بسبب الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تعيشها البلاد أصبح «البنك المركزي» في واجهة النقاش المالي الحاد الذي تشهده البلاد، نظراً إلى دوره المركزي المهم في التأثير على الأوضاع النقدية والمالية، وهذا ما دفع العديد من المراجع إلى الحوار معه خصوصاً أن البنك اتخذ في هذه المرحلة قرارات غاية في الخطورة عندما أعطى الضوء الأخضر لرفع سعر الفائدة ثلاث نقاط دفعة واحدة، وعندما منح بعض البنوك تحت عنوان الهندسات المالية، تسليفات ميسرة ضخمة بلغ مردودها أكثر من ستة مليارات دولار لصالح هذه البنوك بدليل تقاضي الدولة ما قيمته حوالى 700 مليون دولار كضرائب على هذه «الأرباح» المتحققة من هذه الهندسات الغريبة على قانون النقد والتسليف. إزاء محاولات رسمية لفتح النقاش مع حاكمية «البنك المركزي»، كان الردّ من أوساط المصرف بأنه وفقاً للقانون يتمتّع باستقلالية تمنع على أي هيئة في الدولة مساءلته في أعماله أو قراراته. عندما راجعنا قانون النقد والتسليف الذي يعمل «البنك المركزي» في إطاره وجدنا أن المصرف يتمتّع فعلاً باستقلالية مالية كما تقول المادة 13 من قانون النقد والتسليف.... هذا القانون الذي يؤكد أن المصرف لا يخضع لقواعد الإدارة وتسيير الأعمال وللرقابات التي تخضع كل لها مؤسسات القطاع العام، ولا تطبّق عليه أحكام قانون التجارة المتعلقة بالتسجيل في سجل التجارة، ولا يفصل في نزاعاته مع الغير سوى محاكم بيروت. تنسحب هذه المادة على حاكم المصرف الذي لا يمكن إقالته إلا بناء على طلبه أو لإخلاله بواجبات الوظيفة أو لمخالفته أحكام الباب 20 أو لخطأ فادح في تسيير الأعمال. وكل ذلك مفهوم ومطلوب، إذ إن موقع الحاكم حساس وينبغي لشاغله أن يشعر بالاستقلالية والحصانة كي يتمكّن من ممارسة صلاحياته بكل حرية بعيداً عن الضغوط السياسية وغير السياسية التي تتعرض لها المواقع الإدارية الأساسية في البلاد.

وإزاء هذه الاستقلالية التي أقر بها القانون لضمان سير العمل وتأمين الاستقرار النقدي وسلامة العمل المصرفي، لحظ المشرّع في المقابل مواد أخرى تتعلق بآلية العمل تجعل من هذه الاستقلالية - التي يريد البعض جعلها مطلقة - استقلالية نسبية بحيث تتوازن إلى حدّ كبير الصلاحيات مع المسؤوليات. وفي هذا الصدد نص القانون على أن الحاكم يعيّن بمرسوم يُتخذ في مجلس الوزراء بناء على اقتراح وزير المالية (المادة 118) وأن على المجلس المركزي لـ«البنك المركزي» بموجب المادة 33 أن يقطع حسابات السنة المالية، وأن يوافق على مشروع التقرير السنوي الذي على الحاكم توجيهه إلى وزير المالية وفقاً لأحكام المادة 117. كذلك تنص المادة 29 على أن المجلس المركزي لـ«البنك المركزي» يجتمع كلما دعاه الحاكم مرة في كل شهر على الأقل، ويمكن لوزير المالية أن يطلب من الحاكم دعوة المجلس إلى الانعقاد.
أما بخصوص المتابعة والمراقبة فتنصّ المادة 41 على أنه تنشأ في وزارة المالية – وليس في غيرها – مفوضية الحكومة لدى «البنك المركزي» ويكلف المفوض بحسب المادة 42:
أ‌- السهر على تطبيق هذا القانون.
ب‌- مراقبة حسابات المصرف ويساعده في هذا الجزء من مهمته موظف من مصلحته ينتمي إلى الفئة الثالثة على الأقل من ملاك وزارة المالية. كما تشمل مفوضية الحكومة لدى المصرف المركزي من جهة أخرى على دائرة أبحاث للشؤون المتعلقة بالنقد والتسليف.
فالقانون هنا صريح وينصّ على مراقبة حسابات «البنك المركزي» من قِبل الحكومة من خلال المادة 43، وينص على صلاحية الحكومة بواسطة المفوض على متابعته قرارات المجلس المركزي من خلال النص التالي: «تُبلّغ فوراً إلى مفوض الحكومة قرارات المجلس وله خلال اليومين التاليين للتبليغ أن يطلب من الحاكم تعليق كل قرار يراه مخالفاً للقانون والأنظمة ويراجع وزير المالية بهذا الصدد وإذا لم يبت في الأمر خلال خمسة أيام من تاريخ التعليق يمكن وضع القرار في التنفيذ». كما نصت المادة 44 على ما يلي: «للمفوض ومساعده حق الاطلاع على جميع سجلات «البنك المركزي» ومستنداته الحسابية باستثناء حسابات وملفات الغير الذين تحميهم سرية المصارف».
أما المادة 45 فتنص بكل وضوح على مسؤولية المفوض بإطلاع وزير المالية والمجلس المركزي دورياً على أعمال المراقبة التي أجراها، كما يُطلع وزير المالية بعد قفل كل سنة مالية على المهمة التي قام بها خلال السنة المنصرفة بموجب تقرير يرسل نسخة عنه إلى الحاكم.
خلاصة القول إن كل هذه المواد المشار اليها أعلاه تفيد عن وجود علاقة مباشرة بين الحكومة، ممثلة بوزير المالية، وحاكمية «البنك المركزي»، وفحوى هذه العلاقة ليس ديبلوماسياً أو بروتوكولياً وإنما هو مادي وعملي وقانوني، يجعل من استقلالية «البنك المركزي» استقلالية نسبية وليست استقلالية مطلقة كما يحاول بعض الأقلام والجهات التأكيد تلميحاً أو تصريحاً، وهذه الحقائق ترتب على مجلس الوزراء، باعتباره السلطة الإجرائية العليا في البلاد أن يصون هذه الاستقلالية ويحميها من مداخلات غير مشروعة، وأن يمارس صلاحياته في هذا المجال الحيوي الدقيق بمسؤولية وحكمة لحماية الوضع المالي العام من نزعات فردية أو اقتناعات ذاتية يمكن أن تطل برأسها لظرف سياسي أو سواه، علماً بأن المؤمن بعمله وسلامة عمله لا يجوز له أن يرفض المساءلة، وإنما يجب أن يطلبها ليثبت أنه على الطريق القويم ولا يتأثر بتدخّلات مرجع أو جهة أو جماعة.
* سياسي وكاتب لبناني ـــ وزير داخلية سابق