حتى نفهم السياق اللبناني قد يفيد، كمدخلٍ، مثال الدّين العام، الذي تضخّم وتعاظم حتى أصبح يهدّد بانكسارٍ وانهيارٍ مالي يخرّب «اللعبة» من أساسها ويدخلنا في «المجهول» (المقابل المالي للنيزك). فلنقارب المسألة من هذه الزاوية: هل تذكرون النصّاب الأميركي برنارد («بيرني») مادوف، الذي جمع عشرات المليارات بحجّة أنّه يشغّل الأموال في البورصة، ثم تبيّن أنّه يزيّف البيانات، ولا يتاجر في الأسهم بل يستخدم الأموال التي تدخل الصّندوق ليدفع لمن يسحب منه، حتى انهار «الهرم» وقت الأزمة المالية العالمية؟ مادوف، بالنسبة الى ضحاياه، كان يحقّق لهم ربحاً بمعدّلٍ يتراوح بين 10-12 في المئة سنوياً، وكانت هذه «الأرباح» أيضاً ثابتةً بشكلٍ غريب في كلّ عامٍ تقريباً، لا يهمّ إن صعد السوق أو هبط. الفكرة هي أنّه بمثل هذه الشروط، تحوّل مادوف الى مقصدٍ للأثرياء والمشاهير وصناديق الاستثمار، يتوسّطون عنده حتى يقبل أن يودعوا أموالهم لديه. هذه الشروط الربحيّة، بالطبع، لم تكن حقيقية، ومن شبه المستحيل تحقيقها على المدى البعيد في أيّ سوقٍ رأسماليٍ «نزيه»، وكان بيرني مادوف يزيّفها لكي يستمرّ دفق المودعين.

في لبنان، بالمقارنة، حصل الرأسماليون الذين أقرضوا الدولة اللبنانية على عوائد تفوق بكثير تلك التي كان يقدّمها مادوف، ولفتراتٍ طويلة، وهي معدّلات فائدة غير مألوفة في بلدٍ شهد - طوال هذه الفترة - معدّل تضخّمٍ منخفض وعملة مثبّتة فعلياً مقابل الدولار (أي إنّك كنت تنال فائدةً هائلة، كأنّها «تأمين» ضدّ انخفاض عملةٍ ضعيفة، وانت تعرف يقيناً أن قيمة العملة لن تتغيّر). هكذا تراكم الدين العام منذ التسعينيات، وهو ليس نتيجة خطأ محاسبي أو سوء تقديرٍ وكفاءة من جانب الاقتصاديين، بل انعكاسٌ لقدرة مجموعة مصالح على الهيمنة الكاملة على النظام السياسي، واستخدامه بحريّة من أجل تغليب المصالح الخاصّة، وصولاً الى تسخير البلد واقتصاده لخدمتها (وهذا في بلدٍ صغير، تكون فيه «مراكز القوى» هذه متركّزة وبعضها قريباً من بعض ويختلط أفرادها ويتشاركون ويتزاوجون؛ فلا تمييز واضحاً وفاصلاً بين السياسيين ورجال الأموال والمصارف والبيروقراطية العليا، ومن السهل أن يعقدوا في ما بينهم توافقاً أو محاصصة أو «مؤامرة»). المصارف هي هنا مجرّد «منفّذ»، سيّر العمليّة ونال حصّته من الأرباح.
لا أحد يعرف بالضبط أين ذهبت كلّ هذه الأموال ومن استفاد من هذه «الأرباح» على مدى عقود، ولكن الأكيد هو أنها قد أعادت تشكيل بنية المجتمع اللبناني منذ نهاية الحرب. لهذه الأسباب كلّها، أنا لا آخذ بجدّيّةٍ من يتكلّم على مشكلة الدين العام بـ«اعتدال» ويقاربها بـ«مسؤولية»، كأنّها فاتورة مطعم استحقّت علينا جميعاً ولا بدّ من تجميع المال ودفعها (وهذه المواقف تنطلق غالباً من افتراضين خاطئين: أوّلاً، أننا قادرون أصلاً، ضمن أي معدّل فائدة، على تصفية كتلة الدين التي تراكمت علينا، أو حتى التحكّم فيها. وثانياً، أنّ كلفة دفع الديون على الدولة والمجتمع، على مدى المئة سنة المقبلة، هي أقلّ من كلفة التوقّف عن الدفع).
المثير في حالة بيرني مادوف، وما لا يعرفه الكثيرون، هو أنّ نسبة كبيرة من أموال الضحايا - وكلّهم تقريباً أثرياء ومشاهير - قد عادت اليهم، وإن بعد سنواتٍ طويلة (الأصل وليس «الأرباح»). قامت فوراً لجنة متخصّصة للإشراف على «تركة» مادوف، وهي قد استعادت (حتى شباط 2019) أكثر من ثلاثة أرباع الأصول التي استثمرها الزبائن لديه. مدهشٌ مستوى العدالة والتضامن والكفاءة حين تكون القضيّة بين الأثرياء: قامت لجنة الإشراف بمصادرة كلّ «الأرباح» التي سحبها زبائن مادوف من صندوقه على مرّ السنين ودفعوها لمن خسر أصل ماله. هذا الحلّ من المستحيل تخيّله في لبنان، بطبيعة الحال، ولن تردّ الأموال التي دفعها الشعب من ضرائبه ومستوى حياته على مدى السنين. أقصى ما نطمح اليه هو أن تتوقّف الدورة ولا ندفع الى الأبد.

«دفاعاً» عن جبران باسيل
لا مشكلة لديّ في الهجوم على جبران باسيل وانتقاد تصريحاته والتعالي عليه أخلاقياً، وهو أمرٌ أمارسه بانتظام، ولا يحتاج الى كثير شجاعة (باسيل، إن كنت خارج دائرته الحزبية، لن يؤذيك في رزقٍ أو يحرمك من فرص، ولا سبب لأن «تخشى» مغبّة الإسفاف ضدّه، كما في حالة نبيه برّي مثلاً). ولكن أن يصبح جبران باسيل هو رمز «العنصرية» والمحرّض على الكراهية، والخطر على السوريين والضعفاء في لبنان، هل تمزح؟ هل تعرف عن السياق الذي تجري فيه السياسة وفي لبنان وعن أبطاله؟ إن كانت هناك من مشكلة في جبران باسيل، فهي ليست «استثنائيته»، بل على العكس تماماً «اعتياديته». جبران باسيل هو مثالٌ على قدرة السياسة اللبنانية على استيعاب أيّ تيّارٍ جديد، ولو كان خارجياً ومعارضاً في الماضي، وقولبته على شاكلتها، وجعله يدخل في دهاليز المصالح ويرتاح في الخطاب التقليدي المحافظ. أمّا أن يصبح باسيل هو سبب الكراهية في البلد (وكان أحد الأصدقاء يؤكد لي مؤخراً، بجدية، أنه هو أيضاً سبب استفحال الدين العام)، فهذا ليس كلام من لديه حساسيات أخلاقية، بل من ينفّذ أجندة سياسية.

أن يصبح باسيل هو سبب الكراهية في البلد فهذا ليس كلام من لديه حساسيات أخلاقية، بل من ينفّذ أجندة سياسية


مع الذاكرة الانتقائية والجهل المقصود لا معنى لأن تقول الكلام التالي، ولكننا سنعيده على أيّ حال: هناك في بلدنا سياسيّون كانوا يقتلون السوريين والفلسطينيين على الحواجز (نحن نتكلّم على رصاص وسكاكين، وليس تغريدات على تويتر). قادةٌ أمروا بمجازر طائفية وتطهير عرقي. ومنذ سنواتٍ قليلة، كانت 14 آذار - في بداياتها، حين كانت فعلاً حركة شعبيّة - تقوم على شعاراتٍ عن «الدم اللبناني الصافي» و«اللبناني 100%»، وقد ترافقت مع موجة جرائم ضدّ العمّال السوريين في لبنان (لم يهاجموا أعداءهم الداخليين، ولم يهاجموا جنود الجيش السوري، بل اختاروا العمّال السوريين)؛ ولا أحد يعرف الى اليوم عدد الذين قتلوا خلال تلك «الفورة الوطنية» - ولأن أكثر العمّال الذين كانوا في لبنان في تلك الفترة هم فقراء لا يكتبون مقالات وروايات، فأنت لن تقرأ مذكراتهم عن حفلات الضرب الجماعية التي طالت السوريين في تلك الأيام، وفي مختلف المناطق.
هذا تاريخٌ متّصل. من أوليات ذكرياتي «السياسيّة» خلال الحرب الأهلية، كانت مراقبتي، من على الشرفة، رجالاً من حزب جنبلاط وهم يتعاونون على تفجير كنيسة كانت تقع أمام منزلي (لا أعرف ماذا جرى لجرس الكنيسة، ولكن ما يهمّني هو أنّ جيراني ورفاقي المسيحيين يومها قد هُجّروا وطُردوا، وكانت تلك من أكثر التجارب قسوةً في حياتهم، حملها بعضهم الى يوم الممات). ومنذ أيّام، كان مناصرون لجنبلاط يتسلّحون في الشوارع لمنع «غير المرغوب فيهم» من دخول الشوف، ويسقط قتلى - لدى جنبلاط أسلوبٌ طريف في التعبير عن «القوانين» التي تسري في «منطقته»، فيقول ما يشبه «الجبل ديمقراطي ومنفتح على الجميع، ولكن إيّاك ثم إيّاك أن تلعب بالتوازنات». هناك اليوم في لبنان مناطق يُمنع، رسمياً، على أناسٍ من طوائف معيّنة أن يسكنوا فيها، وفي مناطق أخرى المنع موجودٌ بشكلٍ غير رسمي. هؤلاء الناس ما زالوا على المسرح ولم يتغيّروا. كان سمير جعجع - في مقابلة تلفزيونية قريبة - يستخدم الاجتياح الاسرائيلي عام 1982 كمثالٍ على «البركة الإلهية» التي «تنقذك» من حيث لا تحتسب وتزيح عنك الغمّ، ثم انتبه الى ما يقوله وغيّر المثال الى «14 آذار» (لم ينتبه جعجع الى الجانب الآخر من المعادلة، وهو أنّ اجتياح 1982 قد أزال المقاومة الفلسطينية بالفعل، ولكنّه استبدل له عدوّاً، «فتح» وحلفاءها اللبنانيين - وجميعنا يعرف «فتح» وحلفاءها اللبنانيين - بـ"حزب الله").

الثقافة والمافيا
المسألة هي أنّ الكثير من رموز «14 آذار» كانوا من الموقّعين على بيانٍ «ضد العنصرية» (هو فعلياً ضدّ باسيل). البيان لا يخبرك شيئاً تقريباً عن اللاجئين السوريين، ولكنّه يطرح كامل الأجندة السياسية لنخبةٍ محدّدة، ويعرض عقدها وأوهامها، وفيه - إضافة الى كمّ مريبٍ من الأخطاء الإملائية بالنسبة الى بيان مثقّفين - جملةٌ غريبة عن «حاجة» لبنان الى اللاجئين السوريين من أجل تحصيل مساعدات خارجية. على الهامش: أنا اتّبعت سياسةً، منذ زمنٍ بعيد، بعدم التوقيع على بيانات جماعيّة مهما كانت، وذلك لأكثر من سبب. لأن هذه البيانات، من ناحية، تحوّلت الى ما يشبه النشاط الاجتماعي وحفلات توقيع الكتب، حيث تصلح للتعرّف على خارطة الشلل والمصالح وليس لتسجيل موقفٍ حقيقي، ولأنّ من المستحيل أصلاً أن تجمع عشرين مثقفاً لبنانياً حول موقفٍ شجاع، و- أساساً - لأنني أتجنّب قدر الإمكان التوقيع على أيّ شيء، فما بالك بنصٍّ لم أكتبه بنفسي.
الأساس هو أنّ الخطاب الأخلاقوي تجاه باسيل لا ينتج دعماً للسوريين في لبنان، ولا يخدم قضيتهم في السياق السياسي المحلّي، بل يفعل العكس. أريدكم أن تتخيّلوا ما يفعله كلام بعض النخب عن «رفضهم» عودة السوريين الى بلادهم، أو اشتراطهم سقوط النظام قبل الحديث عن الموضوع، على «اليمين المسيحي» في لبنان حين يتلقّاه: أنت أصلاً لديك وسواسٌ وخوف، وتراقب منذ أكثر من نصف قرن الديموغرافيا وهي تميل ضدّك تدريجياً، وبشكلٍ حاسم - مع كلّ النتائج السياسية والاقتصادية المرافقة لذلك. وكنت مستعدّاً لإشعال حربٍ أهليّة خوفاً من أن يغيّر مئتي ألف لاجئ فلسطيني الموازين. فأصبح لديك أكثر من مليون لاجئ سوريّ فجأة. بدلاً من أن تطمئن هذا الانسان الى أنّ هؤلاء الناس هم ضحايا، وأن وطنهم هو سوريا وهم سيعودون اليها، وأنّ أكثرهم أصلاً لا يهمّه البقاء في بلدك، تقوم بتأكيد مخاوفه ويفهم أنّك، في أسوأ الأحوال، جزءٌ من «مؤامرة» لتوطين السوريين في لبنان و، في أحسن الأحوال، تميّع الموضوع بكلبيّةٍ وتستغلّه لمصلحة قضاياك وقضايا مموّليك، حتى يمرّ الزمن ويصبح اللجوء الدائم واقعاً.

الهدف هو ليس أن تخلق المستقبل، بل أن تعيش حاضرك في مساحةٍ تسمح لك بالتفكير في المستقبل


لهذه الأسباب، فإنّ أوّل ما تتعلّمه عن مجتمع الثقافة والإعلام في بلادنا هو عدم جدوى النقاش مع أفراده، فأنت لست في حلبة فكريّة، يعتنق فيها الواحد فكرةً بسبب حجّة ثم يستبدلها حين يسمع حجّةً أفضل. حين تجادل مثقّف المؤسسة فأنت فعليّاً لا تحاور انحيازات فكرية وايديولوجية، بل رؤيته عن نفسه، والموقع المهني والاجتماعي الذي يريد الانتماء اليه، والمموّل والشلّة، أي، بمعنى آخر، النقاش الحقيقي هنا هو عن «الطبقة» وليس الاقتناعات، وهذا لا يمكن أن تؤثّر فيه بالكلمة. الجو الثقافي، في النهاية، هو انعكاسٌ للمؤسسة التي تصنعه، ونحن لا نملك مؤسسات وطنية، فكرية واعلامية، تكون منصّاتٍ يتداول فيها أناسٌ أحرار الجدال والمحاججة، بل لدينا شيءٌ آخر تماماً. من هنا، فإنّ الوسيلة الوحيدة للتعامل مع هؤلاء هو أن تكون «إرهابياً فكرياً»، بتعبير بودريار، أن لا يكون هدفك إقناعهم، بل إزعاجهم، فيما أنت توجّه كلامك الى غيرهم. تحت هذا الباب ايضاً تندرج الهجمة المسعورة، التي حصلت من جهاتٍ قطرية التمويل، مؤخّراً، في وجه «الأخبار». ماذا تفعل مع مجموعة منتفعين، لا يجمعهم سوى الراتب، ويرتضون أن يلعبوا دور الجوقة المنظّمة؟ المشكلة مع هؤلاء، على ما يبدو، هو أنّ أحداً لم يصارحهم بحقيقتهم كما يجب، حتى توهّموا أنّ لهم المصداقية في أن يُحاضروا في أيّ مجال. «المقرف»، يا عزيزي، هو أن تكون رأس حربة التحريض الطائفي، فيما السكاكين في بلادنا تسلّ، وأن تجمّل «داعش» وهي تذبح الناس في «سبايكر» وتسبي النساء بالآلاف. «الانحطاط» هو أن تقبل بأن تذلّ نفسك دفاعاً عن وليّ نعمتك. و«الصيت السيّئ» هو في أن تشتري من الناس ضمائرها.

خاتمة: آمال الزمن الضائع
الوضع الحالي في لبنان هو فرصةٌ لكي أدعو من جديد الى نظريتي عن «مشروع المزرعة» (ولنفي الشائعات التي تزعم أنّه مشروعٌ وهميّ، على طريقة بيرني مادوف، وأنّ أموالكم ستكون في الحفظ والصون). فكرة أن تؤسس العمل السياسي حول مشاريع اقتصادية وجمعيات عمّال وتعاونيات ليست جديدة و، للحقّ، فأنا لم أنجذب يوماً الى هذا النموذج الذي كثر في أوروبا خلال القرن التاسع عشر، وما زال قسمٌ من اليسار الغربي ينظر اليه برومانسية (وهذا سببُ إضافيّ لأن تنفر منه). ولكن الفكرة هي أنّ السياق في بلادنا هو أنسب، والحاجة أكبر، الى مثل هذا النموذج من السياق الاوروبي. الموضوع له سوابق في بلادنا، مثل الجماعات المشاعية والامارات العشائرية التي كانت تقوم في العراق وشمال أفريقيا حين تضعف الدول ويتفكك «السوق الوطني»، أو تجتاح الحروب المجتمع والعمران. قبل ذلك كلّه، فإنّ تأسيس العمل السياسي حول «أساسٍ ماديّ»، واضح وحقيقي، يستفيد منه الجمهور هو الأساس في أيّ حركة شعبية - إلّا إن كنت تنوي أن تمارس السياسة على مستوى النخب حصراً. هذا «الأساس المادي» (أي أن تقدّم للناس أسلوب معاشٍ مختلف، ومنافع مباشرة، وضمانات لحياةٍ تختلف عن حياتهم الحالية) كان يجري تأمينه في أواسط القرن الماضي عبر السيطرة على جهاز الدولة وإطلاق مشاريع الاشتراكيّة والتوزيع، وكان يجري، حول ذلك، بناء أنظمة جديدة وحركاتٍ شعبية. هذا لا يمكن استنساخه اليوم، والدولة بشكلها الحالي (مبتورة، نيوليبرالية، وفاقدة للسيادة) لا تملك الأدوات للعب مثل هذا الدور أصلاً.
إن كان الخلاص الجماعيّ مستحيلاً ومشروع الخلاص الفردي يؤدّي الى الفساد أو المنفى، فما العمل غير أن تنتظر تغيّر السياق الأوسع؟ مشروع المزرعة (وأنا استخدم تعبير «المزرعة» كمثال لا أكثر) هو الطريقة التي اعتمدناها لمواجهة عالمنا الحالي. إن كنت لا تقدر على القتال أو لا تريده، فقم على الأقلّ بالعمل، وسيّس قدرة عملك، واجمع الجهود والقدرات والخبرات مع من هم حولك، وستجد أنّ هناك الكثير من الفرص في بلادنا التي تستهلك ولا تنتج، وستجد أنّ «الاقتصاد الحقيقي» هو أقلّ تأثّراً بالأزمات المالية ورغبات المموّلين من وظائف السياسة واقتصاد الكازينو (وإن كنتم، مجتمعين، غير قادرين على استنباط مشروعٍ تجاريّ بسيط وإدارته، فلا ضرورة للكلام عن الثورة وبناء حركةٍ ودولة. وليس ضرورياً أن يكون المشروع قانونيّاً بالكامل، ولكن هذا نقاشٌ آخر).
الهدف هنا هو ليس التغيير النهائي، ولا تقديم يوتوبيا، فهذا غير ممكن، ولكن من الممكن أن تبني جماعةً تضمن لأفرادها أساسيّات الحياة، والعمل المنتج، والحرية من الخوف والقلق الدائمين في بلادٍ أصبح فيه هذا القدر من الكرامةٍ، للأكثرية، مطلباً صعباً وأُمنيةً عزيزة. الهدف هو ليس أن تخلق المستقبل، بل أن تعيش حاضرك في مساحةٍ تسمح لك بالتفكير في المستقبل من زاويةٍ فيها بعض الاستقلال والحريّة. الهدف هو ليس أن تهيمن على المجتمع أو تصلحه، بل - ببساطةٍ - أن تعيش وأن يكبر أولادك في ظروفٍ فيها بعض الحصانة من المجتمع الفاسد الذي يحيط بنا.