تتناول هذه المقالة أثر الثروة المالية والثورة النفطية في المجتمع الخليجي، والتطورات والتغييرات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي واكبت «ثورة النفط». فمن يقارن بين ما كانت عليه المدن الإماراتية والخليجية العربية من بدائية وبساطة في بداية سبعينات القرن الماضي، وبين ما وصلت إليه من بذخ وثراء، يستطيع تبيان أثر هذه الثورة النفطية وما رافقها من تراكم للثروة. الصور بين الأمس واليوم مختلفة تماماً، إلا صور الحكّام ما زالت كما هي. كل شيء تغيّر في تلك الإمارات إلا زعماء القبائل الذين تغيّر لقبهم من «الشيخ» إلى رئيس. وبات «الشيخ وأفراد عائلته يملكون دولة». فدول الخليج العربي هي الدول الوحيدة التي يمكن تعريفها بـ«دولة العائلة». ففي العقود الخمسة الأخيرة تحولت أراضي القبائل المتعددة إلى ملكيات خاصة لعائلة واحدة تحت مسمّى «أراضي الدولة». وتحولت عائدات النفط إلى مصدر دخل للعائلة. وتقوم عبر هيئة تنفيذية «الحكومة» والتي تتألف غالبيتها من أفراد العائلة بإدارة شؤون الرعية بما يتناسب ومصلحتها..


لمحة تاريخية
تشكّلت محميات الخليج العربي كدول «مستقلة»، باستثناء الكويت والمملكة العربية السعودية، مع بداية السبعينات بعد انسحاب سلطات الانتداب البريطاني منها، وبعد أن ضمنت استمرار مصالحها الاقتصادية والسياسية، خاصة تلك المتعلقة بالنفط. لذلك بقيت بريطانيا تدير شؤون هذه «الدول» حتى بعد انسحابها. فالمؤسّسات الأمنية (المخابرات، والجيش والشرطة) ظلّت تحت سيطرة وإدارة «الخبراء الإنكليز». كانت تلك المحميات قبل الوجود والنفوذ البريطاني في القرن التاسع عشر، عبارة عن قبائل تتصارع حول مناطق الرعي، وأحقية كل قبيلة بالحصول على ضرائب البضائع وحماية طرق التجارة الداخلية البرية والخارجية التي كانت تتم عبر شواطئ الخليج العربي. استمر هذا الأمر إلى حين احتلّت بريطانيا تلك المحميات وقامت بتقسيم المناطق وتسليم أمر كلّ منطقة للقبيلة الأقوى وليس بالضرورة الأكبر ضمن سياسة فرّق تسد. وعقدت معاهدات مع زعماء القبائل تضمن لهم فيها حمايتهم من أي اعتداء خارجي على أن تتعهد القبائل بعدم طلب أية حماية خارجية، إضافة إلى تعهد زعماء القبائل بأن لبريطانيا وحدها حق فضّ الخلافات والنزاعات بين تلك المحميات. وعمدت بريطانيا أثناء تقسيمها مناطق نفوذ القبائل أن ترسم الحدود بشكل يبقي النزاعات قائمة بين تلك المحميّات. هذه الحدود التي ما زال الخلاف قائماً حولها بين عُمان وراس الخيمة، دبي والشارقة، أبوظبي وعُمان، قطر وأبو ظبي، البحرين وقطر، السعودية واليمن، الكويت والسعودية. على المستوى السياسي، قامت تحالفات استراتيجية بين زعماء القبائل «الحكّام» وبين العائلات التي تعمل في التجارة، بحيث يضمن الحاكم سلامة الطرق التجارية والموانئ وتعهّد التجار بدفع الضرائب للحكام. وهذا التحالف (لا يزال) مستمراً حتى هذا التاريخ. وكذلك الأمر فقد عقد حكّام المحميات مجموعة من المعاهدات تضمن عدم اعتداء أيّ منهما على الأخرى، وتوّجت تلك العلاقات بالمصاهرة بين «حكّام المحميات». في عام ١٩٧١ انسحبت بريطانيا من دول الخليج وتأسست إثرها دولة «الإمارات العربية المتحدة» من المحميات والإمارات «المتصالحة» كما كان يطلق عليها (أبوظبي، دبي، الشارقة، راس الخيمة، عجمان، أم القيوين، الفجيرة). ونظراً إلى فارق قوة ونفوذ كلّ محمية، تعهدت أبوظبي وهي الإمارة الأكثر ثراءً بتوفير كل الدعم الاقتصادي والمالي لحكّام الإمارات الضعيفة شرط أن تتخلى كل منها عن بعض صلاحياتها المحلية لصالح الدولة الفيدرالية. وأعلنت قطر والبحرين نفسهما «دولتين مستقلتين». وانضمت كل هذه الدول الحديثة التأسيس إلى الأمم المتحدة وإلى جامعة الدول العربية. وكان القاسم المشترك بين هذه «الدول» هو الثروة النفطية. ومن الجدير بالذكر أنه قبل اكتشاف النفط والسيطرة على موارده كانت تعتمد هذه المحميات في تسيير شؤونها (الإدارية والتعليمية والصحية... إلخ) على مساعدات بعض الدول العربية خاصة في مجال التعليم والصحة.

بقي النظام السياسي قائماً على تحالف العائلة الحاكمة وكبار التجار والقبائل ووكلاء الشركات الأجنبية


الثروة النفطية
لقد أدى اكتشاف النفط في تلك الدول إلى تسريع نشوئها كدول وتسريع عملية التنمية فيها. فقد شهدت فترة السبعينات خاصة بعد حرب أكتوبر ١٩٧٣ زيادة غير مسبوقة في أسعار النفط، الأمر الذي وفّر لتلك الدول تراكم ثروة مالية هائلة تتجاوز في كمّها مصاريفها الداخلية بأضعاف خاصة مع التعداد الضئيل لسكان تلك الدول. هذا الأمر أدى إلى التفكير بالاستثمارات الخارجية وتقديم مساعدات خارجية للعديد من الدول والمؤسسات (وسنعود لهذا الموضوع لاحقاً)، كما شهدت تلك المرحلة مظاهر بذخ غير مسبوقة لدى حكّام وغالبية سكّان تلك الدول. وأدّت مشاريع التنمية والتطوير إلى ضرورة استجلاب العمالة الخارجية الرخيصة. بالرغم من تراكم الثروة النفطية، وباستثناء السعودية والكويت فلم تكن لتلك الدول الحديثة العهد أيّة توجهات بلعب دور سياسي إقليمي خاص بها، ولم تتخذ مواقف تتعارض والإجماع العربي، ولم تصطف في محور عربي ضد محور عربي آخر، أي إنها حافظت على حدّ معيّن من الحيادية تجنّباً لانعكاس ذلك على أوضاعها الداخلية. ومن الجدير بالذكر أنه كان لتلك الدول مواقف إيجابية في ما يتعلق بسياستها الخارجية المتضامنة مع قضية الشعب الفلسطيني وتوفير الدعم المالي له، وتقديم دعم غير مسبوق لدولة اليمن بشمالها وجنوبها، وكذلك تقديم مساعدات لسوريا ومصر لإعادة تأهيل جيوشهما وبنيتهما التحتية بعد «حرب أكتوبر». وبالرغم من احتلال إيران أثناء حكم الشاه لثلاث جزر إماراتية إلا أنها لم تتّخذ موقفاً عدائياً ضد إيران بل اختارت اللجوء إلى التحكيم السلمي للنزاع القائم. كما اختارت تلك الدول حلّ نزاعاتها الحدودية عبر التحكيم وغير ذلك من الوسائل السلمية. إلا أن حكمة تلك الحقبة كانت ناتجة عن تخوف من عاملين أساسيين: وجود جارة قوية مثل السعودية التي لها طموحات توسعية في المنطقة والتي كانت تعتبر حتى تلك الحقبة أن هذه الإمارات والمحميات كان يجب أن تكون امتداداً سياسياً وجغرافياً لها. وكذلك الجار الإيراني الذي كان دائم السعي لمدّ نفوذه السياسي والاقتصادي في المنطقة. لذا كان لا بد لهذه الدول أن تبني علاقات جيدة مع مصر وسوريا والعراق والجزائر وليبيا للوقوف إلى جانبها عند الحاجة.
أما على المستوى السياسي الداخلي، فقد عزّزت الثروة النفطية دور «العائلات الحاكمة» حتى باتت تلك الدول يطلق عليها من بعض الأكاديميين تسمية «دولة العائلة» التي تُدار شؤونها كما يدير صاحب الشركة ملكيته الخاصة. فقد بقي النظام السياسي قائماً على تحالف العائلة الحاكمة وكبار التجار والقبائل ووكلاء الشركات الأجنبية. ويقوم هذا التحالف على تقديم الرشاوى المالية والوظيفية للقبائل، ومنح أصحاب الشركات من الإماراتيين عقود مقاولات بمئات الملايين، إضافة إلى عضوية في مجالس استشارية شكلية. فدول الخليج العربي، باستثناء البحرين والكويت لا تسمح بتشكيل أحزاب سياسية، كما لا تأخذ أيّ إجراءات لضمان حرية التعبير والانتخاب والمساءلة والرقابة. بل على العكس من ذلك فإن تلك الدول تقوم بإجراءات قمعية (مقوننة) ضد أي صوت معارض أو مطالب بالمشاركة في اتخاذ القرار.
لقد دفع تراكم الثروات الناتجة عن ارتفاع أسعار النفط، إلى توسيع العائلات الحاكمة نشاطها الاقتصادي إلى الدول المجاورة، فتأسّست شركات وبنوك يتشارك في ملكيتها أصحاب رؤوس الأموال في تلك الدول. إضافة إلى توسع الاستثمارات الهائلة التي وظفّوها في سوق العقارات في المدن الغربية، خاصة في لندن، والولايات المتحدة وإسبانيا. هذا النشاط ازدهر ليتضمّن شراء مصافي نفط، وشراء أسهم في العديد من كبريات الشركات والمؤسسات والنوادي الرياضية الأوروبية (كرة القدم خصوصاً) إضافة إلى الاستثمار في ميادين سباق الخيل. لقد أدت الثروة النفطية إلى تطور ثورة عمرانية في كل دول الخليج العربي، حيث تمت إعادة تأهيل البنى التحتية في هذه الدول، إضافة إلى تشييد مبانٍ جديدة لاستيعاب القادمين الجدد الذين يساهمون في إعمار تلك الدول. حيث تؤكّد بعض الدراسات أن دول الخليج العربي كانت تتولى تنفيذ ٦٠ ٪‏ من حجم المقاولات والبناء في العالم، وأنها كانت المستهلك الثاني لآلات البناء على المستوى الكوني، تسبقها في هذا المجال الصين. هذه الثورة العمرانية ساهمت في تراكم ثروات أصحاب شركات المقاولات المحليين والعاملين في مجال تجارة العقارات التي كانت أسعارها خيالية قبل الأزمة الاقتصادية العالمية، التي تأثرت بها بعض دول الخليج نتيجة تراجع قيمة استثماراتها الخارجية، وفي بعض الحالات خسارتها كلياً كما حصل في السوق العقاري والمؤسسات المالية المرتبطة بهذا السوق في الولايات المتحدة الأميركية عام ٢٠٠٨. والجدير ذكره في هذا المجال، أن تراكم هذه الثروات ما كان سيبلغ هذا الحجم لولا استجلاب الأيدي العاملة الرخيصة من الهند وباكستان والدول الآسيوية الأخرى. إذ لا يتجاوز راتب العامل منهم 300 دولار شهرياً، ولا يوجد قانون عمل يحمي حقوقهم سواء من ناحية الأجور والإقامة أو الضمان الصحي وغير ذلك من الأمور المتوفرة في غالبية دول العالم. وسأعطي مثالاً على حجم تراكم الثروات الناتج عن استغلال العمال الأجانب في تلك الدول. فمثلاً في كندا، يكلّف بناء القدم المربع من المنشآت ٢٠٠ دولار أميركي، وهذا السعر يتضمن المواد الأولية، كلفة العمالة، التراخيص الضرورية للبناء، (كلفة المواد الأولية والتراخيص ٩٠ دولاراً ، كلفة العمالة ١١٠ دولارات) من كلفة البناء، ويباع القدم المربع بعد ذلك بـ 230 دولاراً. أي إن نسبة الربح العامة وقبل استقطاع الضرائب الحكومية على الأرباح لا تتجاوز الـ ١٥ ٪‏. ونظراً إلى كون أسعار مواد البناء هي أسعار دولية، فإنّ كلفة البناء قبل احتساب كلفة العمالة واحدة في دبي أو أبوظبي أو تورنتو، أما كلفة العمالة في الخليج لا تتجاوز الـ ١٠٪‏ من كلفة العمالة في تورونتو. ويباع القدم المربع في دبي مثلاً بمثيله في تورنتو أي ٢٣٠ دولاراً (٩٠ دولاراً كلفة المواد الأولية، ١٠ دولارات كلفة العمالة) أي أن الربح الناتج من بيع القدم المربع في دبي يساوي ١٣٠ دولاراً وهو نتاج استغلال العمالة الأجنبية المحرومة من كلّ حقوقها حتى الإنسانية. قس على ذلك في المجالات الاقتصادية والحياتية كافة، فدخل الشركات الخليجية من العمالة الأجنبية يساوي دخل الدولة من النفط. وهذا بالضبط أساس التحالف بين القطاع الخاص والدولة. وهذا ما يجعل القطاع الخاص خاضعاً لقرار الحاكم.
* ناشط فلسطيني مقيم في كندا