يتعذّر تصوّر أن تكون قيادة «الوفاق» وعناصرها في الداخل والخارج، بعيدة عن فهم الصورة التي أفرزت خطاب التهدئة، وما تلاه من مباحثات فضفاضة بين الزعيمَين الغريفي ورئيس الوزراء. «الوفاق» وقيادتها - وليس بالضرورة جميع جمهورها - جزء من التيار الحركي الذي يقوده قاسم والغريفي، ويعسر الفصل ضمن خطوط هذا الائتلاف الواسع بين شخصيات سياسية وأخرى دينية وثالثة ثقافية، فالتداخل كبير بين هذه الأطراف. وبالطبع لا يمكن أن يقلّل ذلك من لجاجة السؤال عن دلالات حضور المعاون السياسي لأمين عام الوفاق اجتماعات كهذه.

الأرجح، أن القيادي الوفاقي البارز خليل المرزوق، أحد أبرز مساعدي الشيخ علي سلمان، شارك في أكثر من اجتماع بين الغريفي ورئيس الوزراء، كما كان ضمن وفد الغريفي المؤدي لعدد من واجبات التعازي للأسرة الحاكمة، إضافة إلى حضوره زيارة رئيس الوزراء إلى بيت الغريفي في منطقة السهلة، أي إن المرزوق حضر ما أسميه «الدبلوماسية الاجتماعية»، واجتماعات عمل أخرى، وقد يعني ذلك دعماً من كبرى المؤسسات السياسية في البلاد لنهج الغريفي.
ويُوجّه لومٌ للمرزوق لغيابه شبه الكلّي عن الجمهور، ويتساءل الرأي العام «الوفاقي» لماذا لا تغرّد الشخصية البارزة كما يفعل الناشط المعروف إبراهيم شريف؟ لماذا لا يشارك في ندوات أو يحضر مناسبات عامة. ويُوجه السؤال ذاته لعموم القيادات السياسية الشيعية الغائبة، أو تكاد، عن المشهد.
وتغيب أغلب كوادر الصف الأول لـ «الوفاق» عن المسرح السياسي منذ حلّ «الوفاق» (يوليو ٢٠١٦)، وفي أعقاب الإجراءات الأمنية التي اتُّخذت بحق المرزوق وكاظم وآخرين. ويُعتقد أن كوادر «الوفاق» عرضة للاعتقال في حال نشطت سياسياً، ونصحت من بعض الأطراف، أو هي اتّخذت قراراً تنظيمياً، بالقبوع في الظل.
وتفاجأ الرأي العام حين غرّد عدد من القياديين الوفاقيين، سيد جميل كاظم وسيد هادي الموسوي ومجيد ميلاد، نصرةً للغريفي في أعقاب شكوك صدرت من أطر شعبية، موجهة للزعيم الغريفي تلت زيارة رئيس الوزراء. ومنذ دشن السيد الغريفي خطاب التهدئة أواخر عام ٢٠١٧، لم يصدر من «الوفاق» موقف رسمي داعم أو معترض على ذلك الخطاب. وحين نقارن ذلك بالبيانات الصادرة من آية قاسم، نجد أن الجمعية الرئيسية للمعارضة، والتي تتخذ قيادتها من المهجر (بيروت) مقراً لها، تسارع إلى تأييد أول بيان أصدره قاسم (فبراير ٢٠١٩) من مهجره في مدينة قم، قائلة إنها «تقف بكل وجودها وجمهورها وحراكها مع مضامين البيان الصادر عن آية الله الشيخ عيسى قاسم».
تأخّرَ نشر موقف وفاقي داعم للغريفي إلى ما بعد صدور بيان لقاسم يندد بالهجوم المنسق على الغريفي (١٢ مايو / أيار ٢٠١٩). واستنكرت «الوفاق» «حفلة الزار» ضد الغريفي، وأشادت بمنبره الذي «يفيض حباً وتسامحاً وانفتاحاً»، لكنها أشاحت بوجهها عن الاجتماعات التي عقدها مع رئيس الوزراء، وركّزت بدلاً من ذلك على «الخلافات الداخلية بين أقطاب الحكم».
بيد أن الإعلام المعارض الخاضع لتأثير «الوفاق» استمرّ مناصراً بقوة للغريفي، وبرزت أصوات وفاقية معروفة على أقنية معارضة تدافع عن برنامجه السياسي، وليس فقط تصدُّ الهجوم المنسّق الذي ينال منه. وقد طرح وزير الداخلية راشد بن عبدالله، في الاتصال الذي أجراه مع السيد الغريفي بُعيد مغادرة رئيس الوزراء لبيت الزعيم الشيعي، مسألة تحرّك الوفاقيين سياسياً. ولم يكن مفاجئاً أن تطرح مشاركة المرزوق استفهامات ليس فقط لجهة البروز بعد الغياب، وإنّما لجهة إن كانت الحكومة مستعدّة للسماح للقوى المنحلة بالعمل السياسي. وإذ يستبعد ناشطون معارضون ذلك، فإن مراقبين يرون أنه لا يمكن تجاهل دلالات السلام المتبسم بين المرزوق ورئيس الوزراء. لكنّ الذهاب بعيداً في اعتبار حضور المرزوق اختراقاً يبدو مبكراً. وتبدو مواقف الجمعيات المعارضة الأخرى («وعد»، القومي، الوحدوي، التقدمي) مناصرة للسيد الغريفي، وغرّد السياسي البارز إبراهيم شريف إن «الوضع لا يدعو للتفاؤل، لكن هذا ليس سبباً لعدم دعم المساعي الطيبة».

هل من صراع أجنحة؟
منذ ٢٠٠٥ تقريباً، حُسم صراع الأجنحة في البحرين على صعيد إدارة الملفات الاقتصادية ونقلها إلى مجلس التنمية الاقتصادية، بعد أن تمّ نقل ملف الميزانية والملف السياسي إلى القصر منذ اعتلاء الشيخ حمد سدة الحكم (١٩٩٩).
لعبة «ميثاق العمل الوطني»، التي قام بها حمد عيسى في ٢٠٠١، هدفت لضرب عدة عصافير: ١ـ ادّعاء الإصلاح، ٢ـ الفصل بين فريق الحاكم الجديد الإصلاحي والحرس القديم غير الإصلاحي بقيادة رئيس الوزراء ٣ـ تلقّي الحاكم الجديد دعماً شعبياً ضدّ عمّه رئيس الوزراء، المسؤول عن حقبة أمن الدولة (١٩٧٥ – ٢٠٠١)، ٤ـ كسب الأمير الذي لم يقبض بعد على تلابيب الأمور أجنحة المعارضة المختلفة لصفّه، ٥ـ استثمار الملك الدعم الشعبي للانقلاب على الدستور العقدي (١٩٧٣)، وعلى عمه رئيس الوزراء، ٦ـ تحقيق صدى دوليّ إيجابيّ لصالح الملك الجديد.
انهار الشيخ خليفة سريعاً، لأسباب متعدّدة: ١ـ افتقاره لموطئ قدم في الجيش، ٢ـ علاقته المحدودة مع الغرب، ٣ـ معاداته للمعارضة ومؤسّسات المجتمع المدني وعدم توطيده العلاقات مع الإسلاميين السنّة، خصوصاً الإخوان المسلمين، ٥ـ والأهم، عدم خلقه علاقة طيّبة مع حمد بن عيسى حين كان وليّاً للعهد، وربّما ما ظنّ رئيس الوزراء أن يعاجل الموت شقيقه الأمير الراحل بهذه السرعة، فوضع بيضه في سلة البقاء طويلاً رجلاً أول، ما ظلّ الشيخ عيسى حاكماً. ويُضاف إلى ما سبق أن الشرعية القبليّة والدستورية يمتلكها الابن بعد وفاة أبيه، حتى مع عدم رسوخ كامل للمقولة الشهيرة: «مات الملك.. عاش الملك»، لكنّها من دون شك فاعلة، وأراد الملك حمد إقصاء عمه لأسباب تتعلّق بإعادة هيكلة السلطة لتتمحور حول الحاكم الجديد، فضلاً عن عدم ردّ الصاع لعمه.
ولا يصحّ بعد ٢٠٠٥ الحديث عن صراع أجنحة إلّا تجاوزاً أو بين قوسين. خرجت الملفات الرئيسية والثانوية من يد رئيس الوزراء تباعاً. ولا يبدو منطقياً أن يخوض الرجل المهمّش غمار معركة كبرى ضدّ القصر في أمرَين خطيرين جدّاً في ذات الوقت (مايو ٢٠١٩):
ــــــ العلاقة مع قطر التي أُثيرت علامات استفهام حولها، على خلفية اتصال رئيس الوزراء بأمير قطر تميم بن حمد آل ثاني مهنئاً إياه بقدوم شهر رمضان. ولا يمكن فهم ذلك الاتصال بسهولة في ظلّ هيمنة القصر على السياسة الخارجية والعسكرية والأمنية، واتفاق الأسرة الحاكمة على أولوية العلاقات مع الجارة الكبرى (السعودية) على ما عداها، لكن يصعب إدراج الاتّصال ضمن صراع الأجنحة، الذي بات تأثيره مقيّداً في تبلور السياسات.

من الأفضل أن تكفّ الحكومة عن استثمار أوضاع الإقليم للهروب من استحقاقات لا يصح تأخيرها محليّاً


ــــــ العلاقة مع المعارضة والمرجعية الشيعية، فلا يمكن تصوّر أن يمضي رئيس الوزراء في ترتيب علاقات مع السيد الغريفي طوال نحو عام ونصف، بدون ضوء أخضر من القصر.
المصادر المقرّبة من الاجتماعات، المعارضة أو الرسميّة، تتحدّث عن أن القصر منح رئيس الوزراء ضوءاً أخضر للقيام بالمهمّة. وتفسير الهجوم المنسق على السيد الغريفي، في أعقاب زيارة رئيس الوزراء (مايو ٢٠١٩) غايته منع تبلور مرجعية شيعية فاعلة على الأرض، أو دفع الناشط الحركي لمزيد من التنازلات، أو حتى دفعه لاعتزال السياسة، أو عزله بقرارات أمنية، عبر منعه من الصلاة وإلقاء الكلمات، أو منعه من جمع أموال الخمس، أو حظر فتح مجلسه أمام الجمهور. كما أن الإجراءات التي طالت آية الله قاسم قد تطال الغريفي إذا لاحظ القصر تنامياً لدوره، وعلوّاً لمكانته، وارتفاعاً لصوته. فضلاً عن أن الهجوم على الغريفي ليس جديداً، فقد تعرّض لهجوم شبيه في أبريل ٢٠١٨. وهذا لا يمنع من القول بأن أحد أهداف الهجوم على الغريفي تذكير رئيس الوزراء بأن المرجعية تظلّ في القصر.
لما نشرتُ كتاب «بنية الاستبداد في البحرين» بنسخته الإلكترونية في ٢٠١٢، (نشر في نسخة ورقية في ٢٠١٥) كان غايته شرح مراكز القوى في النظام، إزاء شعارين كانا مرفوعين: «يسقط حمد»، «تنحى يا خليفة». وخلص الكتاب إلى أن القصر صاحب القرار ومركز التشدد. وبطبيعة الحال، فإن دراسة مراكز القوى في السلطة أمر حيوي، لتحديد الشركاء المحتملين للإصلاح في العائلة الحاكمة. والاندفاع لتحليل كلّ شاردة وواردة بناء على صراع الأجنحة استسهال لا يساعد في فهم الأمور.

ما بعد بيان آية الله قاسم
تفاقم النقاش داخل أروقة المعارضة وحاضنتها الشعبية إزاء البيان المكتوب الذي ألقاه السيد الغريفي، ثم البلاغ الذي أذاعه آية الله قاسم من منفاه في مدينة قم الإيرانية، والذي أبدى فيه قاسم دعماً للغريفي، حين قال: «أقدِّم احتراماتي لأخي الحبيب سماحة السيد عبد الله الغريفيّ معلِّم الإيمان، والرساليَّة، والمحبّة الإنسانيّة، والخُلق النبيل».
خلا بيان آية الله قاسم من دعم مبادرة الغريفي وكلمته التي ألقاها في استقبال رئيس الوزراء، الأمر الذي يطرح أسئلة عن مدى التوافق داخل الأطر المرجعية إزاء التعاطي مع متغيّرات المشهد البحريني. ويظهر أن بيان الثالث من مايو/أيار، المعنون «رسالة إلى الشعب»، الذي بثّه آية الله قاسم تعليقاً على زيارة رئيس الوزراء، لم يكن الوحيد الذي فاجأ الحكومة وبعض القوى التي توقعت خطأً انكفاء قاسم، وحتى بيان فبراير/شباط ٢٠١٩، الذي نشره قاسم في الذكرى الثامنة لانتفاضة ١٤ فبراير «كان مفاجئاً» لهذه الأطراف.
في البيانين المذكورين لآية الله قاسم، تأكيد على جوهر الأزمة التي يبدو أنها غابت في بعض تصريحات الغريفي لأسباب تكتيكية، تتعلّق بظروف البلد الداخلية الضاغطة، ومحاولة الغريفي التركيز على علاج الأزمة الإنسانية أولاً، مع عدم نسيان جوهر المشكل السياسي. فقد أكد قاسم في بيان مايو/ أيار أن البحرين «تعيش تخلُّفاً كبيراً وجذرياً في بنيتها السياسيّة»، وأن طريق الإصلاح يتمّ عبر «الأخذ بما هو متعارف اليوم في الأنظمة السياسية المسماة بالأنظمة الديمقراطية المتقدِّمة». لم يصدر تعليق رسميّ من الغريفي على بيان قاسم، لكن من المؤكّد أن الرجل سيكون معنيّاً بإعادة النظر في تكتيكاته آخذاً في الاعتبار ما سطره المرجع الأعلى.

السيد الغريفي.. الدور والتحديات
ترى، هل سيفرز سياق الأحداث، السيد الغريفي، المشهور باعترافه ومباركته قيادة آية الله قاسم للشارع الشيعي، زعيماً داخل البلاد ما ظل آية الله قاسم مقيماً في المهجر، ما يعيد التذكير بما كان عليه الحال إبّان مرحلة التسعينات من القرن الماضي، حين تسيّد الراحل الشيخ عبدالأمير الجمري (١٩٣٧ - ٢٠٠٦) الساحة في ظلّ وجود آية الله قاسم في مدينة قم (١٩٩٢- ٢٠١١) لمواصلة دراسته الدينية؟
معلوم أن حجم التنسيق بين الرجلين كبير، في ظلّ إقرار من الغريفي لآية الله قاسم باعتباره الفقيه المتصدّي للساحة. «الغريفي ليس محايداً إزاء المشهد الضاغط على الناس، يقف علناً إلى جانب الوطن ومستضعفيه، ولا تعنيه الزعامة مطلقاً، وليست هي شاغله، ولم يدخل في منافسات يوماً مع قاسم، ولم يسارع إلى حشد لذاته منذ عاد إلى البحرين، وهو ينطلق في مبادراته الأخيرة من تكليفه الديني والوطني وبالتنسيق مع قاسم، لحماية ما يمكن إنقاذه، والسعي لوقف مسلسل تجريف الحياة السياسية الذي يمارسه الحكم بسبق إصرار وترصّد». ووجد الغريفي مساندة من آية الله قاسم، حين قال: «الغريفيُّ مع الشعبِ والشعبُ مع الغريفيّ، النّيلُ منه نيلٌ منه، والتعدِّي عليه مِن التعدِّي عليه».
الصعوبات الكبرى التي تواجه الغريفي تأتي من الحكم الذي سيواصل التضييق على الرجل، عبر نوع من تحريم التواصل معه دبلوماسياً، ومواصلة الحملات الإعلامية ضدّه، والتهديدات التي تصدر من الأجهزة الأمنية والعسكرية، وهي قابلة للتطبيق في أيّ لحظة.

الإقليم المشحون
من دون شك، فإن الأبعاد الإقليمية حاسمة في المسار الذي تسلكه البحرين. والضغوط التي يتعرض لها الغريفي، وعموم الأطراف المعارضة، تعود، في جانب منها، إلى الشرر المتطاير باتجاه الجزر الصغيرة، من الحرائق المشتعلة في الجوار (يصيب الشرر أحياناً حتى الأطراف الموالية، مثل الإخوان المسلمين. وهذه الأطراف تبدو هامشية في الحوارات غير المعلنة بين رئيس الوزراء والغريفي). لوهلة، قد يصح القول إن الميدان البحريني يتراءى وكأنّه أكثر الساحات المؤهّلة للولوج إلى تسوية، بيد أن هذا الاستنتاج سرعان ما يتعرّض للاهتزاز إذا أخذنا بعين الاعتبار تاريخاً من افتقار البلاد لسياسة مستقلة. ولا يصحّ الاستنتاج، وفق ذلك، أن حكومة البحرين ميالة للشراكة السياسية، ويمنعها الإقليم من ذلك، غير أن تزايد الدعم الإماراتي- السعودي للمنامة، وافتراض هاتين الدولتين الحراكات الشعبية في المنطقة «إرهاباً» يستوجب اجتثاثه، يزيد من الشكوك في قدرة التواصلات الراهنة على توليد فضاء حواري وطني شامل ومتين، لكنّه لا يمنع التفاؤل بحدوث اختراقات محدودة، قد تصبّ في صالح دعوات الغريفي بالبدء بمسار «حقوقي» مادامت التسويات الكبرى مؤجّلة. (على غرار اتفاق السويد اليمني مثلاً، الذي وقع في ديسمبر/ كانون الأول ٢٠١٨، مع الفارق بين الحالتين البحرينية واليمينة).
وبطبيعة الحال، فإن من الأفضل أن تكفّ الحكومة عن استثمار أوضاع الإقليم للهروب من استحقاقات لا يصح تأخيرها محلياً. لكن، كما يشجع انتشار الحروب في المنطقة، وهيمنة التشدد على مراكز القرار في الجوار، سلطات المنامة على اتخاذ الجبروت وسيلة لمقاربة المأزق السياسي الممتد، فإن الأجواء المشحونة قد تخدم الأطراف الأكثر راديكالية في المعارضة، وليس فقط في النظام.

خلاصات... واستفهامات
1. يتمتع السيد الغريفي بتاريخ نضالي مشهود، ودعم شعبي يزداد يوماً بعد آخر. برز خطابه الجديد للتهدئة في ظروف بالغة التعقيد للحاضنة الشعبية المعارضة، بعد إغلاق الحكومة لكل المنافذ السياسية. وانطلقت مبادرته مدعومة من الجسم الديني الشيعي الرئيسي في البلاد، لكن هذه المساندة تبدو مشروطة بعد بيان آية الله قاسم (مايو/ أيار ٢٠١٩).. فكيف سيتعاطى الغريفي مع الضوابط التي سطّرها قاسم؟ هل ستحدّ من نشاطه وتغيّر خطابه وأولوياته؟
2. ليس الجاري بين رئيس الوزراء والسيد الغريفي بتزاور اجتماعي، فالبعد السياسي بارز وطاغ في مجمل اللقاءات. لكن يصعب إطلاق مسمى مفاوضات على ما جرى من اجتماعات. التفاوض يقتضي وجود أطراف متكافئة على الطاولة، وجدول أعمال وإطار زمني متوافق عليهما، وإدارة محايدة لعمليات التفاوض.. فإلى أيّ مدى يمكن للإطار الفضفاض من اللقاءات أن يحقق غايات أعمق من جس النبض وشراء الوقت واستنزاف المعارضة؟ وهل تنتج عن اللقاءات ما هو أبعد من «إصلاح حقوقي»؟ وهل الانفراجات التي طال انتظارها ستأتي كخطوة مقطوعة عن الإصلاح السياسي، أو كإجراء يمهّد لانطلاق حوارات، جزئية أو شاملة، تعيد بعض الاعتبار للتوافق الوطني؟
3. الملك حمد يقود التواصل مع السيد الغريفي، واجتماعات رئيس الوزراء مع رجل الدين البارز تمت بضوء أخضر من القصر، صاحب القرار ومركز التشدد، خصوصاً بالنظر إلى استمرارها فترة طويلة. وبالنظر إلى ثانوية رئيس الوزراء في القرار السياسي، لا يبدو أن لصراع الأجنحة أثراً حاسماً في حرف الأسرة الحاكمة عن المضي في تحقيق هدفها الأسمى: خنق المعارضة.. فمتى يتحمّل القصر مسؤولياته في اتخاذ ما يلزم لإطلاق حوار جاد؟ وكيف يمكن للغريفي التواصل مباشرة مع القصر؟ وبأيّ ثمن يحدث هذا التواصل؟
4. يتعامل الحكم مع السيد الغريفي بقسوة بالغة، لا يختلف عن النهج الذي استخدمه للفتك بخصومه الآخرين. والتواصل الذي يجري مع الغريفي غايته اقتناص إقرار من القوى المطالبة بالتغيير بوجود منتصر: الحكومة، ومهزوم: المعارضة. ويبدو أن الغريفي سيعاني ما دام لم يقرّ بمقولات انتصار طرف على آخر. الأرجح أن الغريفي يدرك أنه كلّما قدّم تنازلاً أو خطاب تهدئة طالبته الحكومة بتنازلات جديدة... فكيف سيتعاطى مع الضغوط التي ترِده على شكل رسائل يمررها قريبون من الحكومة أو تأتيه عبر الحملات الإعلامية والتهديدات الأمنية؟
5. تعود أسباب الهجوم الرسمي على الغريفي إلى محاولات السلطة منع بروز مرجعية بارزة تسد فراغ آية الله قاسم في الداخل، في ظل بحثها عن وجوه جديدة على مقاسها. وهي تعتبر الغريفي في نفس اتجاه قاسم وإن اختلفا في المعالجات. لكن الإجراءات القاسية ضد الرجل تؤدي دوراً عكسياً في تثبيت مرجعيته وزيادة ثقة الناس فيه. ولا يخلق بروز الرجل ثنائية قاسم الغريفي بالضرورة، في ظل المرجعية القارة للأول. لكن بالنظر إلى وجود الغريفي في الداخل، وقاسم في الخارج، فإن مقولة معارضة الداخل والخارج قابلة للتعزيز. كما أن سيناريو انخراط المعارضات في تباينات مؤهلة للتنامي كلما غاصت الحوارات في قضايا أكثر جدية، ما يشير إلى الحاجة إلى توافق أوسع على أي خطاب يُراد الزج به في الساحة... فما هي الأطر التي يمكن للمعارضة تفعيلها والقادرة على أن تعكس الهواجس المتعددة للمعارضين وتتفادى بروز انشقاقات إضافية ضارة؟
6. ما زالت القوى المعارضة الرئيسية متمسكة بحل إصلاحي توافقي. وصحيح أن المشكل السياسي هو الأساس، لكن السلطات ستظل تبتزّ المعارضة بملف المعتقلين والمسائل المتعلقة بالتضييق على المواطنين الشيعة في التوظيف والقضايا المعيشية. ولا يمكن تجاهل هكذا مشكلات ملحة، بانتظار حل شامل قد يطول انتظاره. والمعارضة مطالبة، شعبياً، بتقديم مقاربات مستحدثة لواقع شديد السيولة... فهل يملك خطاب الغريفي مساحة للجمع بين حاجات اللوبيات (مثل أسر الضحايا والمعتقلين، أو مطالبات العاطلين عن العمل)، وبين المشكلة السياسية الجوهرية في البلاد؟
7. تم أغلب التواصلات بين الغريفي والجانب الرسمي في ٢٠١٨، وهي سنة شهدت انتخابات نيابية، واتسمت بعصا حكومية غليظة، طالت الغريفي نفسه، وشهدت تنفيذاً متشدداً لقانون «العزل السياسي» الذي مُنعت بموجبه القوى المنحلّة (الوفاق، وعد، أمل) وقطاعات عريضة من المواطنين من الترشح والانتخابات... فهل يعني حضور خليل المرزوق المعاون السياسي لأمين عام الوفاق، لبعض اللقاءات مع رئيس الوزراء، أن السلطات لا تمانع من إعادة إشراك القوى المنحلة في العملية السياسية؟
8. الحكومة ترفض إقرار معادلة للشراكة الوطنية، وتريد احتكار التواصل مع العالم الخارجي. البعد الإقليمي سيظل فاعلاً في الأزمة المحلية. وتحاول السلطات استثماره لصالحها، وتجريد المعارضة من حاضنتها الإقليمية التقليدية في إطار الأحزاب الديمقراطية العربية أو في العراق ولبنان وإيران، أو تحويل هذه الجهات وبالاً على المعارضة، أما باعتبار الاتصال بالقوى الخارجية خيانة وطنية، وهي مقولة يعصب إقرارها في عالم معقّد ومتشابك، أو بترديد أن إيران وحزب الله جهتان خارجتان عن القانون الدولي... فكيف سيتعامل الغريفي مع المواجهات الإقليمية؟ كيف يتجنّب انعكاساتها السلبية؟ وكيف سيتعاطى مع مطالب الحكومة بالتبرؤ من أصدقاء المعارضة وإدانة التصريحات المناصرة لها والصادرة من أمين عام حزب السيد نصر حسن الله أو غيره من القيادات اللبنانية أو العراقية؟
* كاتب وصحافي من البحرين