ما هي أبرز المؤثرات في تكوين توجهات وأيديولوجيا السلطة الحاكمة في الصين، وفي تحديد منطلقات وتوجهات سياسة الصين الخارجية؟هل هي الأيديولوجيا والثقافة القومية ذات البُعد الأخلاقي، التي تؤطر العلاقات الصينية مع العالم؟ أم العامل الاقتصادي - التجاري الذي أصبح حاكماً في منظومة علاقات الصين ونشاطها المتعاظم؟ هذا النشاط الاقتصادي الرائد على مستوى التجارة الدولية الذي تتفرّد به الصين، والمتميِّز في سياسة فتح الأسواق العالمية، وإغراقها بالسلع والمواد الاستهلاكية على اختلافها؟

في مجال تأكيد (البُعد القيِمي أو التراثي) كمحدِد أساس في سياسة الصين الخارجية، يرى البعض أن كلّ القيم الأخلاقية التي تبنّاها سياسيو الصين وقادتها الحزبيون، بدءاً بنظريات الزعيم (ماو تسي تونغ) صاحب الثورة الثقافية والعودة إلى التراث، وصولاً إلى (المبادئ الخمسة للتعايش السلمي بين الدول) عصب مرتكزات سياسة الصين الخارجية ومنطلقاتها الحديثة التي أطلقها المنظّر السياسي الصيني الكبير شو ان لاي في ستينيات القرن الماضي. كل هذه الرؤى والسياسات مستمدّة بمعظمها من تعاليم مدرسة الفيلسوف الصيني كونفوشيوس. وقد استفاد قادة الصين من جوهر أبعادها الأخلاقية والإنسانية في رسم معالم منظومة سلطتهم وآليات سياساتهم على المستويين الداخلي والخارجي. بالقراءة الأولى لمجريات الوقائع السياسية على مدى العقود الثلاثة المنقضية بين الصين والخارج، يمكن القول إن التحول الاستراتيجي الذي شهدته الصين في ارتقائها السلم الدولي، ليس مفصولاً عن التوجه الثقافي القومي والاستناد إلى أصالة التراث الذي أشرنا إليه والذي يقوم على العِرق الهاني أو قومية الهان وأبرزها أسرة تشين، التي أفرزت مجموعة من أساتذة التربية والتعليم والأخلاق مثل تشنغ تشونغ تشو وجنغ شوان (1017-1073) المتحدرين من عهد أسرة هان. هان يو من أسرة تانغ ثنين تشو (1635-1704) وداي تشن من أسرة تشينغ والأستاذ كانغ يوي (1858-1927)، وغيرهم من المعلمين المشهورين في العصور المختلفة الذين حملوا التراث الكونفوشوسي، وركّزوا على اعتماد أدبيات (لغة الماندرين) ذات البُعد القومي في التراث الصيني التي يستخدمها أكثر من 70% من الشعب.
ومن الواضح أن هذا التوجّه السياسي الصيني ذا الخلفية القومية، ليس مفصولاً عن توجهات قومية متصاعدة في منطقة الشرق الآسيوي بكاملها.
ويقول تقرير لوزارة الدفاع الأميركية عام 2014: «إن هناك تصاعداً واضحاً في المشاعر القومية لدى معظم الدول المتطوّرة اقتصادياً في منطقة حوض المحيط الهادي».
من خلال الوقوف عند أدبيات فلسفة الصينيين، نجد أن الفلسفة الصينية هي «أساسا وجوهراً، ذات طابع عَملي وهدفها تغيير سلوك الإنسان. وبالتالي فهي ذات غايات سياسية تتمثل في خلق نظام يجمع الطبيعة والمجتمع والإنسان في وحدة واحدة وبنوعٍ من الانضباط الحضاري الكوني. ولم يفصل الصينيون بين الإنساني والطبيعي، ولم يتصوروا الإنسان إلا بدلالة اجتماعية». وضمن هذا النطاق، لا بدّ لنا من التوقف عند مصطلح «البُعد الديني» في الثقافة الصينية كمُحدِّد أساس لسياسة الصين ببُعدَيها الداخلي والخارجي.
وهنا تشير المراجع المختلفة لأنثربولوجيا الثقافة الصينية، إلى أنه ليس في هذه اللغة كلمة مرادفة لكلمة «الدين». فالمُفردة المستخدمة في الصين للدين تحمل معنى «التعليم» أو التأهيل و«الإعداد القِيمي والأخلاقي»، المستند على احترام قيم عليا كتقديس العائلة والمساواة وعلاقات حُسن الجوار... إلخ، ولا تحمل الدلالات التي تحملها كلمة الدين في الثقافات الأخرى.

المُفردة المستخدمة في الصين للدلالة على الدين تحمل معنى «التعليم»


ولعل هذا عائدٌ إلى أن الصين لم تعرف في تاريخها الدولة الدينية، بل إن معظم الدويلات الصينية ــ باستثناء فترات عابرة ــ لم تعرف بينها الحروب الدينية، وما زالت الثقافة السائدة ترفض تدخّل الدين في الشؤون السياسية. وللتدليل على النمط العِلماني للثقافة الصينية، يقول جورج طرابيشي: «لقد تمكن الصينيون من تأسيس سياسة مدنية خالصة، من دون الاستناد إلى أي نظرية ميتافيزيقية حول خلق الكون، ولا يدور بخلدهم أن يضعوا فوق الوجود العادي عالماً من الماهيات الروحية الخالصة، فالغائب الكبير عن عالمهم هو الإله أو فكرته، وشريعتهم الوحيدة هي منظومة قواعد السلوك التي تجعل من الإنسان كائناً حضارياً». وفي تحديده للمتغيّرات المركزية للحضارة أو الثقافة، يرى هانتنغتون أن اللغة والدين هما المتغيران المركزيان. ومن المؤكد أن التقارب اللغوي مع كلٍّ من الحضارة الإسلامية أو الغربية غير متوافر للحضارة الكونفوشية.
أما الجانب الديني الميتافيزيقي، فإن القراءة الدقيقة تدل على أن هذا الجوهر الثقافي يجعل من الغرب أقرب إلى حضارة كونفوشية، تقوم على غياب المنظور الميتافيزيقي، وحتى على غياب كلمة دين من اللغة الصينية. وهو ما يعني أن هانتنغتون قسّم العالم طبقاً لمتغيرات معينة، لكنه لم يلتزم بهذه المتغيرات، عندما حدّد التحالفات المستقبلية بين الكتل الحضارية التي افترض قيامها. وعليه نرى، أن هناك ثقافة عالمية تسعى كي تفرض نمطَها على المجتمعات والثقافات كافة، سواء من خلال النَمط السياسي (النموذج الديموقراطي) أو من خلال (النَمط الاقتصادي)، كما هي الحال في فلسفة اقتصاد السوق، أو من خلال الأنماط الاجتماعية، المتمثّلة في محاولة تنميط الأزياء والأساليب الأدبية والأذواق وأنماط الموسيقى، أو تعميم اللغة الإنجليزية... إلخ، من خلال وسائل الإعلام وغيرها من الوسائل.
قبالة هذا الواقع وما يكتنفه من التحديات، نستنتج أن قادة الصين قاربوا مفهوم الحكم وإدارة السلطة ورسم السياسات الخارجية، من خلال عملية «المزاوجة وتركيب جملة عناصر»، وصولاً إلى تحصيل خلاصات ناجحة على مدى ما يزيد على ثلاثة عقود في مرحلة الإصلاح والانفتاح التي قادها الزعيم الصيني الكبير ورائد الإصلاح دنغ شياو بنغ، والتي تعني من (المنظور الجدلي) أن الصين تعيش «مرحلة انتقالية»، حيث تتصارع فيها الفكرة ونقيضها ليتشكل مركّب جديد.
وتتبدى لنا المقاربة العملانية في الثنائيات التالية في البُنية الصينية المعاصرة:
1 – التعايش بين الحزب الواحد من ناحية واقتصاد السوق من ناحية ثانية.
2 – تكييف بنية النظام الاشتراكي من خلال الاستعانة بآليات التكيّف الرأسمالية، مثل: إدخال مفهوم الحافز في الثقافة العمالية، والقبول بفكرة التعاون مع القوى التي تمثل القطاع الخاص.
3 – الانفتاح التجاري على كافة الأسواق، والانفتاح الثقافي على العالم، وذلك من منطلق حفظ مصالح الصين الأم وامتدادها الآمن.
4 – المزاوجـة بين تقاليد الدولة العظمى التي تحتاج إلى قدر من التسهيلات أمام نشاطها التجاري بشكل خاص من ناحية أخرى.
5 – إبقاء الإطار الأيديولوجي المرِن (لجهة تأكيد الانتماء إلى الدول النامية والمحافظة على أصالة التراث وقيم الماضي) متحكّماً فـي التوجهات الإستراتيجية العليا من دون حرمان المنظور البراغماتي من تيسير الممارسة السياسية داخلياً وخارجياً.
عموماً، كانت روحية العودة إلى أصالة التراث، والمزاوجة بين النموذج الرأسمالي والنموذج الاشتراكي (الاشتراكية ذات الخصائص الصينية)، من بين الموضوعات التي تناولتها الدراسات المستقبلية للصين. وقد استفادت الدراسات التي تُنظّر لمستقبل النظام الدولي والقوى العظمى من رصد بعض الظواهر الخاصة في الصعود الصيني، كالعمل على التوفيق بين رأس المال والعمل، وتنامي نزعة المشاركة بين القطاعَين العام والخاص، بل وأخذ بعض القطاعات غير الحكومية بفكرة التخطيط بعيد المدى، الذي شكل أحد الأسس للنظام الاقتصادي الاشتراكي ذي الخصائص الصينية.
إن من الواضح أن البُنية الثقافية الصينية المحدِّدة لأبعاد السياسة الصينية بشقيها الداخلي والخارجي، تخضع لعدة عوامل حاكمة، منها ما هو مرتبط بالتراث والقيم ومنها ما هو براغماتي، يتغير بحسب التغيرات والظروف والمصلحة. وكل هذه العوامل تمر بمرحلة انتقالية متفاوتة الظروف والضوابط.
ويبدو أن الشكل الذي استقرت عليه هذه المرحلة الانتقالية من الناحية الثقافية، هو (الإحياء القومي) الذي يتجاوب مع متطلبات مرحلة (الإصلاح والانفتاح)، الأمر الذي سيؤدي إلى التفكيك المتدرج للتراث الماوي القائم على «تقديس التراث». وقد يأخذ ذلك شكل النقد المتدرج الهادئ لمرحلة ماو في البداية، ثم تصاعد هذا النقد في ما بعد، والتركيز على الهوية التاريخية والحضارية الصينية، وأبعادها التي تتيح لها الانطلاق نحو «العالمية».
ومعلوم أن الهوية الثقافية للمجتمع، تنعكس في بُعد آخر من أبعاد المجتمع وهو البنُية السكانية، إذ لا تنفصل الزيادة السكانية أو سلوك الأقليات أو التباين بين الريف والمدينة عن هذه البنية الثقافية وثوابتها ومتغيراتها.
إن الخلاصة التي نصل إليها في قراءة أهمية البُعد الثقافي أو القومي في تشكيل سياسة الصين داخلياً وخارجياً، هي أن المنظومة الثقافية الصينية في تميل بشكل واضح في المرحلة الراهنة نحو النزعة الانفتاحية التي تطلق الطموح الصيني من قيوده نحو العالمية، مع الحفاظ على قيم الأصالة والتراث، وهي ستساهم حتماً في إعادة تشكيل توجهات الدولة الصينية وبُناها وسياساتها، مستفيدة من (الطموح الكوني) الذي رافق مرحلة ماو تسي تونغ، ومِن بعده دنغ شياو بنغ، الزعيم الصيني الرائد في توجهاته الإصلاحية.
ختاماً، لا يزال النهج السياسي والحزبي، المرتكز إلى قِيم الأصالة والتراث الطامح إلى لعب دور عالمي على المسرح الدولي، يراود توجهات قادة الصين المتعاقبين، وسيُساهم حتماً في نسج تحالفاتهم، وفي رسم سياستهم الخارجية إلى يومنا هذا.
* أستاذ جامعي