ناقشت الاتصالات التي أجراها السيد عبد الله الغريفي مع أطراف رسميين وشبه رسميين، وتُوّجت بنقل آية الله قاسم إلى المستشفى الدولي، مطلع ديسمبر / كانون الأول ٢٠١٧ ـــ بعد تأخير حكومي متعمّد زاد من معاناة الرجل المحاصر ـــ أموراً أخرى غير إتاحة فرصة العلاج لقاسم، على رأسها سبل التهدئة في البلاد. الرسائل العلنية الموجّهة من الغريفي تجاه الحكم تأتي في سياق تأكيده رغبة المعارضة في كسر حالة القطيعة. لكن، كما يبدي الرجل تفهّماً لهواجس الحكم، فإنه يتوقع أن تنظر السلطات «بأبوّة وعين رحيمة» إلى الملفات ذات الطبيعة الانسانية، مثل المعتقلين وأحكام الإعدام، وأن تصغي إلى خوالج القطاعات الشعبية المتضررة من الأزمة، وألّا تتجاهل الإصلاح السياسي.

في الحديث الثالث (٨ يناير/ كانون الثاني ٢٠١٩) من سلسلة خطابات التهدئة، قال الغريفي: إن «المنطلق لكل مسارات الإصلاح هو تعزيز الثقة، ومن خلال تنقية المناخات، واعتماد لغة الحب، والتسامح»، وتفادى الرجل كلاماً قد يسبّب إزعاجاً للسلطات، التي لا تنتظر زلّة، كي تقطع التواصل أو تسد الأبواب الموصدة طويلاً.
تحرك رئيس الوزراء، ووزراء آخرون، لاستكشاف ما لدى الغريفي من رؤى، وإذا ما كان الرجل جاهزاً للإقرار بالوقائع المستحدثة، حيث يعتقد الحكم أنه حقق انتصاراً باهراً، ولحقت بالمعارضة هزيمة ساحقة، وعلى الغريفي والمعارضين الإقرار بالمعادلة الجديدة واستحقاقاتها. مثلُ هذه الاستراتيجية الضاغطة ستظل حاضرة في قلب التواصل مع الغريفي: ضغط يتلوه تواصل، ثم ابتزاز يتلوه لقاء، لقراءة مدى حدوث تغيّر في خطاب الغريفي وسقوف مطالب المعارضة. والمنشود، حكومياً من القوى الوطنية المعارضة، تنازلات من طرف واحد، من دون أن يُقدم النظام على إصلاحات نوعية. لم يكن تحرك الشيخ خليفة إلا بضوء أخضر من ابن أخيه الملك. وإدراج صراع الأجنحة من دون تثبّت، في كل صغيرة وكبيرة، يشوّش فهم تطور الأحداث.
حدث تواصل بين رئيس الوزراء والسيد الغريفي في ديسمبر / كانون الأول ٢٠١٧ تزامناً مع إطلاق السيد الغريفي مبادرته الشهيرة. أبلغ الأول الثاني تحيات الملك حمد، والحاجة إلى صوت الاعتدال ليلعب دوراً إيجابياً لمصلحة الوطن والقيادة. وكانت لافتة إشارة رسميين إلى أن الغريفي «يمثل نهج الاتزان، ومسلك العالم اللبناني الراحل السيد محمد حسين فضل الله». لا يظهر أن السيد الغريفي توقف عند إشارة رئيس الوزراء المعبّرة تلك. واكتفى بحديث في العموميات عن نبذ العنف وبناء الثقة واستعادة اللحمة الوطنية، ولم يخض في الجانب المطلبي، فقد اتّسم التواصل المباشر الأول بالكثير من المجاملات وجس النبض، ويصعب تسمية اللقاء جلسة عمل.
من المعروف أن السيد الغريفي محسوب على اتجاه فضل الله، وكان ألقى من بيروت نعي رحيله في صيف ٢٠١٠. لكن الغريفي لم يروّج لمرجعية رجل الدين اللبناني الذي كان من أقطاب حزب الدعوة قبل أن يؤسّس خطه الخاص. وانسجم الغريفي كلياً مع الخط الذي يقوده آية الله قاسم. التقى رئيس الوزراء والسيد الغريفي لمرات أخرى؛ أحد اللقاءات تم في فبراير / شباط ٢٠١٨، في بيت وجيه معروف، وتحدث الغريفي بصورة أكثر وضوحاً عن أوضاع المعتقلين، وأحكام الإعدام، والتمييز في البعثات، والطائفية في التوظيف. ولم يبدر من الحكومة اعتراض على خطاب كهذا.

طرف رسمي أبلغ الغريفي رسالة غير معهودة: «لدينا دواعشنا ولديكم دواعشكم»


الاتصالات الرسمية بالسيد الغريفي شملت أطرافاً آخرين غير رئيس الوزراء، لكنها لم تتضمن الاجتماع بالملك، الذي رفض استقبال الغريفي، وأحاله على وزير الداخلية. ويفضّل المرجع الشيعي الاجتماع مع رأس الدولة، لأن اللقاء مع وزير الداخلية قد يحصر النقاشات في أطر أمنية.
طرف رسمي أبلغ السيد الغريفي رسالة غير معهودة: «لدينا دواعشنا ولديكم دواعشكم، وعلينا تكسير الدواعش في الجانبين، ويجب أن تتصدى لدواعشكم كما نتصدى لدواعشنا». وأثار المسؤولون الحكوميون أسئلة بشأن موقف السيد الغريفي من التصريحات التي يدلي بها الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله تباعاً دعماً لمطالب المعارضة. كما ظُلّلت التواصلات بالأجواء المشحونة في العوامية (القطيف) في المنطقة الشرقية في السعودية.
كان رد الغريفي بأن «البحرين قضية محلية، والحلول تنبع من داخلها، وأن لا علاقة لنا بالخارج، فأحداثه لا تعنينا. لا نصرّح ولا نرحّب ولا ندين».
هذا الموقف ليس مقنعاً للطرف الرسمي الذي سيواصل ابتزاز الغريفي. وقد مارس القصر ضغوطاً عبر وزارة الداخلية والحرس الوطني والصحافة وعدد من النواب وجمعيات موالية، في جهد منسّق، عبر صدور بيانات متتالية، في النصف الأول من مايو / أيار ٢٠١٩، تطالب الغريفي بموقف من «تصريحات ومواقف مسيئة لأمن واستقرار البحرين، كان آخرها تصريحات (الزعيم العراقي السيد) مقتدى الصدر، وتدخلاته السافرة في الشأن الداخلي البحريني.. إضافة إلى ما يقوم به حزب الله من أعمال إرهابية وتخريبية في مملكة البحرين»، على تعبير البيان الذي نشر من دون توقيع نواب. ويراد من ذلك محاصرة الغريفي، وتقويض مصداقيته، وجعله عرضة للسهام، وتجريده من أوراقه، وإجباره على التصريح ضد القوى الإقليمية الصديقة للمعارضة، في وقت تمضي فيه السلطات في تأكيد ارتباط البحرين بالوضع الخليجي، بما يعنيه ذلك من أن التواصلات الجارية عملية معقدة وأشبه بـ«السباحة بين التماسيح».
والحقيقة، فإن التواصل مع الملك هو غاية الغريفي. عين الرجل ورسائله كانت متجهة على الدوام نحو القصر، صاحب الأمر والنهي. وإذا كان الطريق إلى رأس الدولة يمر عبر رئيس الحكومة، فلا اعتراض عند الغريفي الباحث عن منفذ في جدار سميك من القطيعة، المترافق مع نهج أمني لم يُبق ولم يذر من أطر سياسية للمعارضة، خصوصاً أن رئيس الوزراء يعتبر نفسه رئيس حكومة صاحب الجلالة وينفذ تعليماته.
وإذا كان رئيس الوزراء يصنف تقليدياً في خانة الصقور، فقد ظهر «معتدلاً بعض الشيء» في الاجتماعات مع السيد الغريفي، فيما صقور القصر أكثر تشدداً وافتراساً، وهذه معضلة أخرى ستظل حاضرة عند البحث في كيفية إدارة التواصلات مع الطرف الرسمي.

في قصر رئيس الوزراء
اجتمع الطرفان مرة أخرى في قصر رئيس الوزراء في الرفاع، بعد نحو عشرة أيام من سفر آية الله قاسم إلى العاصمة البريطانية لندن (٨ يوليو / تموز ٢٠١٨) لإجراءات فحوصات وتلقي العلاج لمرض السرطان وأمراض أخرى يعاني منها.
سأل رئيس الحكومة عن صحة آية الله قاسم، وطمأنه الغريفي إلى أن الأوضاع الصحية لآية الله مستقرة وتتحسن. تقدم الغريفي إلى الملك وإلى رئيس الوزراء بالشكر على تسهيل سفر المرجع الشيعي. وكان الأطباء قدّروا، في الأسبوع الأول من يوليو / تموز ٢٠١٨، أن قاسم قد يكون مصاباً بالسرطان، لكنهم لا يريدون المجازفة في علاجه في المستشفيات المحلية. تم اقتراح سفره إلى الخارج، وافق قاسم، وتم اختيار مصحة في لندن.
كان آية الله قاسم ممنوعاً من السفر، ومن دون جنسية أو جواز سفر، ويواجه حكماً بالسجن مع وقف التنفيذ. اجتهد السيد الغريفي وفريقه في العمل على التواصل مع القصر لضمان سفر قاسم، ولما تأكد للملك إصابة قاسم بالسرطان أبدى الاستعداد الكامل لتسهيل إجراءات سفره.
الاجتماع في قصر رئيس الوزراء جاء بعد أكثر من شهر على إطلاق «جمعية الوفاق الوطني» البحرينية المعارضة مبادرة مكوّنة من 13 مبدأً، ركزت على ضرورة إتاحة أجواء التعددية والتسامح وقبول الآخر في إطار مجتمع متنوّع.
لم تتضمن المبادرة مطالب محددة، وما تحدثت عن المطالب الخمسة التي سبق أن كرّستها في خطاباتها المتتالية، والمتمثلة في «حكومة منتخبة، ونظام انتخابي عادل، وسلطة تشريعية منتخبة، وسلطة قضائية موثوقة، وإشراك جميع مكونات المجتمع البحريني في تشكيل الأجهزة الأمنية والعسكرية».
اعتبر الإعلان الوفاقي دعوة غير مشروطة للحوار، وقوبل ذلك بردود فعل متباينة، لكنّ أطرافاً غير معارضين رأوه «مخرّباً على رؤية الغريفي، بنوداً وتوقيتاً»، فيما رآه آخرون دعماً لتوجّه الغريفي، لأنها صيغت بعبارات عامة قابلة للتأويل.
في أكتوبر / تشرين الأول ٢٠١٨، حدث تواصل جديد بين رئيس الوزراء والغريفي، حضره ـــ وفق مصادر شبه رسمية ـــ خليل المرزوق، المعاون السياسي للأمين العام لجمعية «الوفاق»، الذي سبقه اجتماع واحد قبل ذلك على الأقل. فهل يفسّر ذلك أن الحكم لا يضع خطاً أحمر ونهائياً لعدم التعاطي مع أقطاب الجمعيات المنحلة؟
كذلك حضر المرزوق إلى جانب الغريفي في زيارات قام بها العلّامة الشيعي إلى رئيس الوزراء لتأدية واجب العزاء في ثلاث مناسبات: وفاة حرم وليّ عهد البحرين (يونيو/ حزيران ٢٠١٨)، وفاة شقيق نائب رئيس الوزراء محمد بن مبارك آل خليفة (مارس / آذار ٢٠١٩)، وفاة شقيقة رئيس الوزراء وعمة الملك (ابريل / نيسان ٢٠١٩)، وأصرّت الحكومة على أن الزيارات «قيام بالواجب في ظل عادات المجتمع البحريني»، وليست ضمن جهد أوسع لإعادة اللحمة الوطنية كما يأمل الغريفي. هذا الجهد الحكومي يأتي، ربما، كجزء من سياسة الانتقاص من اللقاءات التي يريد الغريفي وضعها في خانة سياسية.

زيارة رئيس الوزراء للسيد الغريفي
تمت الزيارة في الأول مايو /أيار ٢٠١٩، في يوم إجازة رسمية (عيد العمّال)، ورافق رئيس الوزراء عدد من أولاده وأحفاده. وقد دعم ذلك التصور الحكومي بأن الزيارة ذات طبيعة اجتماعية. خلال الجلسة قال رئيس الوزراء إنه يأتي في يوم إجازة تقديراً «لسماحة السيد، وليتعرّف الأبناء والأحفاد على هذه الشخصية الوطنية».
بعد ٢٤ ساعة من انفضاض الزيارة غير المسبوقة منذ ٢٠١١، صدر بيان رسمي يوضح «بأن الزيارة كانت رداً على زيارة السيد الغريفي لتعزية سموّه»، ومع ذلك لم يخلُ البيان من مضمون سياسي، لأنه أشار إلى أن السيد الغريفي قدّم الشكر لزعماء البلاد «لتثبيت جنسية ٥٥١ محكوماً صدرت بحقهم أحكاماً بإسقاط الجنسية». وبالنظر إلى ما تمّ إبرازه خلال هذه الورقة من نقاشات ومعطيات، فإن الدبلوماسية الاجتماعية كانت جزءاً من الإطار الأوسع للنقاشات الفضفاضة التي تتناول نقاشات سياسية، وتظهر في العلن في ثوب اجتماعي.

موقف المعارضة من رئيس الوزراء
فتحت الزيارة نقاشاً بشأن الموقف من رئيس الوزراء، ذلك أن المطالبة بإزاحة الشيخ خليفة تعدّ من أبرز شعارات المعارضة منذ التسعينيات من القرن الماضي، بينما الرجل الذي ينسب إليه كثير من إخفاقات البلاد، بما في ذلك المسؤولية عن تعطيل الحياة الدستورية في منتصف السبعينيات، هو ضيف عزيز على أحد المراجع الروحيين للمعارضين.

تجدر الإشارة إلى أن شعار «تنحّ يا خليفة» يكاد يكون تلاشى من البيانات الرسمية للمعارضة


مع ذلك، تجدر الإشارة هنا إلى أن شعار «تنحّ يا خليفة» يكاد يكون تلاشى من البيانات الرسمية للمعارضة، وتصريحات قادتها منذ إطاحة الاحتجاجات وفرض حالة الطوارئ في منتصف مارس /آذار ٢٠١١.
ويرى قياديّ معارض أن شعار «تنحّ يا خليفة» «عنوان فرعي، الأصل هو الحكومة المنتخبة، ومن المنطقي أن المعارضة التي تقبل بمنطق التدرج وتتعامل مع موازين القوى القائمة، يمكنها تأخير مطلب وتقديم آخر بحسب الظروف»، موضحاً أن «مطلب الحكومة المنتخبة تراجع في سلم الأولويات، واليوم تتقدم مطالب مرحلية متعلقة بالانفراج السياسي وإطلاق سراح المعتقلين من دون تنازل عن المطالب الاستراتيجية»، ويشدّد على أن «تحركات الغريفي لا تتعارض استراتيجياً مع مطالب المعارضة، لأنه لم يقدم تنازلات في تلك المطالب».
ويمكن الإشارة إلى مواقف عديدة سبق أن رفعتها المعارضة بين ١٤ فبراير /شباط – ١٥ مارس / آذار ٢٠١١، ولم تعد مدرجة على جدول الأعمال الحالي للمعارضة، مثل انتخاب مجلس تأسيسي لكتابة الدستور، وإقالة رئيس الوزراء، وحتى مطلب الحكومة المنتخبة الذي يوصف بالمطلب القابل للتطبيق في مراحل مقبلة، ويعدّ ذلك قدرة على مجاراة التغيرات من وجهة نظر معارضين. فهل يمكن القول عندها إن استقبال الغريفي لرئيس الوزراء يمثّل كسراً لموقف معارض؟

جدلية الحقوقي والسياسي
إثر الزيارة، تصدرت النقاشات إن كان الأولى للمعارضين التركيز على إيجاد صيغ لاحتواء الأزمة الإنسانية المتفاقمة، حيث يقبع أكثر من أربعة آلاف شخص في السجون، أم يجدر بهم تكثيف الجهود على جذر المعضلة السياسية المتمثلة في غياب الانسجام الوطني على الدستور وصلاحيات المؤسسة التشريعية، وكيف بالإمكان ربط الخطين (الحقوقي والسياسي) في ظل إدارة حكومية ترفض الحوار، وتبتز المعارضة بالمساجين = الرهائن.
وبعد اللقاء، تلقّى السيد الغريفي اتصالاً من وزير الداخلية راشد بن عبد الله آل خليفة. نقل الوزير إلى الغريفي تحيات الملك، وحثّه على مواصلة جهود التهدئة. وبنظر البعض، فإن ذلك قد يعزز فرضية انطلاق الحكم في تواصله مع الغريفي من منظور أمني، وأخرى تتصل بالعلاقات العامة، خصوصاً أن إجراءات إعادة الجنسية لـ ٥٥١ محكوماً، وتجديد الحديث عن تفعيل قانون العقوبات البديلة، حصلا بعد عودة وزير الداخلية من زيارته الطويلة لواشنطن بين ٦ – ١٨ ابريل/ نيسان ٢٠١٩.

الجدل حول خطاب الغريفي
تضمن الخطاب الذي تلاه السيد الغريفي عبارات مجاملة عادة ما يتفاداها الإسلاميون الحركيون، الذين بزغ نجمهم مطلع ثمانينيات القرن الماضي. وممّا قاله السيد عبد الله الغريفي (المضيف) مخاطباً ضيفه رئيس الوزراء: «لا أظنُّ أنْ تغمض لجلالة الملك عينٌ، وأنْ تغمض لسموّكم عينٌ، وأنْ تغمض لسموّ وليّ العهد عينٌ وفي شعبكم مَنْ يعيش المعاناة».
أثارت هذه العبارات استياء آية الله قاسم، لكن ربما المعالجة السياسية للسيد الغريفي برمّتها موضع تمحيص من قبل أطراف معارضين، تفضّل التركيز على العلاجات السياسية، ولن يصحّ تحميل هذا التباين أكثر ممّا ينبغي، فقد أكد آية الله قاسم مراراً ثقته بشريكه في النضال الطويل.
في ذروة الهجوم الرسمي على الغريفي (مايو / أيار ٢٠١٩)، قال قاسم في بيان مكتوب: «الغريفيُّ مع الشعبِ والشعبُ مع الغريفيّ، النّيلُ منه نيلٌ منه، والتعدِّي عليه مِن التعدِّي عليه». ويظهر أن السيد الغريفي استخدم عبارات مشابهة أثناء اجتماعاته غير المعلنة مع رئيس الوزراء. ويقارن البعض بين ذلك، وبين خطاب «هذه رقابنا، هذه دماؤنا، هذه رؤوسنا، فداءً لديننا وعزتنا»، التي أعلنها الزعيم الروحي للشيعة، قاسم، في ذروة القمع الحكومي ضد المعارضة، بعد يومين من دك دوار اللؤلؤة، وسريان حالة الطوارئ بين مارس / آذار ـــ مايو / أيار ٢٠١١. ويحاجج منتمون إلى التيار الحركي بأن حديث قاسم المذكور كان لحظة استثنائية، وأن خطاب الرجلين، كما خطاب عموم الإسلام الحركي، يتّسم «بالحكمة والموعظة الحسنة»، والتأكيد على التسامح والمواطنة والوحدة الوطنية والإسلامية، وإن الإلحاح على مطلب الشراكة السياسية ترافق دائماً مع التشديد على الأطر السلمية.
وحتى مع الاتفاق على أن خطاب الغريفي المذكور يعدّ غير مألوف في تاريخ الإسلاميين الشيعة الذين يتفادون ـــ عادة ـــ تعظيم وتفخيم رموز الحكم، فإن هؤلاء اعتادوا توجيه الشكر، بلغة دبلوماسية، لملك البحرين ومسؤولي الدولة الآخرين، تقديراً للخطوات التي تصنفها المعارضة إيجابية.
ولم تنقطع خطابات الشكر العلنية حتى في فترة الخلاف الدستوري، والتعايش الهش، بين ٢٠٠٢ حتى ٢٠١١ حين حدث طلاق بائن بين الطرفين، إثر انحياز جمعية «الوفاق»، والمرجعيات الدينية الأخرى، بما في ذلك آية الله قاسم والسيد الغريفي، وحتى رجال دين وسياسيون وتجار ووجهاء وتكنوقراط قريبون من الحكومة، إلى التجمع الشهير في دوار اللؤلؤة (١٤ فبراير / شباط – ١٥ مارس / آذار ٢٠١١).
* كاتب وصحافي من البحرين

السيد عبدالله الغريفي: الخطاب الجديد... الإشكالات والمُنتهى [1]