اندلعت الاحتجاجات، بعد صلاة يوم الجمعة 18 آذار 2011، في مدينة درعا ثم انتقلت يوم الجمعة التالي إلى مدينة اللاذقية، ولتنتقل خلال نيسان إلى ريف دمشق ومدينة حمص، وفي أيار إلى ريف محافظة إدلب وبلداتها، وفي حزيران إلى مدينة حماه (3حزيران) وريفها، وإلى ريف حلب، وإلى مدينة دير الزور وبلداتها، مع سكون احتجاجي في مدينة حلب، ومثيل له في مدينة دمشق، ولو مع بعض الحوادث الصغيرة المتفرقة في المدينتين الكبيرتين خلال مجرى حراك عام 2011.


كان من الواضح، خلال الأشهر الثلاثة الأولى من الحركة الاحتجاجية السورية، أنها شرارات أشعلت أزمة عامة في البلد تطاول مجمل البنية السياسية – الاقتصادية – الاجتماعية – الإدارية – الثقافية لنظام سلطة البعث القائمة منذ 8 آذار1963.
خلال النصف الأول من نيسان مدَّت السلطة يدها نحو المعارضة الحزبية القائمة، وقد عُقد اجتماع لممثلين عن السلطة، بعيداً عن الأضواء في يوم الأربعاء 13 نيسان، مع ثلاثة من قادة المعارضة: حسن عبد العظيم، حازم نهار، عبد العزيز الخيِّر، أرادت من خلاله السلطة معرفة ما تريده المعارضة، التي كان الثلاثة المذكورون يمتدون إلى أطيافها المتنوعة في «التجمع الوطني الديموقراطي» و«إعلان دمشق» و«تجمع اليسار الماركسي» (تيم). في هذا الاجتماع قُدِّمت طلبات محددة من أجل «تشكيل مناخات ملائمة» للوصول إلى طاولة حوار وطني. وعملياً، فإنه في ذلك اليوم - أي 13 نيسان - صيغت وثيقة تحت اسم «بيان إلى الرأي العام» من قبل «القيادة المركزية للتجمع الوطني الديموقراطي»، ظلت في نطاق التداول اليدوي، تؤكد «أنه قد تُطرح قضية الحوار السياسي بين السلطة والمعارضة» لتنطلق لتأكيد قناعة «التجمع» بـ«مبدأ الحوار... لمناقشة وحل الأزمات التي تعانيها سورية، بغض النظر عن النيات الخلفية للسلطة في هذا الشأن»، ثم لتصل إلى أن «لكل حوار بيئة يجري فيها»، و«هنا يصبح من المطلوب من النظام إرسال عدد من الرسائل الإيجابية لتأكيد صدقيته في اختيار مبدأ الحوار، ولعل أهمها في هذه اللحظة السياسية: محاسبة المسؤولين عن ممارسة العنف والقتل ضد المتظاهرين، إطلاق سراح جميع المعتقلين السياسيين، وقف الحملة الإعلامية المغرضة ضد الاحتجاجات والمعارضين، وقف العمل بقانون الطوارئ والأحكام العرفية، والاعتراف العلني بوجود معارضة سورية وبحقها في العمل الحر»، ومن «دون هذه المؤشرات لن تخلق بيئة صحية للحوار، وستزداد القناعة بأن دعوة الحوار لا تخدم إلا خروج النظام من أزمته، والإيحاء للداخل السوري والخارج بأنه يسير في طريق الإصلاح». وقد حُدِّدت في الوثيقة المواضيع التي يمكن بعد تشكيل «بيئة الحوار» التطرق إليها كموضوعات للحوار: «الدستور السوري وضرورة إجراء تغيير دستوري يطاول المادة الثامنة - النظام الانتخابي - آليات تداول السلطة - الفصل بين السلطات - توصيف الحالة الحزبية - مهمات رئيس الجمهورية - وظائف الجهاز التنفيذي - مسألة الأقليات القومية».
بالتوازي مع هذا، أكدت جماعة «الإخوان المسلمين» في بيان يوم 5 نيسان أن «فتح أبواب الوطن أمام أجيال المهجرين على خلفيات سياسية، والإلغاء المباشر للقانون 49/1980 وآثاره وتداعياته، وإغلاق جميع الملفات الأمنية السابقة، هي خطوة ينبغي أن تكون سابقة لكل وعود الإصلاح المرسل... إن مثل هذه الإجراءات العاجلة، ستعطي الوعد بالإصلاح صدقيته وجديته، وستوفر المناخ الوطني للحوار البنّاء، الذي نعلن إيماننا به وحرصنا عليه».
هنا، وفي خطوة هي قبل بدء الأحداث السورية، وبنفس مسار الدعوة إلى «حوار وطني شامل»، أطلقت الأمانة العامة لـ«إعلان دمشق» في 25 شباط 2011، أي بعد ما جرى في تونس والقاهرة، وما كان قد بدأ في صنعاء وبنغازي، نداء طلبت فيه من «السلطة السياسية المسؤولة عن حكم البلاد تحمل مسؤولياتها الوطنية في هذه الظروف الدقيقة، واتخاذ موقف جريء وحكيم من قضية التغيير الوطني الديموقراطي المطروحة على جدول أعمال بلادنا، والتي يمكن أن تجد طريقها إلى المعالجة والحل عبر حوار وطني شامل، بين جميع القوى والأحزاب والفعاليات اقتصادية والاجتماعية ومنظمات المجتمع المدني، يرسم معالم هذا الطريق، والجدول الزمني لتحقيقه، ومهمات كل جهة لوضعه موضع
التنفيذ».
كان من الواضح اجتماع كل هذه القوى المعارضة على مطالب التغيير الوطني الديموقراطي، ولكن عند «الإخوان» و«التجمع» و«تيم» الاستمرار في طرح إصلاحي، فيما هناك تأكيد عند «الإعلان» لمطالب تغييرية، ولو مع استمراره مع المعارضين الآخرين على مطلب «حوار وطني شامل». الجديد في نداء 25 شباط/ فبراير هو دعوة «جميع قوى المعارضة... على أمل اللقاء في لجنة وطنية للتنسيق من أجل التغيير، تنسق المواقف، وتخطط للنشاطات وتديرها، فوحدة قوى التغيير أولى الوسائل الضرورية لتحقيقه». بعد شهرين من بدء الأزمة السورية، انتقل «إعلان دمشق» (بيان في 15 أيار 2011) درجة أعلى نحو الاقتراب من سياسة جديدة: «الحديث عن الحوار في ظل إصرار النظام على خياره الأمني يعتبر موقفاً خاطئاً... كما أنه نوع من الانتحار السياسي لا ننصح بالانجرار إليه قبل أن تتهيأ البيئة الطبيعية لحوار سياسي صحي ومنتج، يخرج سورية من أزمتها، ولعل في مقدمة ذلك: 1- أن يعترف النظام بشكل صريح بأن سورية تعاني أزمة سياسية وبنيوية عميقة. 2- سحب الجيش والقوى الأمنية من الشوارع. 3- ضمان حرية التظاهر. 4- الدعوة إلى مؤتمر عام للحوار الوطني، لا يستبعد أحداً... وفقاً لبرنامج واضح ومحدد الآليات والمنطلقات، وفي مناخ حر وآمن».
في 9 أيار 2011 وزعت في العالم السري للمعارضة السورية وثيقة لمشروع من أجل توحيد المعارضة تحت عنوان: «نحو ائتلاف عام للتغيير الوطني الديموقراطي»، وكان توزيع الأوراق على أربعة تحالفات (التجمع الوطني الديموقراطي، إعلان دمشق، تجمع اليسار الماركسي «تيم»، والمجلس السياسي الكردي المكون من 9 أحزاب: مثل حزب الاتحاد الديموقراطي pyd والمنظمة الأشورية الديموقراطية) وعلى خمسة وثلاثين شخصية من الشخصيات العامة عند توجيه الدعوات التي جرت خلال شهر أيار، وقد جرى التوزيع بحيث يكون للحزبيين والتحالفات سبعة وثلاثون ممثلاً. شارك في صياغة مشروع الوثيقة معارضون من الداخل والخارج. ظلت المفاوضات قائمة ومستمرة حتى مساء يوم الخميس 23 حزيران عندما أعلن «حزب الشعب الديموقراطي» و«الأمانة العامة لإعلان دمشق» عدم مشاركتهم في الاجتماع المقرر لاعتراضهم على مشاركة «تيم»، وهو ما شاركهم في الامتناع عن الحضور نصف المدعوين من المستقلين، ثم ليحصل الاجتماع المذكور في يوم السبت 25 حزيران بناءً على تلك الورقة، ولكن مع تعديلات، ولتنبثق منه «هيئة التنسيق الوطنية لقوى التغيير الوطني الديموقراطي في سورية»، التي وقّعت وثيقتها التأسيسية أحزاب من «التجمع» هي: «الاتحاد الاشتراكي» و«حركة الاشتراكيين العرب»، فيما انقسمت قيادة «حزب العمال الثوري» بين موقعين (حازم نهار وطارق أبو الحسن) وغير موقعين ظلوا في «إعلان دمشق» (عبد الحفيظ حافظ وسليمان شمَر)، كما وقعَت كل أحزاب ومنظمات «تيم» (حزب العمل الشيوعي - الحزب الشيوعي «المكتب السياسي» - هيئة الشيوعيين - الحزب اليساري الكردي - التجمع الماركسي الديموقراطي «تمد») وأربعة أحزاب كردية هي: pyd - حزب البارتي (نصر الدين إبراهيم) - حزب يكيتي الكردي - الحزب الديموقراطي الكردي السوري (جمال ملا محمود)، فيما لم توقع خمسة أحزاب كردية شاركت في الاجتماع المذكور أيضاً، بينما وقّعت ثلاثون من الشخصيات العربية والكردية المستقلة التي كانت حاضرة في ذلك الاجتماع التأسيسي
للهيئة.
كان واضحاً قبل أيام من ذلك الاجتماع أن التباينات ليست تنظيمية فقط، وقد ظهر هذا لما وجّه الأستاذ حنين نمر دعوات بالهاتف، باسم «لجنة الحوار» المشكلة بناءً على مرسوم جمهوري، إلى «لقاء تشاوري»، حيث أجاب ممثل «حزب الشعب»، أي جورج صبرا، بشكل أبعد من بيان «إعلان دمشق» في 15 أيار/ مايو لجهة رفض الحوار من حيث المبدأ، فيما أكد ممثلو «الاتحاد الاشتراكي» و«تيم» و«الأحزاب الكردية» عدمَ مشاركتهم في «اللقاء التشاوري» لعدم توافر «بيئة ومناخات ملائمة للحوار».
جرت محاولة ثانية في الأسبوع الأول من أيلول 2011 لتوحيد المعارضة السورية عبر محادثات جرت في الدوحة بين «هيئة التنسيق» و«إعلان دمشق» و«جماعة الإخوان المسلمين»: في تلك الوثيقة التي جرى الاتفاق عليها في الدوحة تحت اسم «الائتلاف الوطني السوري»، وجاء بها أعضاء «الهيئة» المشاركون في لقاء الدوحة، جرى تضمين شروط عليها من قبل المكتب التنفيذي للهيئة في اجتماع يوم الأحد 11 أيلول/ سبتمبر، تطلب إضافات على النص لم يكن يتضمنها: رفض التدخل العسكري الخارجي - لا للعنف من قبل النظام أو أي جهة أخرى مهما كانت خارجية أو داخلية - لا للصراع والشحن الطائفي والمذهبي - تضمين البيان اعترافاً بالوجود القومي الكردي وإيجاد حل عادل للقضية الكردية. وافقت الأمانة العامة لـ«إعلان دمشق» يوم الاثنين 12 أيلول (كان مقرراً لو جرى الاتفاق على النص إعلان قيام الائتلاف يوم الأربعاء من دمشق) على تضمين النص المطالب الثلاثة الأخيرة للهيئة من دون طلب «رفض التدخل العسكري الخارجي»، فيما رفضت جماعة «الإخوان المسلمين» الطلبات الأربعة، وهو ما أدى إلى فشل المحاولة الثانية لتوحيد المعارضة، وليتجه بعدها «الإعلان» و«الإخوان»، مع مستقلين مثل الدكتور برهان غليون الذي كان نائباً للمنسق العامة للهيئة والذي اجتمع «الإعلان» و«الهيئة» في الدوحة على رفض أن يكون رئيس الائتلاف من الخارج، إلى تشكيل «المجلس الوطني السوري» الذي أعلن قيامه في إسطنبول يوم الأحد 2 تشرين أول/ أكتوبر 2011، وهو ما كرّس انشقاق المعارضة السورية بين قطبي «المجلس» و«الهيئة»، الأمر الذي شجع الأكراد على عقد «المؤتمر الوطني الكردي» في القامشلي يوم 26 تشرين أول/ أكتوبر، الذي انبثق منه «المجلس الوطني الكردي»، وضم الأحزاب العشرة الموجودة في الهيئة وإعلان دمشق، ما عدا pyd الذي لم يشارك في لقاء القامشلي.
بتكثيف مجمل: في محادثات الدوحة في أيلول 2011 كان الفشل لأسباب ليست هي نفسها التي أدت إلى فشل محادثات توحيد المعارضة السورية بدمشق على أساس وثيقة 9 أيار 2011. كانت هناك القطيعة التركية مع النظام السوري عقب فشل زيارة داوود أوغلو لدمشق في الأسبوع الأول من آب، ثم مطالبة أوباما لأول مرة للرئيس السوري بالتنحي في 18 آب. كان موقف واشنطن الجديد، وخاصة بترافقه مع سقوط القذافي في 23 آب، قد شجع «إعلان دمشق»، و«الإخوان المسلمين» الوثيقي الصلة بحزب أردوغان، على المراهنة على تكرار سوري للسيناريو الليبي، وهو ما جعل محادثات الدوحة تتحطم على صخرة «موضوع التدخل العسكري الخارجي»، فيما اصطدمت محادثات «وثيقة 9 أيار» بالتعارض بين النفسين، الإصلاحي الذي كان لا يزال موجوداً عند «الإخوان» أيضاً بتشجيع من أردوغان، صديق دمشق حتى آنذاك، والتغييري عند «إعلان دمشق». كانت سياسة أوباما الجديدة تجاه دمشق، بالترافق مع التصعيد التركي تجاه النظام السوري، مظلة لتصعيد معارض عند الإخوان وإعلان دمشق نحو المراهنة على تدخل عسكري خارجي بدأت تترافق فيه في التظاهرات شعارات «إسقاط النظام» مع شعارات تدعو لتدخل عسكري خارجي. ومن دون هذا لا يمكن تفسير نشوء «المجلس» في إسطنبول، حيث كان واضحاً أن أردوغان هو رأس حربة أوباما في سوريا كما كان ساركوزي في ليبيا، وحيث رهان أصحاب ذلك المجلس على أن يكون تكراراً سورياً لمجلس مصطفى عبد الجليل. لم يؤثر فيتو موسكو – بكين في مجلس الأمن في 4 تشرين الأول 2011 على هذا النفس، المراهن على التغيير عبر الخارج عند مجلس إسطنبول، وهو ما جعل اتفاق 30 كانون الأول 2011 بين «الهيئة» و«المجلس» بالقاهرة ميتاً عند لحظة ولادته.
* كاتب سوري