يخال أنصار الحزب الديموقراطي أن دونالد ترامب بات رئيساً إلى الأبد: يجلس ثقيلاً على صدورهم وهناك من يعدّ أيامه بثوانيها لشدّة وطأتها. والحزب الديموقراطي يتطلّع بتفاؤل إلى الانتخابات الرئاسيّة المقبلة في عام 2020 وهو يقلّل من احتمالات إعادة فوز ترامب. لكن تفاؤل الحزب الديموقراطي يعتمد على تقديرات مغلوطة. ١) يبالغ الحزب الديموقراطي كثيراً في نسب أسباب فشل حملة هيلاري كلينتون إلى مؤامرة روسيّة خطيرة للتأثير على الجمهور الأميركي. والحزب الديموقراطي أصيب بإحباط وتشوّش كبيريْن جراء فوز ترامب، ما عزّز في صفوفه الإيمان بنظريّات مؤامرة لا أساس لها من الصحّة، مثل أن ترامب هو عميل روسي أو أنه عمل مع فلاديمير بوتين من أجل الوصول إلى الرئاسة. وليس هناك من دليل طبعاً لهذه النظريات التي سلبت عقول الكثير في الجمهور الديموقراطي. ونظريّة التدخّل الروسي ليست بريئة عن مخطّطات أجهزة الاستخبارات الأميركيّة التي لا تزال تحاول بشتّى الوسائل أن تحارب رئاسة ترامب— الذي يبادلها العداء. والتذكير أن هيلاري فازت بأصوات شعبيّة تفوق العدد الذي حصل عليه ترامب لا يقدّم ولا يؤخّر لأن مؤسّسي الجمهوريّة (لأسباب لا مجال لذكرها هنا) اختاروا نظاماً فريداً لاختيار الرئيس، حيث أن الفوز لا يتقرّر بمجمل عدد الأصوات في الجمهوريّة بل بعدد الأصوات الاقتراعيّة في «الكليّة الاقتراعيّة» (أراد المؤسّسون نظاماً مزدوج الانتقاء كي تكون عمليّة اختيار الرئيس بيد النخبة لا بيد الجمهور): وقد فاز خمسة رؤساء أميركيّين من دون أن يحصلوا على عدد الأصوات الشعبيّة الإجمالي (ثلاثة منهم في القرن التاسع عشر). لا يستطيع المرشّح الخاسر أن يعترض على شروط الانتخابات بعد الخسارة. خوض الانتخابات يعني التسليم بعدالة شروطها. الاعتراض على شروط الانتخابات بعد حصولها يعني شكلاً من أشكال اعتراض المهزوم.

٢) إن تفاؤل الحزب الديموقراطي يعود إلى تعامله مع أسباب نجاح ترامب: هو يرى أن ترامب يمثّل -سياسيّاً- لحظة اعتراضيّة هامشيّة في الحياة السياسيّة الأميركيّة فيما الأصح — من زاوية دراسة الظواهر السياسيّة الأميركيّة — التعامل مع ترامب على أنه تعبير عن ظاهرة شعبيّة وليس صانعاً لها. ٣) إن الصورة التي يروّج لها الحزب الديموقراطي (وبعض الحزب الجمهوري) تضفي على أميركا مسحة مثاليّة، على أنها جمهوريّة عادلة ومنصفة ولا تلعب فيها العنصريّة دوراً مركزيّاً. لكن ترامب هو تعبير ليس فقط عن حالة تململ اقتصادي في أوساط الطبقة العماليّة (التي كانت في الماضي تدين بالولاء للحزب الديموقراطي) بل عن حالة من الاستياء العنصري من قبل الذكور البيض الذين يعبّرون عن تخوّف من ضياع موقع الحظوة الذي تمتّعوا به منذ إنشاء الجمهوريّة. إن زيادة نسبة الملوّنين هنا تصيب الكثير من البيض بالفزع مع أن التغيير الديموغرافي لم ينتج عن تغيّر لحالة السيطرة على أزمَّة الحكم أو على مواقع القرار الاقتصادي والثقافي. والدراسات التي جرت منذ انتخابات 2016 تؤكّد أن الفكر والاستياء العنصري عاملان مؤثّران في حالة تأييد ترامب بين البيض.
إن حالة صعود باراك أوباما السريع أصابت الكثير من الديموقراطيّين الشباب في الكونغرس (وخارجه) بالطموح الشديد. فكرة الاستثناء تصيب الشعب الأميركي بانتشاء لا يتوافق مع الواقع. هذه مثل مثال «الحلم الأميركي»: فكرة أن كل أميركي يستطيع لو عملَ جاهداً أن يصل إلى تكوين ثروة كبيرة والانضمام إلى طبقة الأثرياء. ما الدليل على هذه الفكرة؟ فلانٌ في هذه الولاية أو فلانٌ في تلك الولاية. وأقول للأميركيّين دوماً إن الفوز بورقة يانصيب (وهذا ما نتحدّث عنه هنا لا أكثر) ممكن في كل دول العالم وليس في أميركا فقط. على العكس، إن أميركا تمثّل اليوم حدّة الخروقات الطبقيّة واضمحلال فرص التقدّم الطبقي، كما أن نسبة الثروة التي تتكوّن وراثيّاً تزداد. لكن صعود أوباما زرع قناعة عند سياسيّين وسياسيات ذوي تجارب متواضعة أن الفوز بالرئاسة ممكن. لكن دعكَ من مثال أوباما: خذ حالة ترامب. هذا رجل كان ليس أكثر من نجم تلفزيوني وإذ به يصبح رئيساً للجمهوريّة الأميركيّة (أو ما يسمّونه هنا، «زعيم العالم الحرّ» — كأن العالم الحرّ يجري انتخابات، ثم «ما هو العالم الحرّ» وكيف نجده على خارطة؟ أنا أعيش في أميركا منذ عام ١٩٨٣ ولا أزال أفتّش عن العالم الحرّ هذا الذي يحدّثونني عنه).

سندرز هو يساري في المفهوم الأميركي وهو لا يعارض مسار الإمبراطوريّة وهيمنتها العالميّة


جو بايدن يبلغ السادسة والسبعين من العمر وسيكون أكبر رئيس أميركي يصل إلى البيت الأبيض لو وصل (إلا إذا وصل برني سندرز). وهو يمثّل ما يحتاج له الحزب الديموقراطي للفوز —بحسب النافذين التقليديّين في الحزب، وهو جذب الناخب الأبيض الذي استحوذ الحزب الجمهوري على تأييده من دون انقطاع منذ انتخابات عام ١٩٨٠ (لو أن الانتخابات جرت منذ تلك السنة فقط بناء على تصويت الذكور البيض لما فاز أي رئيس ديموقراطي بالرئاسة). وبايدن يخاطب الطبقة العاملة البيضاء في ولايات صناعيّة (سابقاً) مثل بنسلفانيا وميتشيغان وأوهايو ويسكونسن ومنيسوتا، وهي ولايات حقّق ترامب فيها نجاحات مؤثّرة. لكن الهوس بجذب الرجل الأبيض رحلة محفوفة بالمخاطر، لأن أكثر من ثلثي البيض الذكور يؤيّدون الحزب الجمهوري بقوّة ومحاولة قولبة برامج المرشح الرئاسي لجذبهم ليست مضمونة أبداً ويمكن أن تنفّر القاعدة الحزبيّة الديموقراطيّة، التي تريد برامج أكثر ليبراليّة (وهذه البرامج تزعج الذكور البيض). وقد دلّت تجربة أوباما عل أن هناك وصفة أخرى للفوز، ألا وهي الاعتماد على تحالف النساء والملوّنين وتحميسهم للاقتراع بقوّة لصالح الحزب وزيادة نسبة الناخبين من الشباب (وقد اقترعوا ضد ترامب بنسب قياسيّة في الانتخابات النصفيّة الأخيرة، وهم يميلون بقوّة لصالح الحزب الديموقراطي). لكن بايدن يفتقر إلى السحر الجماهيري، وقد عانى مؤخراً من تزايد نشر المقالات عن ميله للمس ومداعبة النساء من دون استئذان في جولاته الانتخابيّة ورحلاته عبر السنوات. ولم يحظَ بادين بمبايعة من أوباما الذي يحافظ على مسافة واحدة بين المرشحين والمرشحات.
وبايدن يعاني من صورة رجل من الماضي يحاول أن يصبح أمل مستقبل الحزب الديموقراطي الذي يسوسه في انتخابات الترشيح حماس الشباب الليبرالي الذي ضاق ذرعاً بتقاليد وأعباء النخبة التقليديّة للحزب، والتي مثّلها كلينتون (الزوج والزوجة). وسجلّ بايدن في مجلس الشيوخ يضعه في موضع يمين الحزب لا في يساره، خصوصاً أنه وافق على قانون مكافحة الجريمة (الظالم) في عام ١٩٩٤، والذي بناء عليه تضخّم عدد سكّان السجون في أميركا لأكثر من مليونيْن (وهي أعلى نسبة في العالم حتى لو احتسبنا عدد السكّان)، وعانى من هذا القانون (الذي فرض عقوبة أبديّة على من تصدر ضده ثلاثة أحكام جنائيّة) الملوّنون والفقراء أكثر من غيرهم كالعادة. وفي إدارته للجنة العدل في مجلس الشيوخ كان بايدن يبالغ في مسايرة الحزب الجمهوري خصوصاً في لجنة الاستعماع إلى اتهامات التحرّض الجنسي ضد عضو المحكمة العليا (المُعيَّن يومها) كلارنس توماس في عام ١٩٩٢. وأداء بايدن أغضب يومها كل الجمعيّات النسويّة. لكن مناصري الحزب الديموقراطي محتارون: هل نؤيّد من نراه على صورتنا أم نؤيّد المرشح القادر أكثر من غيره على هزيمة ترامب؟ الحساب الثاني هو الذي دفع ببايدن إلى الصف الأوّل في كلّ استطلاعات الرأي، بلا شك.
بيت بوتِجيج، هو عمدة لمدينة «ساوث بند» في ولاية إنديانا الصغيرة والتي لا يزيد عدد سكّانها عن الستة ملايين. والرئيس الأميركي يأتي غالباً من مجلس الشيوخ أو يكون قد شغل منصب نائب الرئيس الأميركي، لكن منصب عمدة لمدينة صغيرة لا يؤهّل تقليديّاً شاغله للرئاسة. والرجل هذا بات الثالث أو الرابع في استطلاعات الرأي الأميركي والإعلام السائد يحتفي به بصورة مشبوهة، وهناك مقارنة تجري بينه (وهو أبيض) وبين شخص أوباما. صحيح، هناك مجال للمقارنة: درس بوتِجيج في جامعة هارفارد ثم في جامعة أوكسفورد (في زمالة «رودس» التي لا يحصل عليها هنا إلا نخبة طلّاب الجامعات، وكان قد حصل عليها كلينتون في سنوات دراسته في جورجتاون) كما أن تعليم أوباما كان نخبويّاً. وبوتجيج هو أوّل مرشّح رئاسي مثليّ متزوّج من رجل. وهذا الأمر بات أكثر مقبوليّة (من أكثر من نصف السكّان) خصوصاً من الجيل الجديد الذي تعوّد على معرفة مثليّين ومثليّات لا يخفون أهواءهم — كما كانت الحالة في الماضي في أجواء التخويف والعداء للمثليّة. وبوتجيج محدّث طليق وفصيح، وهذا نادر بين الساسة هنا. هو ليس خطيباً مفوّهاً لكن حديثه مُحكم التركيب لغويّاً ولا تعوزه كلمة. وخلافاً لمعظم ساسة أميركا، يتحدّث بوتِجيج بأكثر من لغة: إذ هو يتحدّث الفرنسيّة والعربيّة والمالطيّة والإيطاليّة والداريّة. ومعرفته بالعربيّة لفتتني فقرّرتُ قراءة كتابه «أقصر طريق للعودة إلى الوطن».
يتحدّر بوتِجيج من عائلة مالطيّة كاثوليكيّة (لكنه تحوّل إلى البروتستانتيّة في سنوات دراسته في أوكسفورد). واسمه صعب اللفظ ويتنافس الإعلاميّون والإعلاميّات في إفساد لفظه. وتبيّن لي بعد تمحيص في الأمر أن اسمه من أصل عربي. واللغة المالطيّة، بالرغم من معارضة الكثير من المالطيّين المتعصّبين دينيّاً للاعتراف بذلك، ليست إلاّ لهجة مغربيّة للعربيّة (أو هي «فرع من العربيّة»، كما قال أحمد فارس الشدياق في «الواسطة إلى معرفة أحوال مالطة») وإن غيّرها بعض الشيء غزارة الاستيراد للكلمات الإيطاليّة فيها (كما أورد ماكسيم رودنسون في كتابه «العرب» (ص.٨٠)). وأصل اسم عائلة بوتجيج هو «بو دجاج»، في إشارة إلى عائلات كانت تاريخيّاً تمتهن إدارة مزارع الدجاج في الأرخبيل. ويقول بوتِجيج في كتابه المذكور أعلاه أنه قرّرَ دراسة العربيّة في سنوات دراسته في هارفرد (حيث هناك عدة صفوف لمستويات اللغة العربيّة ولهجاتها) ثم سافر إلى تونس للتعمّق في دراستها. لكن كتاب بوتجيج (أو «بو دجاج») لا ينمّ البتّة عن اهتمام بالشعب العربي وقضاياه، بل على العكس هو اعترف أن هدف الدراسة كان من أجل الحصول على وظيفة في أجهزة المخابرات الأميركيّة المهتمّة بضليعين وضليعات في لغات الشعوب التي تتلقّى أكثر من غيرها القنابل والصواريخ الأميركيّة.
وبوتجيج سيبرز في السياسة الأميركيّة (وهو في السابعة والثلاثين من عمره) وسيصعد إذ إن ملفّه يحمل الكثير من المزايا التي يسعى مرشّحو ومرشّحات الحزب إلى الحصول عليها. فهو بالإضافة إلى تحصيله الأكاديمي خدم في سلك الاحتياط في البحريّة الأميركيّة في أفغانستان وخطبه وبياناته لا تتوقّف عن التذكير بخدمته العسكريّة لأن ذلك يعزّز من حظوظ أي مرشّح ديموقراطي لأن ذلك يقضي على سمعة الضعف والحمائميّة التي يعاني منها مرشّحو ومرشحات الحزب بين الذكور البيض الذين ينزعون نحو مرشّحي القسوة والحرب والوعيد. والخلفيّة العسكريّة تفيد المرشحين الديموقراطيّين كثيراً إلا إذا كانوا يفتقرون إلى الكاريزما والحضور مثل جون كيري. وبوتجيج أقلّ المرشحين الديموقراطيّين يساريّةً وهذا ما يعزّز حظوظه ويجذب إليه المتموّلين الخائفين من صعود الجناح اليساري في الحزب. وبين كل المرشحين، يكون بوتجيج أكثرهم مناصرة لإسرائيل في وسط يؤيّد فيه الجميع إسرائيل.
اللافت في هذه الحملة الانتخابيّة في الحزب أن المرشحين والمرشحات — وللمرّة الأولى منذ وصوله إلى هذه البلاد في عام ١٩٨٣ – يتنافسون للظهور بمظهر الناقد لإسرائيل لا بمظهر المؤيّد — حتى من قِبل هؤلاء الذين لديهم سجلّ طويل (مثل جو بايدن) في تأييد دولة الاحتلال. السبب في ذلك أن قاعدة الحزب الليبراليّة باتت أكثر تأييداً لفلسطين منها لإسرائيل للمرّة الأولى منذ عام ١٩٤٨. ونسبة التأييد تزيد بين الشباب وتخفت بين الكهول. وقاعدة الحزب باتت تطالب المرشحين بمواقف أكثر نقديّة لإسرائيل، وهذا جديد على الحياة السياسيّة الأميركيّة ومقلق كثيراً لدولة العدوّ لأنه يلصقها في السياق الأميركي باليمين الرجعي العنصري. وحظوة إسرائيل التاريخيّة كمنت في أن الدفاع عن إسرائيل كان سياسية موازية ومتطابقة للحزبيْن. لكن أهواء القاعدة الحزبيّة لم ينعكس بعد على قيادات الحزب لكن المرشحين ارتأوا أن يضعوا مسافة بينهم وبين إسرائيل، وبينهم وبين اللوبي الإسرائيلي، «إيباك». ومن غير المسبوق أن يتمنّع — وللمرّة الأولى منذ قدومي إلى البلاد —مرشحو الرئاسة عن حضور مؤتمر «إيباك» وبناء على التنظيم الليبرالي الفاعل، «موف أون»، والتي ناشدت كل المرشحين والمرشحات بمقاطعة المؤتمر. كان المرشحون منذ الستينيّات يتنافسون وبقوة وصفاقة في إظهار مدى تأييدهم لإسرائيل وسرعة نقلهم للسفارة الأميركية من يافا المحتلّة إلى القدس المحتلّة (فعلها ترامب).
ليس عاديّاً أن يكون برني سندرز (البالغ السابعة والسبعين) هو المرشح الثاني في الاستطلاعات (بايدن هو الأوّل في كل الاستطلاعات). لقد استفاد سندرز من عهد ترامب إذ إنه المضاد لترامب عند كثيرين كما انه يحسن الملاكمة الكلاميّة والردّ الحازم خلافاً لسلوك الضعف الذي شاب خطاب الحزب الديموقراطي عبر السنوات الأخيرة. وسندرز يتمتّع بمصداقيّة عند يسار الحزب لأنه خاض حملة ضد هيلاري التي استخدمت أساليب غير ديموقراطيّة لهزيمته. وله موقف ثابت ضد الحروب الأميركيّة بالرغم من أنه لم ينتقد حرباً إسرائيليّة مرّت عليه، وهو — مثل غيره من أعضاء مجلس الشيوخ — يخاف من سطوة اللوبي الإسرائيلي ونقده ضد إسرائيل لا يتجاوز عبارته اللازمة: «من المعروف أنني لستُ معجباً بنتنياهو»، كأن شخص نتنياهو هو المشكلة لا دولة الاحتلال بحد ذاتها. وسندرز هو يساري في المفهوم الأميركي وهو لا يعارض مسار الإمبراطوريّة وهيمنتها العالميّة وكلامه عن فنزويلا وعن الشرق الأوسط لا يرفض ذرائع التدخّل الأميركي حول العالم ولا يرفض المعايير الجائرة للسياسة الخارجيّة الأميركيّة. هو رفض الحرب في العراق لكنه لم يرفض الحرب في أفغانستان في 2001.
أما السيناتور إليزابيت وران فهي تتقدّم على المرشحين الآخرين ربما لأنها أدركت كم أن القاعدة: ١) تريد برامج يساريّة (بالمفهوم الأميركي) ٢: تريد برامج محدّدة وليس شعارات. وسرّ نجاح حملة وَرِن أنها قدّمت أكثر من غيرها برامج محدّدة. وهي تنتمي إلى الفريق الذي يطالب بعزل ترامب عن منصبه (وهذا مطلب تؤيّده قاعدة الحزب وترفضه حتى الساعة قيادة الحزب في الكونغرس مخافة أن تسجّل سابقة ترتدّ على الرئيس الديموقراطي المقبل، كما أن عمليّة العزل تتطلّب أكثرية غير موجودة في مجلس الشيوخ (لا يزال مجلس الشيوخ، خلافاً لمجلس النوّاب، يخضع لأكثريّة جمهوريّة). ووارن بادرت إلى تأييد مطلب عزل ترامب، فيما أحجم الباقون في البداية. وهي قدّمت برنامجاً لمحو دين الطلّاب الذي يثقل ميزانيّة 40 مليون أميركي وأميركيّة. وهي من الأصلب في مواجهة المصارف والشركات الكبرى وتعرض برنامجاً لفرض ضرائب باهظة على الأثرياء. ومثل كل المرشحين والمرشحات في الحزب، تؤيّد وارن برامج بيئيّة متقّدمة وتبذل جهداً لكسب تأييد السود.
المرشح (الأسود) كوري بوكر كان يريد أن يصبح أوباما الثاني، والمقارنة تلك تضعفه أكثر مما تفيده لأنه لا يتمتّع بصفات أساسية لأوباما، خصوصاً سحر الجمهور والقدرة الخطابيّة. السيناتور بوكر أتى من خلفيّة السياسة المحليّة في ولاية نيوجرسي إلى أن أصبح ممثلاً للولاية في مجلس الشيوخ. وهو من خلفيّة أكاديمية مبرزة لكن أصبح منذ دخوله مجلس الشيوخ أسير لوبييْن اثنيْن، لا واحداً فقط. هو مرتبط بلوبي شركات الأدوية الاحتكاريّة (الكثير منها مقيم في الولاية) وهو خادم مطيع للوبي الإسرائيلي. بوكر ضعيف في الجولات الانتخابيّة وأداؤه يرسم علامات استفهام حول مقدرته في الاستمرار لأشهر طويلة في الدورة هذه. لم يختر من المشاريع ما يميّزه عن غيره، وهو ليس يساريّاً في مرحلة لا يحمّس الجمهور الديموقراطي إلا الشعارات اليساريّة والمطالبة المستمرّة بتأييد الشروع في حملة إقصاء ترامب من البيت الأبيض. وهو يبدو متردّداً: هل يميل نحو اليسار أم يبقى في الوسط كي يروّج لنفسه بأنه أكفأ من غيره في جذب الناخب الأبيض المحافظ؟ لكن هل الناخب الأبيض المحافظ يريد رئيساً أسود مرّة ثانيّة (أو حتى مرة واحدة)؟
أما تلسي غبارد (التي كان لها سجال مع إبراهيم الأمين في هذه الجريدة) فهي تثير الكثير من السجالات والإعلام هنا يكرهها ولا يريد أن يروّج لها (مع أن غلين غرينوود في الـ «إنترسبت» يسعى جاهداً للترويج لها). هي نائب عن ولاية هاواي وكانت معروفة بتشدّدها في مواضيع محاربة ما تسمّيه أميركا بـ«الإرهاب» وكانت تعترض على ممانعة الحزب الديموقراطي في إطلاق صفة «الإرهاب الإسلامي النزعة» كي لا يثير ذلك حفيظة جمهور المسلمين في أميركا وحول العالم. لكن في السنتيْن الأخيرتيْن باتت مرشحة معارضة للتدخّل الأميركي في الشرق الأوسط. وهي بدأت متأخرة في انتقاد إسرائيل لكن الذي جعلها مرفوضة في أندية الحزبيْن هو زيارتها إلى سوريا في عام 2017 ولقاؤها مع بشّار الأسد وهي متهمة بأنها معجبة بالأسد وببوتين. ولأن هناك إجماعاً في الحزبيْن حول سوريا (برفض التعامل مع النظام السوري وتأييد المعارضة المسلحة إما بالمال أو السلاح أو الموقف) فإن زيارتها باعدت بينها وبين قيادة حزبها.
كلاميلا هارس هي مرشحة من أصول هنديّة وسوداء وهي عضو مجلس الشيوخ من ولاية كاليفورنيا. تجد هارس صعوبة في التقدّم لأنها تأتي من خلفيّة محافظة خصوصاً عندما تولّت منصب المدعي العام لولاية كاليفورنيا حيث انتهجت سياسة قاسية في التعامل مع تطبيق القانون — الذي، هنا وهناك — يصيب الملوّنين والفقراء أكثر مما يصيب البيض والأثرياء. وهناك عدد كبير (يفوق العشرين) من المرشحين والمرشحات لكننا سرعان ما سننسى أسماءهم والمناظرات بينهم ستبدأ في شهر حزيران وهي ستجوجلهم وتفرض انسحابات مبكرة، لأن نفقات الحملات الانتخابيّة باتت بالملايين من الدولارات وكل يوم إضافي يكلّف المرشح أعباء (وأحياناً ديوناً) جديدة. لا يمكن ترجيح هذا المرشح أو ذاك لكن بايدن سيبقى في الطليعة إلا إذا استمرّ في لمس ومداعبة نساء يلتقيهن في تجواله الانتخابي. عندها سيسرق سندرز منه موقع الأوليّة.
* كاتب عربي (حسابه على «تويتر» [email protected])