يوهافين ــ في لحظة نادرة من التوافق بين الحزبين، تتوحّد الآن مواقف الجمهوريين والديمقراطيين في أميركا بشأن قضية رئيسة وهي: إلقاء اللوم على الصين في كلّ ما يزعج الولايات المتحدة ويقلقها. فلم يسبق أن كان لتقريع الصين هذه الجاذبية الواسعة من قبل وقد تولّد عن هذا التركيز على الصين كتهديد وجودي للحلم الأميركي الغالي، تداعيات خطيرة. فقد أفضى إلى تبادل فرض الرسوم الجمركية، وتصعيد التهديدات الأمنية، وظهور تحذيرات من حرب باردة جديدة، بل وأحاديث في الخفاء عن صدام عسكري بين القوة الصاعدة والقوة المهيمنة على العالم حالياً.

ومع اتفاق تجاري يبدو وشيكاً في الظاهر، نجد هذا يغري البعض باستنتاج أن كل هذه التداعيات ستتلاشى. لكن ربما كان هذا من قبيل التمنّي، فالثقة بين الصين وأميركا الآن ممزقة وفي أسوأ حالاتها، ولن يتغير هذا بمجرد احتمالية توقيع اتفاق سطحي. والاحتمال الأقرب والأكثر واقعية أن يكون هناك عصر جديد من الارتياب المتبادل والتوتر والتنازع.
لكن ماذا لو كانت الطبقة الأميركية الثرثارة مخطئة تماماً في كل ما تروّج له، وكان هذا التقريع الموجّه إلى الصين نتيجة طبيعية لمشاكل داخلية أكثر منه رداً على تهديد خارجي حقيقي؟ في الحقيقة، هناك أسباب قوية تدعو للاعتقاد بأن الولايات المتحدة تبنّت رواية زائفة بشأن الصين، في ظلّ شعورها بالقلق وعدم الأمان، بعدما ضربتها اختلالات الاقتصاد الكلّي التي صنعتها بأيديها، فأضحت تخشى عواقب انسحابها من قيادة العالم.
لو تأمّلنا حال التجارة مثلاً، سنجد أنه في عام 2018، بلغ حجم عجز تجارة السلع للولايات المتحدة مع الصين 419 مليار دولار، مما يمثل وحده 48% من الفجوة التجارية الضخمة التي تبلغ 879 مليار دولار. الأمر الذي يعدّ نقطة كاشفة في خضم هذا الجدال، بل تعدّ هذه المسألة السبب وراء ما يسمّيه الرئيس الأميركي دونالد ترامب «مذبحة» خسارة الوظائف وضغوط الأجور.
غير أن الشيء الذي لن يعترف به ترامب ــ وغيره من غالبية الساسة الأميركيين ــ هو أن الولايات المتحدة سجّلت عجزاً تجارياً مع 102 دولة في عام 2018، ما يعكس نقصاً هائلاً في الادّخار المحلي، يرجع بدرجة كبيرة إلى أوجه العجز المتهورة في الميزانية، التي لا يوافق عليها إلا الكونغرس والرئيس. كما أن أحداً لا يعترف بتشوهات سلاسل العرض، الناشئة عن المدخلات التي تسهم بها دول أخرى وإن كان يتم تجميعها وشحنها من الصين، إذ تتسبب هذه التشوهات في مفاقمة اختلال الميزان التجاري بين الولايات المتحدة والصين بنسبة تصل إلى 35-40% حسب التقديرات، ناهيك عن الاقتصاد الكلّي الأساسي والكفاءات الجديدة من منصّات الإنتاج العالمية التي تفيد المستهلكين الأميركيين. من الواضح إذاً أن الذم في الصين بوصفها العقبة الكبرى التي تحول دون استعادة العظمة الأميركية أسهل كثيراً.
بعد ذلك دعونا نتأمّل قضية سرقة الملكية الفكرية. إن سرقة الصين ملكيات فكرية أميركية تقدّر بمئات المليارات من الدولارات كل عام باتت «حقيقة» مقبولة الآن، مما يوجّه طعنة إلى قلب براعة الإبداع في أميركا. ففي عام 2017، كلفت سرقة الملكيات الفكرية الاقتصاد الأميركي ما يتراوح بين 225 و600 مليار دولار، وفقاً لما يسمى باللجنة المعنية بسرقة الملكيات الفكرية الأميركية، التي تعدّ المصدر المقبول لادّعاء كهذا.
وبغض النظر عن الفارق الكبير غير المعقول بين الرقمين الواردين بمثل هذا التقدير، تعتمد الأرقام على دليل ضعيف مستمد من ممارسات «النمذجة بالوكالة» المشبوهة التي تحاول الاستفادة من الأسرار التجارية المسروقة من خلال أنشطة مجرَّمة كتهريب المخدرات، والفساد، والاحتيال الوظيفي والتدفقات المالية غير المشروعة. أما الجزء الخاص بالصين من هذه السرقة المزعومة فنعرفه من خلال بيانات إدارة الجمارك وحماية الحدود الأميركية، التي أبلغت في عام 2015 عن مضبوطات من السلع المزيفة والمقرصنة بقيمة إجمالية تبلغ 1.35 مليار دولار. وتقوم نماذج أخرى على نفس القدر من الريبة بحساب هذا المبلغ الصغير ضمن تقدير تخميني كلّي للسرقات التي تتكبدها الولايات المتحدة وتنسب 87% من الإجمالي إلى الصين (52% للبر الرئيسي و35% لهونغ كونغ).
ثم هناك مسألة التضليل وتشتيت الانتباه التي يؤكّد عليها تقرير الفقرة 301 الذي نشره الممثل التجاري للولايات المتحدة في مارس/آذار من عام 2018، والذي يوضح المبرر الأساسي لفرض رسوم جمركية على الصين وهو: إجبار الشركات الأميركية على نقل التكنولوجيا لشركائها الصينيين الذين تربطها بهم مشروعات مشتركة. فالكلمة الرئيسة هنا وهي «إجبار» توحي بأن الشركات الأميركية البريئة التي تدخل طواعية في اتفاقيات تعاقدية مع نظرائها الصينيين تُجبَر على تسليم التقنيات المملوكة لها مقابل أن تباشر أعمالها في الصين.
لا شك أن المشروعات المشتركة تتطلب بشكل واضح المشاركة في ما يتعلق بالأشخاص والاستراتيجيات التجارية ومنصات التشغيل وتصميمات المنتجات. لكن التهمة هنا هي الإجبار، ما يؤدي بنا إلى فرضية أن الشركات الأميركية متعددة الجنسيات حمقاء إلى حدّ تسليم تقنيات أساسية مملوكة لها لشركائها الصينيين.
وهذا مثال آخر صادم لدليل ظني على ادعاء حسي، إذ يعترف الممثل التجاري الأميركي بالفعل وبشكل لا يُصدّق في تقرير الفقرة 301 (صفحة 19) بأنه لا يوجد دليل دامغ لتأكيد تلك «الممارسات الضمنية»، وبدلاً من تقديم مثل هذا الدليل، نجده ــ شأنه في ذلك شأن اللجنة المعنية بسرقة الملكيات الفكرية الأميركية ــ يعتمد في دعواه على عمليات استقصاء جرت بالوكالة من قِبَل منظمات تجارية مثل مجلس الأعمال الأميركي الصيني، والتي يشكو المستجيبون لها من بعض الانزعاج من تعامل الصين مع تقنياتهم.
كما تصور رواية واشنطن الصين على أنها وحش قائم على التخطيط المركزي يجلس منفرج الساقين يأوي تحته مشروعات ضخمة مملوكة للدولة تتمتع بائتمان تفضيلي، وإعانات دعم غير عادلة، وحوافز مرتبطة بسياسات صناعية بالغة الأهمية مثل صُنع في الصين 2025 والذكاء الاصطناعي 2030. ناهيك عن مجموعة كبيرة من الأدلة التي تبرز سمات ضعف الكفاءة وانخفاض العائد التي تتصف بها المشروعات الصينية المملوكة للدولة.
ولطالما مورست بالتأكيد سياسات صناعية مشابهة في اليابان وألمانيا وفرنسا وحتى الولايات المتحدة. في فبراير/شباط، أصدر ترامب أمراً تنفيذياً يعلن تأسيس مبادرة الذكاء الاصطناعي، مع استكمالها بإطار لتطوير خطة عمل للذكاء الاصطناعي خلال 120 يوماً. وعليه، ليست الصين وحدها الحريصة على رفع منزلة الابتكار إلى درجة سياسة ذات أولوية قومية.
أخيراً، هناك قضية التلاعب في العملة الصينية التي عفا عليها الزمن ــ بمعنى الخوف من أن تقوم الصين بخفض الرنمينبي عمداً لتحقيق ميزة تنافسية غير عادلة. لكن عملتها الموزونة تجارياً على نطاق واسع ارتفعت أكثر من 50% بالقيمة الحقيقية منذ أواخر 2004. كما اختفى فائض الميزان الجاري الصيني الضخم، كما عُرف عنه في السابق. ورغم ذلك، لا تزال شكاوى الماضي من قضية العملة حية وقائمة، ما يعطيها أهمية بارزة في المفاوضات الحالية، وإن كان يتم الترويج لها لتعقيد الرواية الزائفة فقط.
إجمالاً، كانت واشنطن غير دقيقة في التعامل مع الحقائق وتحليلها والنتائج التي انتهت إليها، كما كان العامة من الشعب الأميركي ساذجين للغاية في تقبلهم لهذه الرواية الزائفة. وليس الهدف هنا إنكار دور الصين في إذكاء التوترات التجارية مع الولايات المتحدة، لكن للتأكيد على الحاجة إلى الموضوعية والأمانة عند توجيه اللوم وتحديد الملوم، خاصة أن النزاع الحالي يحمل في طياته مخاطر كثيرة. من المحزن حقاً أن يكون التركيز على إيجاد كبش فداء أسهل كثيراً في الظاهر من مراجعة النفس والنظر طويلاً والتأمل في المرآة.
(ترجمة: أيمن السملاوي)
* الرئيس السابق لشركة «مورغان ستانلي» آسيا وكبير الاقتصاديين فيها، أستاذ محاضر في جامعة «ييل».
** نشر هذا المقال على موقع Project Syndicate في 26 نيسان 2019.