لست بحاجة لإجراء بحث نظري في علم الحرب، وفلسفة الحرب، وعلم اجتماع الحرب وتاريخها ونهجها وأدواتها لإثبات أننا نعيش كل أشكال الحروب في منطقتنا العربية والإسلامية منذ احتلال اليهود الصهاينة لفلسطين منتصف القرن الماضي. إننا في حالة حرب، تتعدّد مستوياتها، وتتبدل أشكالها، وتتنوع طرقها وتتراكم خبراتها ونتائجها. منذ بداية الألفية الثالثة، أي في العقدين الماضيين، عرفت منطقتنا كل أنواع الحروب، الحرب الساخنة، والحرب الباردة، والحرب الأهلية، والحرب الناعمة، والحرب الإعلامية والنفسية والتكنولوجية، والحرب السيبرانيّة. كل أشكال الحرب، حرب الغزو من الأطراف، واحتلال البلاد، وحرب العدوان المباشر، ومحاصرة القلب وحرب حرف النيران وحرب الإرهاب التكفيري إلى جانب الحرب الاقتصادية والحصار وتشويه القيم، وهي من أقسى الحروب التي عرفناها في العقدين السابقين من بداية الألفية الثالثة.

وإذا كانت الحرب أولها الكلام، وكانت الحرب ممارسة للسياسة بطرق أخرى والوجه الآخر للسياسة ومن نسختيها فإن ما نواجهه في هذه المرحلة هو تأوج الحرب؛ بمعنى أن هذه الحرب تجد الآن أعلى مراحلها وأشدها خطورة، هذا ما تريد أن تثبته هذه المقالة، كيف؟
يلزم أول الطريق تحديد زمن الحرب. وهو زمن متّصل غير منقطع. لكن يعرف مراحل يتأوج فيها مستوى الحرب، لتكون قسطرة انتقال إلى مرحلة أخرى يستمرّ فيها الصراع ولكن بأشكال أخرى أيضاً، ولو أن الحروب تصنع السلام، لما عادت وشبّت مرة أخرى. كانت حصلت حرب واحدة، وانتهت، لكن الحرب تصنع الحرب على ما اعتاده الاجتماع الإنساني حتى تكون حرباً من نوع آخر يجيء من بعدها خلاص البشرية لتملأ عدلاً وقسطاً بعدما ملئت ظلماً وجوراً، ليس قصدنا تشريع العقل لفعل الحرب، لا يمكن للعقل أن يبرّر فعل الحرب، وهو فعل مكروه، لكن الحروب تقع في عالم مضطرب ولا تنطفئ نيرانها، تخمد في هذا المكان وتشتعل في أمكنة أخرى.

مقاومون للاحتلال الإسرائيلي في فلسطين (من الويب)

ما نريد بحثه في هذه الدراسة، هو الحرب العدوانية الأميركية، الأطلسيّة، الصهيونية على العالم العربي والإسلامي بداية القرن الواحد والعشرين الألفية الثالثة، والتي هي استمرار، في موازين قوى مختلفة للحروب العربية ــــ الصهيونية التي استمرّت كامل النصف الأخير من القرن العشرين، وجرت في حروب موسمية، وعرفت حروباً أهلية، وتأوجت فيها الحرب الباردة دولياً، حتى استقرت على انهيار النظام الشيوعي العالمي، ممثّلاً بمنظومة دولة الاتحاد السوفياتي وحلف وارسو، وذهبت الرأسمالية والإمبريالية إلى إعلان انتصارها في نهاية التاريخ والرجل الأخير. لكن هذا التاريخ الذي حسبوه يرسم روحه على صورة الرأسمالية المنتصرة في الحرب الباردة شهد بزوغ شمس الثورة الإسلامية في إيران، وقيام نهضة إسلامية عامة حولها، الأمر الذي دفعهم إلى شن الحرب المفروضة عليها، واستفادوا من أنظمة الاستبداد والفساد ممثلة بنظام صدام حسين ومنظومة دول الخليج، في محاولة لسحق هذه الثورة في مهدها. لكن الثورة الإسلامية انتصرت عليهم في الحرب وحين انتقلت إلى معاقبة المعتدي، واجهت رفع وتيرة الحرب في منطقة الخليج وإسقاط الطائرة المدنية، وجلب الأساطيل والتهديد بالحرب النووية بعد الحرب الكيماوية التي شنّها صدام حسين في المعارك على الجبهات مع إيران وضدّ الأكراد في شمال العراق، والعرب العراقيين من الشيعة في الأغوار ومدن الجنوب، توقفت الحرب في ميزان قوى يفصح عن ما يلي:
1) فشل العدوان في القضاء على الثورة الإسلامية في إيران.
2) تنامي قدرات الجمهورية الإسلامية.
3) اتساع النهوض في وجه أنظمة الاستبداد.
4) استفادة الروح الإسلامية من جديد في ما عُرف بالصحوة الإسلامية العامة، والتي أخذت أشكالاً مختلفة؟
5) كانت الحرب في أفغانستان أول الطريق في التعاون، وأول زرع لبذور الصراع بين الجهادية الإسلامية السنية، على المذهب الوهابي، والأميركيين، في لعبة مركّبة لا يزال موضع دراسة شبهاتها المتعددة حتى الآن.
كانت الحرب العربية – الصهيونية في النصف الثاني من القرن العشرين تشهد جولات موسمية متعاقبة بمعدل حرب كبرى كلّ عقد من السنين وتفصل بينها حروب استنزاف وحروب داخلية ومقاومة الفدائيين كشفت هذه الحروب عن تفوق عسكري للعدو الصهيوني على مستوى العتاد والعدّة والحركة والدعم، لكنّها لم تصل إلى إلحاق هزيمة بالجيوش العربية، وحتى حرب حزيران 1967 والتي وصفها العرب بهزيمة حزيران لم تكن هزيمة عسكرية على وجه الدقة، بمعنى أنها لم تؤدي إلى سحق قوات الخصم في الحرب. إن الهزيمة العسكرية بالمعنى العسكري المحض، هي سحق قوات العدو بوجه كامل إلى درجة تمنعه من استئناف الحرب مرة أخرى، وهذا لم يحصل لا في مصر ولا في سوريا ولا في الأردن مع معركة الثوار والفدائيين، ولا في لبنان في قيام المقاومة الوطنية اللبنانية المتحالفة مع المقاومة الفلسطينية.
وكانت حرب 1973 حرب تحرير من ناحية وحرب مفاوضات من ناحية أخرى، لكنها أثبتت أن الجيوش العربية لم تنهزم، وأن المقاومة أصبحت النظرية العسكرية الأساسية فيها كما يمكن إطلاق اسم حرب تحرير فلسطين في الكفاح المسلح، أو مرحلة انتقال حركات التحرير الوطني حاملة شعارات الحرب الشعبية طويلة الأمد.

خروج مصر وحرب 82
بعد خروج مصر من الصراع العسكري من خلال اتفاقية كامب ديفيد أصيب التوازن العسكري التقليدي في فلك كبير لصالح قوات العدو الصهيوني، ولذلك سعى الرئيس السوري حافظ الأسد إلى العمل لإعادة التوازن الاستراتيجي التقليدي مع العدو، وقد اشتهرت هذه النظرية بنسبها إلى الرئيس الأسد، الذي قام بإعداد الجيش العربي السوري، بالتكامل مع المقاومة لتحقيق هذا الهدف الاستراتيجي.
تراجع أخطار الحرب العسكرية التقليدية (حرب الجيوش النظامية) مع رفع مستوى حرب الثوار والفدائيين أو المقاومة المسلحة. ولذلك انتقل اشتغال العدو الصهيوني على مواجهة المقاومة، في الأردن أولاً، وفي لبنان بشكل أساسي، وداخل فلسطين على وجه الخصوص، وفي بلدان العالم كافة بلا هوادة. حرب تتسع لكلّ أشكال الحرب وصراع مرير وشاق كان ياسر عرفات يعبّر عنه بحرب ممرّ الماراتون، وحرب شعب الجبارين، وحرب تحرير القدس وفلسطين، لكن عرفات كان يتطلّع أن تكون هذه القوة العسكرية للمقاومة معترف بها دولياً إلى جانب الاعتراف العربي الممثل بمقولة، منظمة التحرير الفلسطينية ممثل شرعي وحيد للشعب الفلسطيني وكان أيضاً يحاول أن يكون الجيش العربي الثاني على الجبهة الشمالية مع الجيش السوري واللبناني في حرب 1973، ليكون شريكاً في القرارات الدولية خاصة قرار 424 الصادر عن نتائج هذه الحرب.
بعد خروج مصر من الصراع العسكري أصيب التوازن التقليدي لصالح قوات العدو الصهيوني


كان ياسر عرفات يريد أن يشكل إلى جانب قوات المقاومة جيشاً نظامياً، بصرف النظر عن مستوى قدراته، قوة إلى جانب قوات جيش التحرير الفلسطيني مسلّحة تسليحاً خفيفاً، من ناقلات جند ومدافع متوسطة وسواها، حتى يكون عرفات قائد ثورة ودولة في آن واحد، وحتى يسمح له مشاركة هذا الجيش في الحرب المشاركة من موقع الشريك الكامل على طاولة المفاوضات، وإن كان يعرف في قرارة نفسه لأنه فلسطيني، أن المفاوض الملك وصاحب الأرض والقضية، ولكنه غير المعترف به من أعدائه كان يبحث عن شرعية دولية، وجاء خطابه في الأمم المتحدة يحمل البندقية في يد وغصن الزيتون في يد، خطاب، من يجعل من حرب المقاومة طريقاً للمفاوضات والدخول في التسويات، وهذا ما حصل ولكن بعد معركة مواجهة شبه نظامية تمثّلت في حرب 1982.
أبرز ما مثلته حرب 1982، أنها كانت مواجهة عسكرية في جنوب لبنان، في أعلى درجات العدوانية، خططت لها الإدارة الصهيونية مصفية الوجود العسكري والسياسي للمقاومة الفلسطينية في لبنان حليفها الحركة الوطنية اللبنانية، والجيش العربي السوري في لبنان، وتعيين رئيس للجمهورية قادماً على ظهر الدبابة الإسرائيلية. دفع لبنان حينها لتوقيع معاهدة صلح مع العدو الصهيوني (اتفاقية 17 أيار) واستمر الضغط عليه، من خلال احتلال قسم من الجنوب والبقاع الغربي تكون فيه للقوات الصهيونية في موقع القدرة على ضرب طوق محكم حول العاصمة السورية دمشق من الجولان إلى الجليل إلى الجنوب اللبناني والبقاع الغربي.
كان هدف هذه الحرب المرتفعة الوتيرة والعدوانية، الوصول إلى بيروت ومحاصرتها واحتلالها وارتكاب المجازر في صبرا وشاتيلا، وغيرهما وفرض حكومة شديدة المحافظة تقود مفاوضات اتفاقية السابع عشر من أيار وتهديد دمشق من بيروت، وتهديد القدس بما هي رمز للمقاومة الفلسطينية من بيروت أيضاً... ذلك من خلال تفتيت القوى الفلسطينية في شتات أوسع، في ما يشبه محاولة لإنهاء القدرات الفلسطينية العسكرية والسياسية؛ والقضاء على فكرة الكفاح المسلح والحرب الشعبية، وتصفية مرحلة حركة التحرر الوطني ودفع الوضع العربي إلى الدخول في الصلح مع إسرائيل والتسويق لنظام شرق أوسطي جديد تقوده إسرائيل وفق نظرية شمعون بيريز.
كانت مقدمات هذه الحرب البالغة الخطورة على محدودية مساحتها الجغرافية السعي إلى إبعاد العرب عن فلسطين ونسيانها والتوجه إلى أمرين:
1- الحرب مع إيران والتي فرضها نظام صدام حسين، وكان جزءاً من ما يسمى النظام السياسي القومي العربي وجبهة الرفض العربية، بما يجعل هذا المحور يتّجه إلى إدارة الظهر لفلسطين والتوجه لمحاربة إيران.
2- كانت السلفية الوهابية وحركات أخرى مناصرة لها تدير ظهرها لفلسطين، وتذهب للجهاد في أفغانستان، وعليه يكون النظام العربي في تياراته القومية والإسلامية قد أضاع البوصلة في تلك المرحلة، وذهب بعيداً عن فلسطين لشن حرب عدوانية على إيران ومساندة الولايات المتحدة الأميركية في محاربة النظام السوفياتي الذي كان حليفاً للعرب في الحروب ومصدر تسليح للجيوش العربية وكذلك مصدر دعم في مجلس الأمن وغيره من المؤسسات الدولية ذات الصلة.
كانت حركة الشيوعيين العرب أو السوفيات العرب، تنأى بنفسها عن الصراع مع إيران، وتدعم المقاومة الفلسطينية، لكن الجذور القومية العربية لهذه الحركات، وما أصابها من ترهّل وضعف واستهدافها من قبل العدو الصهيوني في حربه على المقاومة الفلسطينية، جعل هذه القوى تدفع الثمن من موقع الحليف للمقاومة الفلسطينية، ومن موقع البحث عن تفسير مُقنع لتراجع النظام الشيوعي، في حربه الباردة مع الرأسمالية العالمية.
أضحت فلسطين وقضيّة فلسطين، خارج الاهتمام والقصد والمعيار والحساب...

«مؤتمر المستضعفين في العالم»
في هذه الفترة استطاعت القوات الإيرانية طرد آخر جندي من قوات صدّام حسين من الأرض الإيرانية التي دخلتها بداية الحرب المفروضة وحرّرت مدينة خورمشهر على الحدود، وكان المقاتلون الإسلاميون في أفغانستان يحتاجون إلى الدعم. وقد اشتدت وطأة الحرب هناك وثمّة علاقات تاريخية حضارية ولغوية ودينية تربط شعوب الهضبة الإيرانية الفرس والأفغان الهزارة والطاجيك والبشتون في باكستان، وعليه كان المجاهدون الأفغان يطلبون دعم إيران التي خرجت منتصرة من المرحلة الأولى للحرب المفروضة.
عندما انعقد مؤتمر منتصف شعبان تحت اسم «مؤتمر المستضعفين في العالم» في العاصمة الإيرانية طهران، كنت من المشاركين فيه ضمن وفد حركة التحرير الوطني الفلسطيني «فتح»، دخلت قوات العدو الصهيوني إلى الجنوب اللبناني، حين وصولنا إلى مطار طهران، وتحوّل المؤتمر إلى لقاء للبحث في ما يمكن فعله في مواجهة القوات الصهيونية الغازية، وظهر في المؤتمر اتجاهان: الأفغان يشجعون توجه إيران إلى المشاركة في حربهم ودعمهم، والعرب يدفعون باتجاه دعم المقاومة ضد العدو الصهيوني في لبنان وفلسطين، وقد شرحت ذلك تفصيلاً في روايتي «مشهد الحر». المهم أن التجاذب داخل ذلك المؤتمر الذي حضرته قيادات لبنانية وعلماء من رجال الدين اللبنانيين، يعتبر اللُبنة الأولى في تأسيس حزب الله، كان مصلّى فندق الاستقبال، يشهد نقاشات موسعة لتحديد بوصلة التوجّه الإيراني، بعد معركة تحرير خورمشهر، وأذكر تفاصيل الحوار الذي كان يتصاعد على وقع أخبار العدوان الصهيوني وحركة القوات على الأرض، غرفة عمليات حقيقية كانت تدور في مصلى الفندق الطهراني وحضر هذه الحوارات رجال من الحرس الثوري أذكر منهم الجنرال علي شمخاني الذي التقيت به عدّة مرات وبحثنا ما يلزم فعله، لكننا كنا في انتظار قرار الإمام الخميني الذي حدد موعداً يوم الأربعاء في الأسبوع الأول بعد نشوب الحرب للقاء المنتدين.
جاء قرار الإمام الخميني في أمرين:
1) التوجه إلى معركة تحرير الجنوب اللبناني والقدس، ومقاومة العدو الصهيوني، وكان ذلك القرار حاسماً في أمر التوجه الإيراني نحو فلسطين ومعركتها أو أفغانستان وحرب جهاده، إذن تلك أولى الإشارات إلى قرار المقاومة ضدّ العدو الصهيوني.
2) الاستمرار في الحرب مع نظام صدام حسين تحت شعار «معاقبة المعتدي» وهو أشبه بحيثيات الحكم الشرعي لهذه الحرب. خاصة أن مسألة العراق ضرورية لفتح الطريق بين إيران وفلسطين ولبنان وسوريا.
من أجل تنفيذ هذين الأمرين الاستراتيجيين، نقلت إيران قدمها خطوة خارج حدودها الوطنيّة، من أجل فلسطين، تشكّل فيلق القدس الإسلامي، وحزب الله والمقاومة الإسلامية في لبنان، وانتقل الحرس الثوري إلى لبنان في منطقة البقاع من خلال سوريا التي خاضت حرباً برية وجوية ضارية مع قوات العدو الصهيوني، في بيروت وجبل لبنان ووادي البقاع، وحصل وقف إطلاق النار، فيما كانت القوات الإسرائيلية في بيروت ومحيطها حتى صوفر وكانت في الجنوب والبقاع الغربي حتى تخوم طريق بيروت – دمشق. ارتكبت مجازر صبرا وشاتيلا، ودخلت قوات دولية إلى لبنان، وانسحبت القوات الفلسطينية إلى البقاع ومناطق طرابلس في الشمال وإلى الأراضي السورية، وحدثت مواجهات مؤلمة، حوادث اغتيال، ومعارك داخلية، وحركة انشقاق لم تترك حزباً سياسياً على ما كان عليه. انقسمت حركة «فتح»، وانقسمت حركة «أمل»، وتزعزعت «الكتائب» بعد مقتل بشير الجميل، وانتخاب أمين الجميل مكانه، وانقسم الجبل على نفسه، وشهد حرباً ضارية، ومناطق صيدا ومحيطها، وكان البقاع محلّاً لحشد القوات وتصفية الحسابات... تلك كانت الصورة العامة في جانب منها، لكن في الجانب الآخر كانت قوات الحرس الثوري فيلق القدس، تعمل بقوة ومثابرة وعزيمة صادقة على تشكيل المقاومة التي تقدّم قيادتها رجال الدين العلماء وأعدوا ما استطاعوا من قوة كانت كافية لإرهاب عدوهم وحمله على التقهقر من بيروت وصيدا، وبعض مناطق الجبل. بدأت مسيرة المقاومة الإسلامية – حزب الله بقوة مسدّدة، ومؤيدة بالإيمان والتضحيات واستمرت هذه التضحيات عقدين من سنوات الجهاد، تخللتها حروب دورية، ومقاومة يومية عزّ نظيرها، وتكللت نتائجها بانتصار 25 أيار 2000 وانسحاب العدو الصهيوني مدحوراً مهزوماً ضعيفاً مهاناً، من جنوب لبنان والبقاع الغربي، واحتفل لبنان حقيقة بالتحرير وأعلن يوم 25 أيار من كلّ عام عيداً للتحرير والمقاومة.

دروس المرحلة
ما هي الدروس النظرية المستفادة من أحداث ووقائع هذه المرحلة، ما تعلق منها بالحرب من جهة وبالسياسة على اختلاف ميادينها من جهة أخرى؟ الدروس النظرية المستفادَة من هذه المرحلة عديدة، ولا يمكن حصرها، لأنه لا يمكن حصر دروس التاريخ المستفادة من حركة فصوله دائمة السريان، ولكن يمكن أن نذكر ما تحصل منها عندنا، أو في قراءتنا التحليلية لهذه المرحلة هو التالي:
1) أن هذه المرحلة شملت صراع الأنظمة القطرية العربية مع العدو الصهيوني حول فلسطين، وكانت الجيوش العربية النظامية ذراع هذا الصراع، حيث خاضت هذه الجيوش النظامية حروباً متعاقبة في السنوات 1948 – 1956 – 1967 – 1973... حُسرت في أغلبها، لكن لم تلحق بها الهزيمة في المعنى العسكري المحض بل استطاعت أن تعيد بناء نفسها لمباشرة الحرب من جديد.
2) كان النظام العربي القطري، تحت لواء الفكر القومي، قائداً لهذه المرحلة، التي انتعشت فيها الناصرية أولاً والبعث القومي الاشتراكي ثانياً والأحزاب المحلية ذات الطابع الليبرالي ثالثاً، مع حركة قلقة ومراقبة لنمو التيارات الإسلامية، من حزب التحرير إلى حزب الإخوان المسلمين إلى حزب الدعوة، ما كانت بقادرة على كسر قوة حلقة الإمساك بالسلطة من قبل التيارات القومية الأخرى.

التجاذب داخل المؤتمر الذي حضرته قيادات لبنانية وعلماء من رجال الدين اللبنانيين يعتبر اللُبنة الأولى في تأسيس حزب الله


3) كانت هذه القوة النظامية فاعلة حتى حرب 1967، وبعدها أسلمت قيادة المواجهة لحرب الفدائيين وكان عنوان انطلاقتها «معركة الكرامة» في الأردن سنة 1969. عرفت هذه المرحلة، لنمو المقاومة الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية بقيادة ياسر عرفات وحركة فتح، كمرحلة حرب تحرير وطنية، وجمعت الشعارات القومية والسارية تحت لوائها، واستمرت في إدارة الحرب مع العدو حتى 1982.
4) كانت هذه المرحلة بقيادة التيارات القومية والأنظمة القطرية ذات البعد القومي واليساري (الاشتراكي) قائدة للحرب لكنها كانت تعمل تحت سقف التيارات الشعبية الدينية ذات الاتجاه الفقهي الإسلامي السني. كانت المقاومة الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية تعمل تحت السقف السياسي لدار الفتوى الإسلامية السنية، وكذلك الوضع في بقية الأقطار، كانت العروبة والإسلام السني هي القائدة الفعلية لهذه المرحلة من الحرب وكانت صورتها الحركة الناصرية، والحركة القومية، وحركة التحرير الوطني الفلسطيني، وإجماع تيارات اليسار العربي المتعددة.
5) انتهت نتائج الحروب المتعاقبة في لعبة الصراع والمساومة إلى جملة من الاتفاقيات، عكست ميزان القوى الذي ساد إبّانها وكان لصالح العدوّ الصهيوني المؤيد من الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا الغربية، ومؤسسات الرأسمالية الدولية، وعقدت اتفاقيات إذعان سياسي، فيما كانت النتائج العسكرية للحرب، تتراوح بين كر وفرّ، ومن هذه الاتفاقيات:
• اتفاقية «كامب ديفيد»، بين مصر والعدو الصهيوني في حكم السادات
• اتفاقية «وادي عربه» مع الأردن
• اتفاقية «أوسلو» مع الفلسطينيين
6) في ظل ميزان قوى متأرجح المعادلات فاقت حركة معارضة للاتفاقيات، تمحورت حول المقاومة الفلسطينية وعُرفت باسم «جبهة الرفض العربية»، لكن قيادة هذه الجبهة لم تكن على مستوى التحديات التي تواجهها، فانقلبت مرات عدة ضدّ نفسها، وساومت على الحقوق الوطنيّة وعلى مهامها القومية.
7) انتهت المرحلة، بانحياز قوى جبهة الرفض العربية لصدام حسين في حربه على إيران ومهّدت الوضع العربي لغزو جديد. ولعبت دور خيانة المصالح القومية تاريخياً، وهي في السياسة صفة تحقير صريحة.
8) على المستوى الدولي كان الصراع يتم في ظل الحرب الباردة، وصراع الجبارين، ومحور الصراع أوروبا ومنطقة الشرق الأوسط وغرب آسيا.
9) كانت الحركات الإسلامية السنيّة تعمل بالخفاء تحت جناح السلطة المالية والثقافية لتيار الحركة الوهابيّة، لأن السعودية كانت تحمل راية الصراع مع التيارات القومية الناصرية والبعثية واليسارية العامة، وكانت السعودية تبتعد عن فلسطين، وتشجع الالتحاق بالصراع مع السوفيات في حرب الجهاد الأفغانية.
كلّ هذه التوازنات والصراعات والتيارات، أعطت دروساً عدة، تجمعت فصولها في وقائع حدثين بارزين:
1- انتصار الثورة الإسلامية في إيران 1979.
2- نشوء المقاومة الإسلامية في لبنان وفلسطين بعد 1982.
بعدها دخل المشرق العربي الإسلامي ومنطقة غرب آسيا في صراع جديد تقوده قوة جديدة، شهد حروباً متعددة، تتأوج الآن في أعلى مراحلها، والنظرية فيها مكتوبة بدماء الشهداء الأبرار، ومؤداها: النصر على الأعداء.
* كاتب ووزير سابق