بعد مرور أكثر من قرن من الزمن على عملية الاغتيال التي دفعت أوروبا إلى حرب كارثية، يواجه الشرق الأوسط لحظة تشابه وضع عام 1914. وفي سياق المواجهة الخطيرة الحالية بين إيران والولايات المتحدة الأميركية، قد يؤدي هجوم واحد بصاروخ أو طائرة مسيّرة أو لغم بحري إلى تصعيد عسكري لا يُمكن السيطرة عليه. لكن طالما أن السيناريو الكابوسي هذا لم يتحقق بعد، فما تزال هناك فرصة لمنعه، وهنا يمكن أن تلعب الدبلوماسية الأوروبية دوراً مهمّاً.

لقد بدأ العد العكسي للأزمة الحالية بعد انسحاب الولايات المتحدة في أيار 2018 من الاتفاق النووي لعام 2015، المعروف أيضاً باسم «خطة العمل الشاملة المشتركة» (JCPOA). شرعت واشنطن بعد ذلك في استراتيجية أحادية الجانب تتمثل في سياسة «أقصى ضغط» تهدف إلى خنق الاقتصاد الإيراني وإحضار طهران إلى طاولة المفاوضات بشروطها. في حين أن إيران استجابت في البداية من خلال اتّباع سياسة «الصبر الاستراتيجي»، إلا أن صبرها انتهى في أيار 2019 عندما قامت الولايات المتحدة بخطوات فعالة لقطع صادرات إيران من النفط بشكل نهائي، وردّت طهران بالإعلان بأنها ستقوم بالخرق التدريجي للاتفاق النووي.
منذ ذلك الحين، دخلت طهران وواشنطن في دوامة تصاعدية وسط سلسلة من حوادث أصابت ناقلات في مضيق هرمز، وزيادة الوجود البحري الأميركي في الخليج، وهجوم إيراني على طائرة مسيّرة أميركية. في الآونة الأخيرة، طلبت واشنطن من الحلفاء الانضمام إلى مهمة بحرية بقيادة الولايات المتحدة في المنطقة، ظاهرياً تهدف إلى ردع التهديدات الإيرانية للملاحة الدولية.
ومن الوارد أن انطلاق شرارة واحدة قد يفجر صداماً لا يمكن حصره بالخصمَين الأساسيين بل سيؤدي إلى اندلاع حرائق في مناطق الصراع في العراق واليمن وسوريا ولبنان. أحد المسؤولين الإيرانيين البارزين الذين تحدثت إليهم مؤخراً هدّد قائلاً إن «إدارة ترامب مضللة تماماً، إذا اعتقدت أننا سنتفاوض والمسدس في رأسنا، أو أن أيّ حرب بدأتها ستبقى على نطاق المناوشات المتبادلة. سيتعيّن علينا ردعها عن ضربنا مرة أخرى، ما يعني أن علينا إلحاق ضرر كبير بها».
في العراق، وهي ساحة للمنافسة الأميركية الإيرانية منذ الغزو الأميركي عام 2003، تتمتّع إيران، من خلال دعمها للمجموعات الشيعية شبه العسكرية، بقدرات واسعة لضرب المصالح الأميركية من دون أن تكون هي في الواجهة. وأظهرت سلسلة من الهجمات بقذائف الهاون والصواريخ التي تهدّد المقرّات الدبلوماسية والعسكرية والمنشآت النفطية في جميع أنحاء العراق هذا العام والصواريخ التي أطلقت بالقرب من السفارة الأميركية في بغداد في أيلول 2018 بأنها قد تكون مسببات النزاع المحتملة.

طالما تبقي واشنطن على حملة الضغوط القصوى، ستفضّل طهران التعامل بالوسطاء


وقد تكون الحرب المستمرة في اليمن هي فتيل آخر لاندلاع التصادم، وقد يتفاقم الوضع هناك نتيجة التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، أو يزيد من هذا التوتر بدوره. قام المتمردون الحوثيون المدعومون من إيران في الآونة الأخيرة بزيادة هجماتهم بالطائرات المسيرة والصواريخ على المملكة العربية السعودية حليفة الولايات المتحدة. وإذا استمرت وتيرة وشدة هجمات الحوثيين بالتصاعد وتسببت بخسائر وضحايا بشكل فاضح، فقد يؤدي ذلك إلى رد أميركي عنيف ليس ضدهم فحسب، بل ضد إيران أيضاً.
أما في سوريا، فأدّت لعبة القط والفأر شديدة الخطورة بين إيران وإسرائيل، وتنفيذ مئات الغارات الجوية الإسرائيلية ضد أهداف إيرانية، إلى «حالة شبه حرب»، وفقاً لمسؤول إسرائيلي. وقد لا يكون من الممكن الحفاظ على الأنماط السابقة من العمليات العسكرية المحدودة وردود الفعل المقيدة في ضوء التوترات الإقليمية المتفاقمة. فالمواجهة بين الولايات المتحدة وإيران قد تجرّ إسرائيل وسوريا إلى ساحة المعركة، وقد تختار إيران الاستفادة من وجودها العسكري الموسع هناك للانتقام. ويمكن أن يحدث العكس، أي إن مواجهة بين إيران وإسرائيل حول سوريا تورّط الولايات المتحدة وحتى روسيا.
وفي لبنان، تتعرض حالة الردع التي منعت إسرائيل وحزب الله من الولوج إلى مواجهة جديدة منذ عام 2006 للخطر. في حال هجوم أميركي على إيران، قد يرى حزب الله نفسه مضطراً لضرب إسرائيل لدعم مسانديه في طهران، أو قد تشعر إسرائيل أن لديها فرصة سانحة لضرب معدّات حزب الله من الأسلحة المتطورة وترسانته الموسعة. وفي شهر أيار، حذّر الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله، من جانبه، من أن الهجوم على إيران «سيعني أن المنطقة بأكملها ستشتعل».
وبالحقيقة، فإن أيّ نقطة من هذه النقاط الساخنة يمكن أن تؤدّي إلى مواجهة إقليمية أوسع، كما أن التوتر في أيّ من هذة النقاط مرجّح للتفاقم نتيجة المواجهة المحتملة بين الولايات المتحدة وإيران. لذا، ينبغي أن يكون لمنع تصاعد التوترات أولوية عاجلة. فحتى الآن، وطالما تبقي واشنطن على حملة الضغوط القصوى، ستفضّل طهران التعامل بالوسطاء، مثل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وربما السيناتور راند بول الجمهوري، لاستكشاف خيارات للتراجع عن حافة الهاوية، وتبيّن أنها غير مهتمة ببدء مفاوضات مباشرة مع الولايات المتحدة. يتمتّع كلا الرجلين بوصول مباشر إلى الرئيس ترامب، وبالتالي يمكنهما الالتفاف حول المقاومة الداخلية في إدارة ترامب تجاه انفراج العلاقات مع إيران.
يتمثّل أحد خيارات منع التصعيد في أن تعود الولايات المتحدة بشكل جزئي إلى صيغة إعفاءات العقوبات المفروضة على صادرات النفط الإيرانية، في مقابل استئناف طهران امتثالها الكامل للاتفاقية النووية والامتناع عن استهداف الملاحة في الخليج. يمكن للدبلوماسيين أيضاً إحراز تقدّم نحو الإفراج عن بعض الأشخاص المزدوجي الجنسية الذين سجنتهم إيران بتهم مشكوك فيها. بعبارة أخرى، يمكن أن تعود الأطراف إلى نسخة محسّنة من الوضع القائم قبل أيار، مع التزام باستئناف مفاوضات أوسع بشكل يتم تحديده. سيتطلّب النجاح بذلك أن تقوم الولايات المتحدة بتعديل حملة الضغوط القصوى ضد إيران في مقابل تنازلات إيرانية محدودة بنفس الدرجة.
الحرب لم تصبح حتمية بعد، لكن قد يكفي عود ثقاب واحد مرمي بلا مبالاة على الوقود المتراكمة لاندلاع مواجهة تجتاح المنطقة برمتها. وبينما لم تقدر فرنسا على وقف المدافع في آب 1914، قد يكون بوسعها إيقاف الزوارق الحربية في آب 2019.
* مدير مشروع إيران في «المجموعة الدولية للأزمات»