استبعاد سيناريو الحرب لا يعني أن أشباحها غادرت المسرح الملتهب بالأخطار والمخاوف. الحرب مستبعدة لكنها ليست مستحيلة. بالقدر ذاته التهدئة ممكنة، لكنها لا تقف على أرض صلبة. بين التصعيد والتهدئة تتبدّى غيوم لا حدّ لها في الإدارة الأميركية للأزمة مع إيران يصعب معها توقعّ مسار الحوادث المقبلة. لماذا وصل التصعيد العسكري إلى تخوم الحرب؟ وكيف جرت التهدئة بأسرع من أي توقع؟ هذان سؤالان ضروريان في أي نظر في آفاق الأزمة وانعكاساتها المحتملة وإلى أين قد تمضي. تصعب الإجابة بقدر الاضطراب الاستراتيجي الأميركي. هناك خطان استراتيجيان متناقضان في إدارة الأزمة.

الخط الأول، السعي إلى خنق النظام الإيراني وإسقاطه من الداخل بتصعيد العقوبات الاقتصادية والمالية عليه والعمل على تصفير الصادرات البترولية، التي تمثل ما لا يقل عن (30%) من الدخل القومي. بحسب تصريحات أميركية متواترة، فإن العقوبات تستهدف تغيير سلوك النظام لا إسقاطه، من دون أن يكون واضحاً أي فارق بين الاستهدافين، فكلاهما يفضي إلى تقويض الدور الإقليمي الإيراني. مشكلة هذا الخط الاستراتيجي، رغم ما يسبّبه من آلام فادحة للمواطن العادي، أن إيران اعتادت التكيف مع ضروراته وتكاليفه على مدى عقود طويلة، وأن شيئاً من الصبر يساعد على التحمّل حتى تنقضي إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب بكل جموحها الليكودي، فيما هذه الإدارة في عجلة من أمرها.
والخط الثاني، العمل العسكري المباشر لتحقيق الأهداف التي عجزت العقوبات عن الوصول إليها. العقبة الكبرى أمامه أنه لا يوجد تقبل لخيار الحرب في مجلسي الكونغرس، ولا البنتاجون والاستخبارات، ولا الاتحاد الأوروبي حيث جرت العادة بتوفير غطاء دولي ما لأيّ عمليات عسكرية واسعة في الشرق الأوسط، من الأمم المتحدة أو من حلفاء غربيين. بل إن الانقسامات ضربتِ الإدارة الأميركية نفسها، وانتقلت المواقف المتنافرة إلى منصات الصحافة والإعلام، حتى بدا جون بولتون مستشار الأمن القومي الأميركي معزولاً.

ما تطلبه الإدارة الأميركية أقرب إلى العودة إلى خطوط ما قبل 1979


ينتمي بولتون إلى اليمين الأميركي المحافظ، وهو واحد ممن يوصفون بـ«أمراء الظلام» الذين شاركوا بالقرب من إدارة الرئيس الأميركي الأسبق جورج دبليو بوش في العدوان على العراق واحتلاله وتحطيم مقدراته عام (2003) بذرائع ثبت نهائياً أنها مختلقة، مثل امتلاكه أسلحة دمار شامل، أو تعاونه مع تنظيم «القاعدة». يصعب الآن إعادة إنتاج الذرائع والأكاذيب القديمة لتسويغ عدوان آخر على دولة جديدة في الإقليم المنكوب، مهما كانت درجة التحريض عليها. الرئيس الأميركي الحالي نفسه انتقد الحرب على العراق وما أفضت إليه من كوارث، وهو بتكوينه رجل مقاولات يميل إلى لغة الابتزاز لا التورط بالسلاح. رغم تهديدات عالية الطنين ضد كوريا الشمالية وفنزويلا، فإنه تحسّب من التدخّل خشية الوقوع في فخ لا خروج منه بلا أكلاف باهظة، كما أن حسابات القوة لا تسمح بأيّ مغامرات عسكرية فوق براميل متفجرة. شيء من ذلك ردع التفكير في عمل عسكري ضد إيران. إيران تمتلك قوة تسليحية متقدمة، وقدرتها على إلحاق الضرر بالقوات الأميركية أو بمصالحها في الخليج لا يمكن التقليل منها، كما أنها تمتلك قاعدة حلفاء قادرين على توسيع دائرة الاشتباك واصلة في المقام الأول إلى إسرائيل. وفق ترامب: «لا نريد حرباً مع إيران ولا نريد أن نتخذ أيّ خطوة». تصريحات مماثلة تدافعت على لسان مسؤولين سياسيين وعسكريين أميركيين تنفي سيناريو الحرب في لحظة بدا فيها أنه مرجّحا. ولم تكن إيران في وارد طلب الحرب رغم بعض الرسائل التي وجهتها وأثارت تساؤلات حول المدى الذي يمكن أن تذهب إليه. بتعبير وزير خارجيتها محمد جواد ظريف: «لا نريد الحرب ولا نخشاها». إذا كان الأمر كذلك، فلماذا جرى التصعيد العسكري إلى حدود منذرة؟
إدارة ترامب عزت إرسال حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» إلى الشرق الأوسط إلى معلومات استخبارية عن ضربات إيرانية متوقعة لأهداف ومصالح أميركية واحتمالات نشوب حرب، بحسب ما نشرت صحف ووسائل إعلام. كما عزت ذلك التصعيد إلى مخاوف من إغلاق مضيق هرمز، بما يؤثر على نقل إمدادات النفط من الخليج إلى الأسواق الدولية ويرفع أسعاره بصورة مزعجة. الرئيس الأميركي أبدى سخريته، ربما على خلفية أزمته المتفاقمة مع الصحافة في بلاده، خاصة مع «نيويورك تايمز» و«واشنطن بوست»، من هذه التصريحات المنسوبة لمصادر رسمية في إدارته من دون أن يوضح لماذا أرسلت حاملة الطائرات وحقيقة المعلومات الاستخبارية. الكلام كله مضطرب ومتناقض. احتمالات الصدام المسلح توارت ووتيرة الحرب الكلامية والنفسية ارتفعت. بين التصعيد والتهدئة يتبدّى استهدافان أميركيان رئيسيان هما: تحجيم المشروع الصاروخي الإيراني والدور الذي تلعبه في أكثر من ملف إقليمي مشتعل.
كان الانسحاب الأميركي من الاتفاق النووي مع إيران بأهدافه وحيثياته أوسع وأخطر من أن ينسب لأي خرق إيراني لالتزاماته التي أكدتها تقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية. النقد انصبّ على ما حول الاتفاق لا على نصوصه ومدى الالتزام بها، داخلا مباشرة إلى البرنامج الصاروخي والدور الإقليمي الإيراني. وفيما ذهب الأوروبيون إلى الاحتواء اندفع الأميركيون إلى التصعيد، من دون أن تكون هناك استراتيجية تتجاوز كتم الأنفاس بالحصار. في محاولة للضغط الدبلوماسي على الشريك الأوروبي الافتراضي، لوّحت طهران بوقف الالتزام ببعض بنود الاتفاق النووي في ما يتعلق بمخزون المياه الثقيلة واليورانيوم المخصّب، لكنه لم يكن لديه ما يقدمه. هكذا استحكمت حلقات الأزمة الأميركية الإيرانية.
اندفاع للتصعيد العسكري من دون أن يكون هناك توجه للانخراط في حرب واندفاع عكسي للتهدئة السياسية من دون أن تكون هناك خطة قابلة للأخذ والرد. في المشهد وسطاء يتحركون طلباً للتهدئة وهناك دعوة من ترامب نفسه لفتح قنوات اتصال مع طهران لكنه يصوغ موقفه بطريقه مختلفة من تدوينة إلى أخرى على شبكة التواصل الاجتماعي. مرة يقول إنه أودع رقم هاتف البيت الأبيض لدى السفارة السويسرية في طهران، التي ترعى المصالح الأميركية منذ عام (1979)، انتظاراً لاتصال به عندما يكونوا جاهزين، ومرة أخرى يقول إنه لم يطلب تفاوضاً، لكنه لن يمانع فيه إذا اتصل الإيرانيون. المشكلة ليست في من يتصل بمن، ولا هوية الوسطاء، بقدر ما هي في موضوع التفاوض نفسه.
ما تطلبه الإدارة الاميركية أقرب إلى العودة إلى خطوط ما قبل (1979)، حين كانت إيران رجل أمن الإقليم وحليف إسرائيل الرقم واحد. هذه مسألة مستحيلة بالنظر إلى الحقائق الإيرانية الماثلة. هنا تتبدى أكثر النقاط خطورة، والتي تتداخل في ثنايا الأزمة الأميركية الإيرانية وعمقها. أي قراءة للأزمة بعيداً عن «صفقة القرن» التي تحيل القضية الفلسطينية إلى محض مشروعات استثمارية وعقارية تجهض إلى الأبد طبيعتها الوطنية والتحررية لا تفي بكامل الصورة. ربما من أسباب وقف التصعيد العسكري أنه يتناقض مع ما تتطلبه «صفقة القرن»، التي يوشك الإعلان رسمياً عن شقها الاقتصادي، من إغواءات للتطبيع الجماعي باسم الازدهار. بين التصعيد والتهدئة نزوع لاستبدال العدو الإسرائيلي الجاثم بالعدو الإيراني الافتراضي. وهذا أسوأ ما يحدث الآن.
* كاتب مصري