضافت استراتيجية الأمن القومي لعام 2017 «منافسة استراتيجية» مع روسيا والصين إلى قائمة الأولويات الاستراتيجية الوطنية. بوضوح أكثر، لم تتغير استراتيجية أميركا الكبرى في السنوات الأخيرة. وبصرف النظر عمّا يقوله النقاد، فإن إدارة أوباما لم تتراجع عالمياً، وهي لم تتبنّ سياسة خارجية واقعية، والأمر نفسه ينطبق على إدارة ترامب. ومع ذلك، فإن تجربة الإدارة السابقة في محاولة تقليص التزامات الولايات المتحدة في الشرق الأوسط إلى الحد الأدنى، تقدّم، وفق الباحثة، بعض الدروس المفيدة لأولئك الذين يسعون إلى تنفيذ استراتيجية كبرى أكثر براغماتية وتقييداً.

استراتيجية «حكيمة»؟
في ظلّ الإدمان الأميركي على التدخل العسكري، تقترح أشفورد:
- اعتماد مقاربة جديدة من شأنها الحدّ من هذا التدخل، عبر: تقليص الوعود الأميركية بالتدخل ـــ الانسحاب الدقيق للقوات الأميركية من سوريا والعراق وأفغانستان ـــ يرافقه تقليص مهام مكافحة الإرهاب ـــ ووضع شروط صارمة لأيّ تدخل في المستقبل (عندما تكون مصلحة الأمن القومي لأميركا ـــ وليس لحلفائها ـــ على المحك).
- إذا كانت شبكة التحالفات والشراكات الأمنية الأميركية تمرّ بحالة من الركود، وَجَبَ إصلاحها وإعادة تشكيلها لتلبية احتياجات اليوم. في بعض الحالات، مثل الشراكات الأميركية ـــ الشرق أوسطيّة، يكون قطع العلاقة العسكرية بسيطاً وبتكاليف قليلة. فالدعم الأميركي المباشر للحملات العسكرية السعودية يأتي بنتائج عكسية من الناحية الاستراتيجية، وفي مجال حقوق الإنسان. ولا توجد حاجة كبيرة إلى قواعد عسكرية كبيرة في المنطقة، في ظلّ غياب الحملات العسكرية الكبيرة ـــ مع استثناء محتمل للقيادة البحرية في المنامة ـــ ما سيسمح لأميركا بإغلاق قواعد كبيرة في الكويت وقطر وتركيا، والانسحاب من السعودية.

الأساس في أيّ استراتيجية جديدة هو سعي واشنطن للحفاظ على تحالفات مفيدة، وتقليص حجم الشراكات المكلفة التي عفا عليها الزمن


- في شرق آسيا، يشير صعود الصين إلى أنّه يتعيّن على الولايات المتحدة إيجاد طرق لمواصلة العمل مع اليابان وكوريا الجنوبية. من شأن الدفع الدبلوماسي لإنهاء النزاع في شبه الجزيرة الكورية، أن يسمح أيضاً بسحب تدريجي للقوات الأميركية المتمركزة في الجنوب، إذ سيساعد الانسحاب التدريجي للقوات الأميركية من اليابان وكوريا الجنوبية في التخفيف من حدة التوتر مع الصين، وتحويل عبء الدفاع إلى أيدي هذه الدول على المدى الطويل.
- العقدة الأكبر هي التزام أميركا الطويل الأمد بحلف «الناتو». الدعوة ليست إلى انسحابها من هذا الحلف، لكن عليها إحراز تقدّم كبير، خلال العقد المقبل، لإنهاء البصمة العسكرية الأميركية في أوروبا، وتحويل عبء الدفاع تدريجياً إلى الدول الأوروبية الكبرى.
- العنصر الأهم في الاستراتيجية الكبرى الجديدة هو استعداد أميركا للحدّ من لائحة أهدافها. في النهاية، فإنّ الاستراتيجية الكبرى هي «نظرية حول كيف يمكن لدولة ما أن تكون آمنة». يجب أن تقتصر الأهداف الاستراتيجية لأميركا على تلك التي تؤثّر عملياً في الأمن الأميركي. وهذا يعني التخلّي إلى حد كبير عن «التدخل الإنساني» و«تصدير الديموقراطية». وذلك يتطلّب تقبّل فكرة أنّ التحالفات القائمة بين الدول ليست غاية في حدّ ذاتها.

الصين: تهديد طويل الأمد
المعضلة التي ستواجه الاستراتيجية الكبرى في السنوات المقبلة، ستكون الصين. وقد ثبت عدم صحّة الاعتقاد «الليبرالي» القائل بأنّ اندماج الصين في الأسواق والمؤسسات الدولية من شأنه أن يقلّل من احتمالات التنافس بين القوى العظمى في المستقبل. مع ذلك، هناك القليل من الأدلة على أن الصين قوّة تسعى إلى الهيمنة في آسيا أو العالم. يبقى أن المهم في هذا الإطار هو وجود مقاربة متوازنة تسعى إلى تهدئة المخاوف الصينية مع «حماية المزايا الأميركية» في المؤسسات الدولية والوصول إلى الممرات البحرية والتجارة العالمية. فالهدف الرئيس للاستراتيجية الكبرى خلال العقود القليلة المقبلة يتمثّل في ضمان الهبوط الناعم لأميركا في عالم متعدّد الأقطاب، وتجنّب الصراع مع الصين.
لا يختلف الأستاذ في جامعة «جونز هوبكينز»، هال براندر، الذي كتب مقالاً ضمن التقرير، مع التقدير الآنف، إذ يعتبر أنّ التحدي الاستراتيجي الرئيس الذي تواجهه أميركا ـــ بعد 30 سنة على انتهاء الحرب الباردة ـــ هو منافسة كبيرة وطويلة الأجل بين أميركا من جهة والصين وروسيا من جهة ثانية. منافسةٌ يرى أنّها ستحدّد ما إذا كان القرن الحادي والعشرين سيصبح امتداداً لعالم يسوده السلام والازدهار والاستقرار (نسبياً)، أو يشير إلى عودة أنماط قهرية مفترسة.
بالنظر إلى التحدي الجيوسياسي، تسعى كل من الصين وروسيا إلى إعادة إنشاء مناطق النفوذ، خلافاً للمعايير الدولية، وفق براندز الذي يعتبر أنّ هذا السلوك «عادي» بالنسبة إلى قوى «غير راضية». ومع ذلك، فإنّه مقلقٌ، لأنّه يؤدّي إلى تآكل الركائز الجيوسياسية ـــ العلاقات والمعايير وتكوين القوة ـــ لعالم كان مفيداً جداً لمصالح الولايات المتحدة. وعليه، فإنّ التحدي الصيني على وجه الخصوص، قد يشكّل، في نهاية المطاف، تهديداً خطيراً لتوازن القوى العالمية وهيمنة الديموقراطيات.
في سياق أكثر وضوحاً، يقول الكاتب: «لا الصين ولا روسيا مصمّمتان على تدمير النظام الحالي كما فعل نابليون أو هتلر». كلا البلدين ـــ خصوصاً الصين ـــ بحاجة إلى اقتصاد عالمي فعّال للحفاظ على الرخاء المحلّي. ومع ذلك، يسعى البلدان، بطرق متوازية ولأسباب موازية، إلى تهيئة بيئة دولية متغيّرة، بيئة تعود فيها مجالات النفوذ الاقتصادي والجيوسياسي، وتصبح فيها القوة الأميركية متوازنة ومقيّدة، حيث تصعد النُظُم الاستبدادية (جعل القرن الحادي والعشرين عصر إحياء الاستبداد) وتتراجع الديموقراطية. هذه الرؤى «تتناقض» مع مصلحة الولايات المتحدة في الحفاظ على عالم يمكنها فيه التجارة بحرية، والتأثير على الأحداث في المناطق الرئيسة، ومنع الأنظمة الاستبدادية العدوانية والأيديولوجيات من الصعود ـــ وهذا لا ينجح إلا في حال تراجَع النظام الليبرالي بقيادة الولايات المتحدة وضَعف. ولأن روسيا والصين تشتركان في هذا الهدف، فقد عزّزتا شراكتهما الاستراتيجية، ووثّقتا علاقتيهما بالأنظمة الاستبدادية مثل إيران.
في أيّ مناقشة لاستراتيجية كبرى، فإنّ السؤال الذي يطرح نفسه: هل هي مجدية سياسياً؟ يسأل الكاتب. يرى أنّ هناك علامات مقلقة للغاية في شأن ما إذا كان الشعب الأميركي لا يزال يدعم أجندة عالمية طموحة ومكلفة: في الانتخابات الرئاسية الأخيرة، اختار هؤلاء مراراً المرشّحين الذين وعدوا بالحدّ من التدخل في العالم. وبصرف النظر عن الخصوصية الرئاسية، هناك دعم قوي من الحزبين الديموقراطي والجمهوري للمنافسة مع روسيا وتوافق آراء ناشئ حول التشدّد مع الصين، واعتراف بأنّ الأخيرة تمثّل تهديداً شاملاً للمصالح الأميركية ـــ يمتّد في المجالات العسكرية والدبلوماسية والاقتصادية والأيديولوجية.
على الرغم من استطلاعات الرأي الغامضة، تشير بعض الدلائل إلى أن الأميركيين أصبحوا «أكثر التزاماً» بالمشاركة العالمية منذ انتخاب ترامب، ربّما لأنّ تدهور النظام الدولي قد ذكّرهم بأهمية تلك المشاركة في المقام الأول. وإذا كانت الدول بحاجة إلى أعداء لتحفيزها على العمل، فربّما تكون «استراتيجية أميركية قوية وحازمة مناسبة من الناحية السياسية».