وَتَعْرِفُونَ الْحَقَّ، وَالْحَقُّ يُحَرِّرُكُمْ
(السيد المسيح)



إثر توقيعه للقانون رقم 144 تاريخ 31/7/2019 «الموازنة العامة والموازنات الملحقة لعام 2019» ومن مشتملاته المادة 80 التي نص مقطعها الأخير على حفظ حق الناجحين في المباريات التي أجراها مجلس الخدمة المدنية، وجه رئيس الجمهورية ميشال عون رسالة إلى رئيس مجلس النواب نبيه بري وأعضاء مجلس النواب طالب فيها المجلس بتفسير محدّد لعبارة «مقتضيات الوفاق الوطني»، الواردة في المادة 95 من الدستور، معطوفة على الفقرة «ي» من مقدمته، لا سيما في ضوء آثارها على الوظيفة العامة في ما يعني موضوع هذه الرسالة.
جدير ذكر أنه تم إعلان أسماء الناجحين في مباريات وامتحانات مجلس الخدمة المدنية وفقاً لما نصت عليه الفقرة «ب» من المادة 95 من الدستور التي نصّت على إلغاء القيد الطائفي واعتماد الكفاءة والاختصاص.


ملاحظات حول ما ورد في الرسالة الرئاسية:
1 - إن رئيس الجمهورية قد وقع على القانون رقم 144 ككلّ ولم يُعده إلى مجلس النواب أو يطعن به أو بإحدى مواده في المجلس الدستوري. فكيف يُفسّر هذا التناقض بين التوقيع على هذا القانون بكافة مواده بما فيها المادة 80 من دون ردّه إلى مجلس النواب أو الطعن به في المجلس الدستوري وفي المقابل الدعوة في الرسالة إلى تفسير المادة 95 من الدستور، حيث اعتبرت إعلان أسماء الناجحين من قِبل مجلس الخدمة المدنية خارج القيد الطائفي مخالفاً لمقتضيات الوفاق الوطني؟!
2 - إن مطلب الرسالة الرئاسية بتفسير المادة 95 من الدستور هو في غير محله، لأن هذه المادة أكثر من واضحة ولا تنطوي على أي التباس في دلالاتها وأنه يجب حصر المناصفة بين المسلمين والمسيحيين ضمن وظائف الفئة الأولى، بينما الفئات الوظيفية الأخرى لا تخضع لهذه المناصفة بل يسري عليها معيار الكفاءة حصراً؛ على حدّ قول مرجع دستوري شارك في اجتماعات الطائف (يُراجع مقال عماد مرمل في صحيفة الجمهورية عدد الجمعة 2 آب). بناء عليه، يمكن القول إن التفسير المطلوب في الرسالة يخفي طلباً لتعديل المادة 95 من الدستور! وللتعديل الدستوري آلياته المحددة في الدستور.
3 - هل كان تطبيق أحكام المادة 95 من الدستور فقرة «ب» لجهة عدم الأخذ بقاعدة التمثيل الطائفي واعتماد الكفاءة والاختصاص بالنسبة إلى الوظائف العامة التي هي دون الفئة الأولى منذ حصول التعديل الدستوري في 21/9/1991 وحتى تاريخ غير بعيد يعتبر مناقضاً لمقتضيات الوفاق الوطني؟! أم أنه كان غير مناقض وطرأت مستجدات جعلته مناقضاً؟ وفي حال الأخذ بالرأي الأخير: ما هي المستجدات التي أدت إلى جعل غير المناقض مناقضاً؟!

يمكن القول إن التفسير المطلوب في الرسالة يخفي طلباً لتعديل المادة 95


4 -هل اعتماد الكفاءة والخبرة وعدم اعتماد قاعدة التمثيل الطائفي في الوظائف، المحددة وفقاً للمادة 95 من الدستور فقرة «ب» المطابق للمادة 7 من الدستور التي تكرس مبدأ المساواة بين اللبنانيين، يتناقض مع مقتضيات الوطني والعيش المشترك؟!
5 -لم تحدد الرسالة ماهية التعديل المطلوب للمادة 95 من الدستور، فقرة «ب»! هل يعني العودة إلى اعتماد المناصفة بالنسبة إلى الوظائف العامة التي هي دون الفئة الأولى؟ وما العمل إذا لم تتوافر في نتائج المباريات والامتحانات التي يجريها مجلس الخدمة المدنية هذه «المناصفة» المنشودة؟! هل يتم وقف التوظيفات وتعطيل عمل إدارات الدولة؟ أم يصار إلى إلغاء مجلس الخدمة وإيجاد آلية بديلة للتعيينات لا ترتكز على المباريات والامتحانات؟! وما العمل إذا لم تحقق التوازن في عدد طالبي التوظف؟!
5 -حين تطرقت الرسالة إلى الاستثناء الوارد في المادة 95 من الدستور، فقرة «ب» الذي نصّ على المناصفة في وظائف الفئة الأولى بين المسيحيين والمسلمين لم تبدِ أيّ اعتراض على مضمونها! لكن هذه المناصفة ربطت بعبارة «دون تخصيص أية وظيفة لأية طائفة مع التقيّد بمبدأ الاختصاص والكفاءة». إن قاعدة «عدم التخصيص» لم يُعمل بها منذ التعديل الدستوري في 21/9/1990 وحتى يومنا هذا باستثناء انتقال مديرية الأمن العام من المسيحيين إلى المسلمين الشيعة ويومها تسبب هذا الانتقال بموجة من الانتقادات الصادرة عن مكوّن لبناني! ألا يعتبر عدم إعمال هذه القاعدة مخالفة واضحة للدستور اللبناني؟ وهل يقبل من أرسل الرسالة بالعمل بها لأنها ليست موضع اعتراض منه، ولِمَ لم يعتبرها مخالفة لمقتضيات الوفاق الوطني؟!

* حقوقي لبناني