لما كانت الجامعة اللبنانية منتدى للحوار الوطني وصرحاً للوحدة، لكونها المؤسسة الجامعية الرسمية أو الحكومية الوحيدة، التي تتجسّد أو تتمثّل بها مقولة العيش المشترك والسلم الأهلي، وبما أن الدولة أو الحكومة، أو بالأحرى «أهل الحكم والسلطة» أو «أهل القرار»، قد قصّروا في تحمّل المسؤولية الوطنية والتاريخية في إنقاذ الجامعة، وحيث إن مسؤولية «أهل الجامعة»، أساتذة وطلاباً وموظفين، تبقى في الدفاع عن هذا الصرح الكبير وهذه المؤسسة الوطنية بامتياز، فقد بات لزاماً على جميع أولئك الذين يؤمنون بهذه الرسالة الوطنية، ذلك أنهم ينتمون قبلاً إلى هذا الوطن، ويتبعون تالياً الدولة القائمة على أرضه وترابه، ويخضعون أيضاً لدستورها وقوانينها النافذة وأنظمتها المرعية الإجراء، التصدّي لتلك المؤامرات وتلك المحاولات للعبث بالجامعة أو معها، ورفع سطوة الأحزاب والقوى السياسية عنها، ووقف التدخّلات الخارجية فيها والضغوطات السياسية عليها، أو أقلّه الحدّ منها.

هناك مجموعة من الملفات المتراكمة أو المتأخرة، والتي تنتظر البتّ بها أو اتخاذ القرار بشأنها. من ملف تعيين العمداء ومفوضي الحكومة في مجلس الجامعة، حيث انتهت ولاية أو مدّة العمداء الذين يستمرون في مكاتبهم وفي عماداتهم على قاعدة تسيير الأمور الإدارية، الملحّة أو المستعجلة، وتأمين استمرارية العمل الإداري؛ إلى ملف إدخال الأساتذة المتفرغين في الملاك، حيث يفترض رفع هذا الملف من مجلس الجامعة إلى مجلس الوزراء؛ إلى ملف التفرّغ، بمعنى تفريغ الأساتذة المتعاقدين مع الجامعة، وهو الأمر الذي يفترض أن يتمّ دوريّاً، كل سنتين، بحسب قانون التفرّغ، حيث يفترض أيضاً رفع هذا الملف من مجلس الجامعة إلى مجلس الوزراء، مع العلم أن التقرير في هذا الشأن، أي انتقال أو نقل الأستاذ في الجامعة من حالة التعاقد بالساعة إلى مرحلة التعاقد بالتفرغ، هو من اختصاص أو صلاحية مجلس الجامعة، بحسب قانون التفرّغ، وليس مجلس الوزراء، كما ورد في المرسوم المخالف للقانون؛ كلّ هذه الملفات لا تحتمل التأجيل أو التسويف أو المماطلة أو المراوغة، وذلك لاعتبارات عديدة، غير أكاديمية، بل سياسية وطائفية ومذهبية وحزبية ومناطقية، على حساب مبادئ أو معايير الكفاءة والجدارة والاستحقاق العلمي، كما حاجة الجامعة أيضاً.

ليست مشكلة الجامعة أصلاً إيجاد الحلول للوضع المالي والاقتصادي، المتأزّم أو المتردّي وإنما هي مسؤولية الدولة والحكومة


ومن أبرز مطالب الأساتذة في الجامعة المحافظة على صندوق تعاضد أساتذة الجامعة أو أفراد الهيئة التعليمية في الجامعة، حيث تتجه الحكومة إلى إلغائه، كما سواه، بذريعة توحيد التقديمات الاجتماعية بين مختلف القطاعات والأسلاك، في حين أن إنشاء هذا الصندوق كان حصيلة ونتيجة نضال الأساتذة الجامعيين على هذا الصعيد، ناهيك عن أن الأستاذ في الجامعة يشارك ويساهم في تمويل هذا الصندوق، بينما جاء دعم الدولة أو الحكومة له بدلاً من رفع معاش أو راتب أستاذ الجامعة! ومن هذه المطالب أيضاً بند إقرار الدرجات الثلاث الاستثنائية، أسوة بالقضاة وأساتذة المدارس، وبند إقرار احتساب السنوات الخمس عند التقاعد، بالنظر إلى تأخّر الأستاذ في الجامعة في انخراطه المهني، وبالتالي احتساب سنوات الخدمة في التدريس الجامعي أو التعليم العالي والبحث العلمي، على أرضية أو خلفية متابعة واستكمال تحصيله العلمي ودراسته التخصصية؛ وكذلك مطلب العدول من جانب الحكومة عن فكرة أو خيار تصحيح أو تخفيض رواتب الأساتذة الجامعيين واقتطاع نسبة منها وحسم أو تقليص مختلف التقديمات والتعويضات...
كذلك، يُضاف إلى كلّ هذه المشكلات المتفاقمة الحديث عن احتمال أو إمكانية تخفيض موازنة الجامعة، وهو أمر في غاية السوء والخطورة على السواء. فالجامعة اللبنانية، بمختلف الوحدات، أي الكليات والمعاهد، والفروع أيضاً، تعاني من العديد، بل الكثير، من المشاكل في الأبنية، المستأجرة أو المملوكة والعائدة للجامعة، والتجهيزات، وغيرهما من مقتضيات أو مستلزمات استمرار العملية الأكاديمية ونجاحها، والتي تقتضي، كلها، توافر وتحقق الاعتمادات والأرصدة والموارد المالية اللازمة لتأمينها وتطويرها، كما لتغطية نفقات أو تكاليف أعمال الصيانة والإصلاح والترميم. وهي مشاكل مزمنة ومستفحلة، من غير المعقول ومن غير المقبول أيضاً أن يصار إلى تجاهلها، أو حتى إغفال مضاعفاتها، وبالتالي التقاعس عن إدراجها على جدول أعمال الحكومة، كما اعتبارها من بين الأولويات المفترضة أو المعروفة في ما يتصل بقطاع التربية والتعليم، ولا سيما التعليم العالي. فليست مشكلة الجامعة أصلاً إيجاد الحلول أو مقترحات الحلول للوضع المالي والاقتصادي، المتأزّم أو المتردّي، في البلد، وإنما هي مسؤولية الدولة والحكومة القائمة فيها أو السلطة السياسية. كما أنه من غير المعقول ومن غير المقبول أيضاً أن يُصار إلى البحث في مثل هذه الحلول أو سلوكها من دون مراعاة مصلحة الجامعة وأهلها، بل أكثر من ذلك، على حساب صورة الجامعة وموقعها، ومدى قدرتها على الاضطلاع بدورها الرسالي، كما أمن واستقرار الأستاذ في الجامعة المالي والاقتصادي والاجتماعي. والأولى والأجدى أن تتحمّل هذه السلطة السياسية مسؤوليتها في المشاركة أو المساهمة السياسية والمالية، وربما سواهما أيضاً، في عملية تطوير العمل الأكاديمي، كأولوية وطنية واستراتيجية، وتأمين العمل على الالتزام، بالنسبة إلى الجامعة اللبنانية، بمعايير الجودة العالمية في التعليم العالي للمحافظة على حضورها ومكانتها، بوصفها، أي هذه الجامعة بالتحديد، ودون سواها، مؤسسة رسمية أو حكومية، بمعنى أنها جامعة الدولة الوطنية، فضلاً عن ضرورة أو أولوية استكمال عملية بناء أو إنشاء المجمّعات الجامعية في زحلة وفي مختلف الفروع الإقليمية، والخروج من هذه الحلقة المفرغة للحالة السلبية والسيئة التي تسبّبها وضعية التباطؤ أو التلكؤ أو التخاذل المقصود والمتعمّد في إنجاز هذا الهدف أو المقصد الجامعيين والأكاديميين.
ما يجري راهناً أو مؤخّراً على صعيد العلاقة بين الحكومة من جهة، أو السلطة السياسية في هذا البلد، وأساتذة الجامعة وأهلها من جهة أخرى، بالنظر إلى تعنّت الجهة الأولى، والتصعيد من قبل الجهة الثانية، هو، بالتأكيد، أبعد من استحقاق الموازنة ومطالب الأساتذة المادية. المسألة تتّصل، أولاً، بنظرة الدولة، أو بالأحرى الحكومة، إلى الجامعة، أو موقف الأولى من الثانية؛ وتحيلنا، ثانياً، على كيفية تعاطي أو تعامل «أهل الحكم»، أو لنقل «أهل السلطة»، مع «أهل الجامعة». لقد أمعنت الطبقة السياسية في إهمال الجامعة والتقصير بحقّها، وأساءت التصرّف معها أو حيالها؛ وهو ليس بالأمر الجديد أو المستجد؛ فهذا الأسلوب أو النمط التاريخي أو المزمن في الأداء أو السلوك الحكومي، تجاه الجامعة وأهلها، لم يتغيّر قيد أنملة، ولم يتطور حتى، ولم يتحسّن أبداً، طوال السنوات بل العقود المنصرمة. السلطة السياسية تبدو وقحة، وغير مسؤولة بطبيعة الحال، في معالجة هذا الملف؛ وهي ساقطة بميزان الشرعية السياسية أو الشعبية، كما بميزان المعايير الأخلاقية.

* أستاذ العلوم السياسية والإدارية والعلاقات الدولية والدبلوماسية في الجامعة اللبنانية