لا شك في أن التعبئة الطائفية، وأختها المذهبية، إلى تصاعد مستمر. مرة جديدة، وخلافاً للدستور، استمر القيد الطائفي حاكماً للمسار الانتخابي. كاد «المشروع الأرثوذكسي» أن يُعتمد لولا بعض الاعتراضات الجزئية التي عززت، مع ذلك، جوهر العامل الطائفي والمذهبي في النظام الجديد. هي كرّسته في نسبية مُشتتةٍ ومشوَّهة في كثرة الدوائر، وفي الصوت «التفضيلي» المذهبي. المسيرة العونية «المظفّرة» كانت ولا تزال تتقدم الجميع في اعتماد التعبئة الطائفية وفي تغذيتها. هي رفعت رايتها تحت عنوان «استعادة الحقوق». ثمّ ما لبثت أن تخطت «المناصفة»، المؤقتة والمحدد بديلُها في المواد الدستورية (22، 24 و95 من الدستور)، إلى أمرين بالغي الخطورة: الانقضاض على كل ما بقي من مفعول النص الدستوري الذي يحصر القيد الطائفي، وفي كل الأسلاك المدنية والعسكرية، (ودائماً بشكل مؤقت ريثما يُلغى القيد الطائفي كلياً) في الفئة الأولى. والثاني التوسُّع، من قبل «التيار الوطني الحر» (خصوصاً بعد وصول زعيمه إلى سدة الرئاسة الأولى)، باتجاه استعادة ما كان قائماً من «امتيازات» في مرحلة ما قبل الحرب الأهلية وتسوية «الطائف» لعام 1989 (التي تكرَّست بنودها في الدستور عام 1990). في هذا السياق الأخير، أُثير أخيراً موضوع حلول «السُّنية السياسية» محل «المارونية السياسية» وعلى «جثَّتها» كما صرّح رئيس «التيار الوطني الحر» الوزير جبران باسيل. قبل أكثر من سنة، وفي مجرى الصراع على قانون الانتخاب، وأثناء العملية الانتخابية، ومن ثم التعبئة الطائفية العالية النبرة التي رافقتهما، آنذاك، وُصفَت الامتيازات السابقة على تسوية «الطائف» بأنها «ضمانات» وليست امتيازات. ويكرِّس السجال والسلوك اليوميان «المسيرة المظفّرة» المشار إليها آنفاً، في كل الحقول والساحات: في الإدارة والمواقع والمناصب والإنفاق العام والتحالفات... شمل ذلك، بالطبع، الداخل والخارج. في هذا السياق، دارت في بلاد الاغتراب والسفارات والمؤتمرات رحى معركة مفتوحة لدفع فريق من اللبنانيين المغتربين إلى استعادة جنسيتهم من أجل محاولة إقامة توازن ديموغرافي (سكّاني) لا يزال يختلّ يوماً بعد يوم وسنة بعد سنة.

إن معركة استعادة «الحقوق» باتت، تباعاً، دون قفازات. فهي في أكثر اللقاءات والمناسبات، ومن قبيل التباهي بالإنجازات أو السعي لكسب الشعبية والدعم وتعزيزهما، تجنح نحو طابع استعادة «القرار المسيحي» في السلطة اللبنانية، كما كان الأمر في مرحلة ما كان يعرف بالامتيازات المارونية. صلاحيات رئيس الجمهورية، آنذاك، كانت مطلقة تقريباً في الشؤون والعلاقات الداخلية (في السياسة والإدارة والأمن والتربية والإنماء...) وفي السياسات والعلاقات الخارجية (عبر الارتباط بالغرب الأوروبي والأميركي تبعاً للمراحل والتوازنات الدولية على وجه الخصوص). نقع اليوم، وكل يوم، على سلوك أو دعوة من نوع أن «بعبدا» هي مركز القرار. من الشكليات إلى الأساسيات، يحاول فريق العهد أن يطيح معادلات تسوية «الطائف» وما استحدثته من مشاركة وتوازنات... فضلاً عن الإصلاحات التي تناوب وتضامن على تعطيلها الجميع في الداخل والخارج.

يحاول فريق العهد أن يطيح معادلات تسوية «الطائف» وما استحدثته من مشاركة وتوازنات


هذا الرفض الضمني لتسوية «الطائف» المكرسة في الدستور، عُبِّر عنه، منذ البداية حتى الآن، بنحو مباشر أو غير مباشر، بشعارات «الرئيس القوي» و«تكتل لبنان القوي» وبتعزيز وباستعادة و«تحرير الحصة المسيحية»... توسّل ذلك عملية خلط أوراق لمصلحة إعلاء الشأن الطائفي في ممارسة الصلاحيات وبلورة السياسات والأدوار والتحالفات والتوجهات... ولئن كان السعي لاستعادة «الحقوق» يرتدي لبوساً وطنياً عاماً، إلا أن ما يوجهه فعلياً هو نهج فئوي حصري في نطاق منظومة المحاصصة. من هنا يتذمَّر كل الأفرقاء السياسيين في الوسط «المسيحي» من استئثار «التيار الوطني الحر». لكن ردود الفعل لا تذهب، غالباً، في الوجهة الصحيحة، فها هي «القوات اللبنانية»، مثلاً، على لسان رئيسها أخيراً، تتأفَّف من الاستئثار العوني، لكنها لا ترفض منطق المحاصصة، بل تحاول جعلها موزعة على أكثر من فريق، وفق «آليات» مكرسة في الأعراف، رغم مخالفة ذلك للدستور.
مخاطر هذا التوجه لا تقتصر على خرق الدستور واعتماد تفسير انتقائي فئوي لبنوده، مع ما ينطوي عليه هذا الخرق من خلل فادح ومخيف في دفع منطق التحاصص الفئوي والمذهبي والطائفي إلى حدِّه الأقصى. إنه في الواقع أحد أهم أسباب أزمتنا السياسية والاقتصادية. ففي ظل توسيع المحاصصة وتكريسها، تُنهَب الدولة ويُضرَب الاستقرار ويُطلَق الفساد دون محاسبة أو رادع. أيضاً تُحوَّل الدولة إلى دولة فاشلة تعجز عن القيام بمسؤولياتها حيال حاجات المواطنين في التعليم والصحة والأمن والاستقرار والخدمات والبيئة... فضلاً عن التوتر الاجتماعي والسياسي المتجدد بالعصبيات والانقسام المحكوم بحاجة الولاء للخارج: للحماية أو للاستقواء.
ليس من الصعب، وسط الأزمة السياسية المتطاولة والأزمة الاقتصادية المتفجرة والداهمة، إدراك أن مسألة إدارة البلاد تصبح أكثر تعقيداً، ووحدتها أكثر وهناً، والاستحقاقات تتأجل أو تتعطل، هذا فيما الإنتاجية، بخلاف النهب والفساد، تصبح شديدة الضعف والمحدودية. وإذا استعدنا ما جرى في الماضي القريب، فضلاً عن صراعات المنطقة المشحونة برائحة الدم والدمار والانقسام والتفتت السياسي والمجتمعي والحروب الأهلية والتدخلات الخارجية، وتحوُّل دور الكثير من الجيوش عن مهمتها الأصلية، إلى السعي للاستيلاء على السلطة بارتباط مع الخارج الاستعماري، غالباً بتدبير وتخطيط أساسيين من قبل واشنطن وتل أبيب، وسط كل ذلك، يصبح مشروعاً، بل مطلوباً، دفع الحذر والتخوف إلى مداه الأقصى، أي إلى حدّ التفكير في مخاطر عودة مشاريع التقسيم التي يغذيها الانقسام والفئوية والصراعات المذهبية والتطرف الإرهابي التكفيري الموجّه والمعتمد من قبل دول كبيرة عالمية وإقليمية. لقد خيّم هذا الخطر على لبنان سابقاً. وفي مجريات مسار صراعات الداخل والإقليم والخارج ما يبعث على الكثير من القلق الذي يبدو أن له أدواته أو فرسانه في هذه المرحلة أيضاً!!
* كاتب وسياسي لبناني