طُرحت فكرة تعديل دستور عام 2014 أول مرّة في خطاب للرئيس عبد الفتاح السيسي في 13/9/2015، حيث أكّد من جامعة السويس في مناسبة «أسبوع الشباب»، أنّ «الدستور كُتب بنوايا حسنة، والدول لا تُبنى بالنوايا الحسنة فقط» (1)، وذلك بعد عشرين شهراً من إقراره ووضعه موضع التنفيذ في 18/1/2014، وكانت عبارات الرئيس يومها دليلاً على وجود انزعاج أو ضيق حال بالصلاحيات التي أنيطت بالمجلس النيابي، علماً أنّ الأخير كان وفيّاً لمن قام على رعاية تكوينه وتشكيل تكتلاته، حيث مرّر أكثر من 300 قانون وقرار يغلب عليها الطابع الاقتصادي دون مناقشتها، في بضع جلسات استمرت أياماً قليلة، وهي القوانين والقرارات التي كانت قد صدرت أيام الرئيس المؤقت عدلي منصور وبعد انتخاب عبد الفتاح السيسي رئيساً (في فترة عدم وجود البرلمان). لكنّ التوازنات داخل المجلس ومن ورائها صراع الأجهزة السيادية ونفوذ الشخصيات الأمنية والعسكرية، التي لها تطلعات ومطامع أن يكون لها موقع داخل العملية السياسية، حدت بالرئاسة إلى التفكير مبكراً بتعديل الدستور، وهو ما عاد وأكّد عليه رئيس المجلس علي عبد العال في آب 2017 بالقول إنّ «أي دستور يتم وضعه في حالة عدم استقرار، يحتاج إلى إعادة نظر بعد استقرار الدولة» (2). وتوالت المطالبات بعدها بتعديل الدستور لمواكبة الإصلاح الاقتصادي وتحقيق استقرار سياسي يساعد على تحسين الأوضاع، ومن بين تلك المطالبات تعديل مدة ولاية الرئيس لتصبح 6 سنوات بدلاً من 4 فقط وتوسيع صلاحياته بما يمكنه من ممارسة سلطاته والانتهاء من تنفيذ مشروعاته وخططه التنموية، ومنح الدولة سلطات أوسع في مواجهة الإرهاب.

لذلك ظهرت أفكار عدة حول كيفية إطالة فترة الرئاسة وفتح مُدد الولاية للرئيس، وتحدثت بعض التحليلات عن أنّ التعديلات الأخيرة للدستور ليست هي ما يهدف إليه النظام الحالي، لاصطدامه بالرأي العام المحلي والدولي وممانعة القوى الكبرى إجراء تعديلات جذرية مرفوضة عندها، وما جرى حالياً من تعديل للدستور، بحسب أستاذ العلوم السياسية بالجامعة الأميركية عيد صادق، يأتي ضمن «مرحلة تثبيت النظام، بعدما كانت الفترة من عام 2014 إلى 2018 مرحلة انتقالية، وهو بدأ في تعميق علاقاته مع الغرب، وجرّاء ذلك لن يَسلم من الانتقادات والملاحظات الغربية خلال فترة التعديلات، لكنها لن تغير من الواقع على الأرض» (3)، فهدف النظام الحالي، تعديل الدستور وتغييره بشكل كامل، بعد أن لحظت هذه التعديلات إطالة مدة ولاية الرئيس الحالي (4)، وهو ما صرّح به رئيس البرلمان علي عبد العال، بأنّ «مصر بحاجة لدستور جديد من أول مادة الى آخر مادة» (5)، وأنّ «التعديلات الدستورية لن تكون الأخيرة في المدى القريب، وسيتم العمل على وضع دستور جديد كلياً للبلاد خلال 10 سنوات» (6)، استكمالاً لما أرسته الدولة العميقة بعد الانقلاب العسكري عام 2013، من هندسة للحكم وسلطاته.
من هنا، ناقش أنصار النظام حلولاً مؤقتة لم يُكتب لها النجاح، تتراوح ما بين أنّ يتولّى الرئيس السيسي بعد انتهاء ولايته الثانية منصب رئيس الحكومة (7)، على طريقة الرئيس الروسي فلاديميير بوتين في تبادل المنصب مع رئيس حكومته ديمتري مدفيديف، أو تشكيل مجلس انتقالي بإضافة مادة إلى الدستور تنص على إنشائه، «مدته خمس سنوات تبدأ مع انتهاء فترة رئاسة السيسي، هو مجلس حماية الدولة وأهداف الثورة. على أن يترأس المجلس عبد الفتاح السيسي بوصفه مؤسس نظام 30 يونيو/حزيران 2013 ومطلق بيان الثالث من يوليو/تموز، ويضم المجلس في عضويته الرئيسين السابق والتالي على السيسي، ورئيس مجلس النواب، ورئيس مجلس الشيوخ (إذا أنشئ المجلس)، ورئيس مجلس الوزراء، ورئيس المحكمة الدستورية العليا، والقائد العام للقوات المسلحة، ورئيس المخابرات العامة، ورؤساء المجالس المعنية بالمرأة والإعلام وحقوق الإنسان، ويتولى المجلس كمهمة رئيسية له اتخاذ التدابير الضرورية عند تعرض الدولة لمخاطر تستهدف تقويضها أو الخروج على مبادئ ثورة 30 يونيو» (8).
أصبح عرفاً وتقليداً عند حكام مصر منذ ما بعد الرئيس جمال عبد الناصر أن يعمدوا إلى تعديل الدستور، لتصبح أحكامه متناسبة مع مصالحهم وإطالة فترة حكمهم والترشّح لولاية جديدة تتجاوز ما سمحت به المواد الدستورية، والحجج التي كانت تساق في الإعلام ويطلقها السياسيون الموالون هي نفسها التي يطلقها النظام الحالي، وهي التمديد للرئيس لكي يستكمل مسيرة الإنجازات. من أوجه الشبه العديدة للنظام الحالي بقيادة الرئيس السيسي، مع نظام السادات (9)، هو أنّ الأخير بعد قيامه في 15 أيار 1971 بالإطاحة برجال عبد الناصر الأقوياء الذين اتهمهم بمحاولة الانقلاب عليه، طلب صياغة دستور دائم لمصر وأوكل صياغته إلى لجنة مؤلفة من خمسين شخصاً، وهو ما عرف لاحقاً بدستور 1971 المعمول به إلى ما قبل ثورة عام 2011، وجرى تعديل بعض مواده عام 1980 بفتح عدد مرات الرئاسة، وهو ما يشبه إلى حد كبير ما يحصل الآن، فالنظام الحالي أقصى المنافسين الأقوياء للرئيس السيسي، وتمّ تعديل دستور عام 2014 لضمان بقاء الرئيس السيسي فترة أطول في الحكم، وكان التبرير أنّ «النص على تحديد مدة الرئاسة بأربع سنوات فقط، لم يراع أننا ما زلنا في مرحلة انتقال لها ضروراتها واعتباراتها، ولم نبارحها بعد إلى مرحلة استقرار سياسي، كذلك لم يتوقع المشرعون الدستوريون أن يتولى الرئاسة شخص كان عازفاً عنها، واضطر لقبولها تحت ضغط شعبي، هو الرئيس عبد الفتاح السيسي، ولم تكن في مخيلتهم أن يحمل هذا البطل الشعبي على كتفيه مسؤولية نهضة مصر ويقطع خطوات واسعة على طريق لا تبدو نهايته في عام 2022» (10).
كان الرئيس السادات يصرّح أنّه لن يبقى في الحكم لحظة واحدة بعد انتهاء وِلَايَتَيْه الاثنتين، لكنّه عمد عام 1980 إلى تعديل الدستور وفتح مُدَد الرئاسة، كذلك صرّح الرئيس السيسي أنّه لن يبقى يوماً واحداً ضدّ إرادة المصريين(11)، وأنّه يؤيد نبذ الديكتاتورية وتداول السلطة واحترام مدة الرئاسة وعدم تخطّيها (12)، وكلاهما لم يحترما تعهداتهما، وسلكا نفس الطريق في تعديل الدستور، كما لو أنّهما يتبعان نفس البروتوكول لإطالة حُكْمَيْهِما... بدوره استفاد الرئيس مبارك من تعديلات السادات للاستمرار بالسلطة من دون منازع قرابة 24 سنة، إلى أنّ جرى تعديل الدستور عام 2005 فأصبحت الانتخابات الرئاسية تتم عبر الاختيار من بين أكثر من مرشح وليس عن طريق الاقتراع السّري العام المباشر، وتمّ تعديل المادة 76 من الدستور بعد ضغوط مارستها الإدارة الأميركية على النظام المصري، من أجل إجراء إصلاحات سياسية، لكنها في الوقت نفسه لم تكن ذات تأثير كبير في تغيير شخص الحاكم، نظراً إلى ما ورد بها من شروط تعجيزية لاختيار المرشحين (13)، وتحكم الحزب الوطني الحاكم بكامل الحياة السياسية.
عشية الانتخابات الرئاسية التي فاز بها الرئيس عبد الفتاح السيسي للمرة الثانية عام 2018، طرحت أفكار عدّة لضمان إعادة انتخابه ـ ولو بعد أربع سنوات ـ من خارج نص المادة 140 من الدستور التي تحدد له فترة ولايتين لا يحق له بعدها الترشّح، ومن خارج المادة 226 التي تمنع إجراء تعديل على النصوص المتعلقة بإعادة انتخاب رئيس الجمهورية (عدا أن تشمل حالة قائمة كما حصل)، والتي تقول إنّه «في جميع الأحوال، لا يجوز تعديل النصوص المتعلقة بإعادة انتخاب رئيس الجمهورية، ما لم يكن التعديل متعلقاً بمزيد من الضمانات» (14)، ورغم ذلك تمّ تعديل الدستور بحجة عدم «غل يد الشعب عن إجراء تعديل على دستور وضع هو مواده ونصوصه، وكأنّ الدستور كتاب سماوي منزل غير قابل للتعديل» (15)، وأصدرت الهيئة الوطنية للانتخابات نتائج الاستفتاء على إجراء التعديلات(16) بالموافقة في 23/4/2019.
سمحت هذه التعديلات بمساحات أوسع للدولة العميقة متمثلة بإحكام الجيش قبضته على الحياة السياسية، حيث شملت المواد الخاصة بالقوات المسلحة بغية تعزيزها وإناطة الحفاظ على مدنية الدولة بها، عبر صياغات مطاطة تمكّنها من الدفاع عن النظام واستخدام القوة دون عوائق قانونية ودون تحديد مؤسسات الدولة المدنية التي يجب على القوات المسلحة حمايتها، وبهذا التشريع يمكن للجيش وقوات وزارة الداخلية أن تمارس القوة باسم الدفاع عن مدنية الدولة، والمقصود بذلك جماعة الإخوان المسلمين ومن يفكر في النشاط المدني سبيلاً لمعارضة السلطة. وبالعودة إلى التعديلات فقد استهدف تعديل المادة «200» إعادة صياغة مهمة القوات المسلحة وترسيخ دورها في حماية الدستور ومبادئ الديمقراطية والحفاظ على مدنية الدولة، كما استهدف تعديل المادة «204» منح القضاء العسكري الصلاحية في نظر الجرائم المترتبة حال قيام القوات المسلحة بحماية بعض المنشآت، كما استهدف تعديل المادة «234» والخاصة بمنصب وزير الدفاع والتوافق مع حالة الاستقرار التي تعيشها البلاد (17).

* كاتب لبناني

المراجع:
1. جريدة الحياة، "السيسي يلوّح بتعديل الدستور والارتباك يخيّم على انتخاب البرلمان"، 13/9/2015، رابط إلكتروني: http://www.alhayat.com
2. جريدة الوطن المصرية، "دستور النوايا الحسنة يواجه دوامة التعديل"، 17/8/2017، رابط إلكتروني: https://www.elwatannews.com
3. موقع عربي بوست، "سنتان أم رئاسة أبدية؟"، (بتصرف) 7/2/2019، رابط إلكتروني: https://arabicpost.net
4. أنظر مبررات تعديل الدستور التي جاءت بها اللجنة العامة التي تضم رئيس المجلس والوكيلين ورؤساء اللجان النوعية ورؤساء الهيئات البرلمانية للأحزاب، موقع عربي بوست، "سنتان أم رئاسة أبدية؟"، 7/2/2019، رابط إلكتروني: https://arabicpost.net
5. جريدة الاهرام، "اللجنة التشريعية توافق بالأغلبية على التعديلات الدستورية"، 15/4/2019، رابط إلكتروني: http://www.ahram.org.eg
6. جريدة الدستور، "عبدالعال: وضع دستور جديد خلال 10 سنوات"، 14/4/2019، رابط إلكتروني: https://www.dostor.org/2591407
7. سليم عزوز، "السيسي على طريق بوتين"، موقع عربي 21، 14/9/2018، رابط إلكتروني: https://arabi21.com
8. رئيس تحرير جريدة الاخبار الحكومية ياسر رزق، "عام الإصلاح السياسي الذي تأخر"، 29/12/2018، رابط إلكتروني: akhbarelyom.com
9. موقع رصيف22، "هل السيسي نسخة مقلدة من السادات؟"، 5/1/2017، رابط إلكتروني: https://raseef22.com
10. رئيس تحرير جريدة الأخبار الحكومية ياسر رزق، "عام الإصلاح السياسي الذي تأخر"، 29/12/2018، رابط إلكتروني: akhbarelyom.com
11. CNBC: “Egypt President Al-Sisi says he will not seek a third term as leader”, 6/11/2017, link: www.cnbc.com
12. أنظر تصريحه لقناة RTP البرتغالية، موقع يوتيوب 14/2/2019، "الرئيس السيسي يرفض وبشدة اجراء تعديلات دستورية"، رابط إلكتروني: https://www.youtube.com/watch?v=mH92dzRmdW4
13. أنظر موقع المنصة بعنوان "بين 2005 و2019، الإصلاح والاستقرار مفاتيح الترويج للتعديلات الدستورية"، 4/2/2019، رابط إلكتروني: https://almanassa.net/ar/story/11737
14. للتوسع أنظر مقال رمزي باشا بجريدة الأخبار بعنوان: "حتى 2030... ومن بعده التأبيد"، 19/4/2019، رابط إلكتروني: www.al-akhbar.com
15. رئيس تحرير جريدة الأخبار الحكومية ياسر رزق، "عام الإصلاح السياسي الذي تأخر"، 29/12/2018، رابط إلكتروني: akhbarelyom.com
16. شارك في الإستفتاء على تعديل الدستور قرابة 27 مليون شخص، وافق منهم 23 مليوناً وعارض التعديلات أقل بقليل من ثلاثة ملايين شخص، رابط إلكتروني : https://www.elections.eg/images/pdfs/decrees/nea-decree-ref19-38_2019.pdf
17. أنظر جريدة الأهرام، " من أجل إكمال مسيرة الإصلاح والبناء والتنمية..التعديلات الدستورية الخاصة بالقوات المسلحة تستهدف الحفاظ على مدنية الدولة واستقرار البلاد"، 19/4/2019، رابط إلكتروني: http://www.ahram.org.eg