انهيار الدولة العباسية يؤرّخ لانهيار عربي متواصل بدأ قبل ألف عام ونيف ملأه المحتلون المماليك والفرنجة والروم والسلاجقة والعثمانيون والفرنسيون والانكليز والأميركيون والاسرائيليون. هذه السيطرة المستمرة حتى الآن بمسمّيات جديدة لا تشمل احتلال المناطق العربية قبل الاسلام، فلم يكن هناك دول عربية قد تأسست باستثناء إمارة المناذرة في جنوب العراق الموالية لفارس، والغساسنة في بلاد الشام المرتبطة بالروم.

هناك إذاً ارتباط بين الانحطاط العربي المعاصر والمرحلة التاريخية، فكلاهما في نتاج المستعمرين الذين نصبوا واجهات محلية لسيطرتهم، فكانت دويلات الخليج وبلاد الشام وشمال أفريقيا وسرقة فلسطين والجولان والاراضي اللبنانية المحتلة لزوم التفرقة من جهة والسطو على الثروات العربية من جهة أخرى.
لكن هذا التاريخ المتدهور لم يستسلم لسياق واحد من الرتابة والاستتباع، فهناك ثلاثة استثناءات صفعت استسلام الالف عام، اثنان منها جاهدا وخسرا بعد معارك دوّنَها التاريخ، أما الاستثناء الثالث فلا يزال يجاهد مسجّلاً انتصارات تذهب نحو نجاح المشروع السياسي المحلي للمرة الاولى، ومنذ الف عام.
التجربة الاولى هي لمحمد علي باشا الألباني المملوكي وحاكم مصر بتكليف من الدولة العثمانية في مطلع القرن التاسع عشر، تمرد عليها وبنى دولة له مستقلة، مستغلاً صراعاً أوروبياً مع العثمانيين، فاستفاد من دعم الاوروبيين، بانياً دولة حديثة نجحت في تصنيع معظم حاجاتها من السلاح والغذاء والادوات، حتى إن الجندي المصري من كعب نعله حتى طربوشه وبندقيته الإبراهيمية كان صناعة مصرية صرفة. أهمية محمد علي أنه لم يخرج الى الاقليم إلا بعد بناء بلده داخلياً، مباشراً إنجاز مشروعه السياسي بالسيطرة على بلاد الشام والتوغل في قلب جزيرة العرب لمطاردة آل سعود الخارجين عن طاعة العثمانيين وأخضعهم، فما كان منه إلا أن كشف مشروعه الحقيقي، وهو السيطرة على الدولة العثمانية وتأسيس دولة اسلامية كبرى على أنقاضها ومداها الجغرافي الواسع، هذا ما استدعى محاولاته العسكرية لاحتلال الجزء التركي من اسطمبول، وكاد ينجح لولا انتباه القسم المتحالف معه من أوروبا لخطورته.
تجسد هذا الحذر بمراسلة عاجلة من السفير الفرنسي المعتمد لدى محمد علي الى سلطات بلاده، حذرهم فيها من خطورة المشروع المصري الذاهب نحو سلطنة اسلامية كبرى على علاقة بالحداثة أكثر من العثمانيين في مراحلهم الاخيرة، وسرعان ما تخلت عنه حليفته الاساسية فرنسا. وبالاشتراك مع البريطانيين والعثمانيين وقوى أوروبية أخرى، هالها ولادة مشروع دولة اسلامية كبرى بديلة من العثمانية المتهالكة، ألحق هؤلاء هزيمة بقوات محمد علي وأعادوها الى الداخل المصري، تاركين له دولة مصرية، لكن من دون طموح إقليمي أو إسلامي، وهذا هو الاستثناء الاول.
ومصر نفسها هي أيضاً صاحبة الاستثناء الثاني، وهي بالطبع تجربة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر الذي استطاع التأثير على أكبر قاعدة جماهيرية حازها رئيس عربي في التاريخ، حتى إن تأثيره تخطّى العرب الى العالم الاسلامي وأميركا الجنوبية؛ اسألو هوغو تشافيز الذي كان يفتخر بأنه ناصري، أي منتفض على الاستعمار. أخطاء عبد الناصر أنه خرج الى الاقليم ولم يكن استكمل المشروع الداخلي لبناء دولة على المستوى الايديولوجي والصناعي والاقتصادي والعلمي، فتخلّى عن السودان محارباً اسرائيل ودافعاً بقوات عسكرية ضخمة الى اليمن، معمّماً مساعداته على الحركات العروبية في سوريا ولبنان والعراق والجزائر وليبيا، ومثيراً رعب الغرب والخليج وإسرائيل منه. كمنوا له على أكثر من مفترق، باجتماع الممالك العربية والقوات الاسرائيلية والرجعيين العرب عليه، ما جعل المحللين يعتقدون أن خطأه الاول كان تخلّيه عن السودان وانفلاشه الخارجي قبل التمكّن الداخلي، فما إن أعلن إقفال مضائق تيران بوجه اسرائيل حتى أرسل قواته الى اليمن لنجدتها، فهاجمته اسرائيل في 1967 وقضت على مشروعه السياسي. تبيّن بعد وفاة الراحل الكبير هشاشة البناء الداخلي لمصر، حتى إن رجلاً واحداً من أتباعه، هو أنور السادات، استطاع بسهولة تغيير الايديولوجية المصرية الناصرية من مستوى العداء لأميركا وإسرائيل الى التحالف معهما الى درجة التماهي والتخلي عن قيادة النظام العربي العام، ومنذ ذاك التاريخ خسرت مصر نفوذها الاقليمي والعربي، وأصبحت دولة ثانوية تخضع للتأثير السعودي الاميركي، ومتحالفة مع إسرائيل.
ماذا عن الاستثناء الثالث على حركة انهيار التاريخ العربي؟
إنه انتفاضة مستمرة تواصل صعودها بثبات المتمكنين، وتجسد رحلة «حزب الله» في تحرير جنوب لبنان منذ عام 2000 وصدّه الاجتياح الاسرائيلي في 2006 ودفاعه عن الدولة السورية في وجه الارهاب والسياسات الأميركية الاسرائيلية والخليجية، ابتداءً من 2013 بشكل متواصل، هذا إضافة الى دوره اللبناني في القضاء على مجموعات إرهابية ضخمة كانت تنتشر في جبال عرسال في الشرق اللبناني وبعض أنحاء الشمال والعاصمة والجبل.
هذه الملاحم القتالية جعلت «حزب الله» نموذجاً قابلاً للتقليد في عالم عربي واسلامي يستشعر الهوان منذ ألف عام. فهناك «الحشد الشعبي» في العراق الذي يضم أيضاً «حزب الله العراق» الى جانب «أنصار الله» في اليمن والتنظيمات الحليفة في سوريا، ومنها «حزب الله سوريا» والتنظيمات الفلسطينية المجاهدة. هذه الانتصارات عمّمت النموذج القتالي للحزب، ولولا مسارعة الملكيات العربية وجماعات الارهاب والتنظيمات الاسلامية المتطرفة والاعلام الغربي الى استهداف «حزب الله» بالفتنة السنيّة الشيعية لكان هذا النموذج الصامد والمستمر أكثر تقليداً وانتشاراً في هذا التاريخ المهزوم من قبل كل الفئات.
وإذا كان محمد علي باشا الالباني وجمال عبد الناصر المصري العربي هما رمزين تاريخيين، فإن السيد حسن نصر الله يمثّل بدوره نموذجاً للقيادة العربية المنتصرة والمتواضعة التي تدرك أن ظاهرة الحزب في طريقها الى التحول استثناء دائماً ومستمراً حتى اندحار النفوذ الغربي وتحالفاته المحلية، بما يعيد تاريخ العرب الى القرن الواحد والعشرين ببنادق المجاهدين والوطنيين.

* أستاذ جامعي ومحلل سياسي